الباحث في العلوم السياسية رشيد بلقرع لـ «الشعب»:

مقترحات الجيش أنتجت بيئة سياسية ونقاشا مجتمعيا جديدا

حوار: نـــور الــدين لـعراجـــي

 مــؤشّرات التّحــوّل والحركــة الدوليــة تأتـــي وفــق مسـارات مدروســة
 المزايـــدات لا تخـــدم الأجنـدة الوطنيــــة بــل لتعفــين الوضــع السياسي
 هنــاك أجنــدات سياسيـــــة واقتصاديـــة بمساعــدة وكــلاء محلـــــيّين لضـرب البلــد
 وسائـــل الإعــلام الفـرنسيّة لم تأتلــف توجّهــا جديــدا للشّبــاب المنتفـــض

يقول الباحث بقسم الدكتوراه بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية رشيد بلقرع، إن القيادة العليا للجيش تدعو الى التعجيل بالانتخابات الرئاسية، لأنه خيار لا يمكن تجاوزه وأنّ البيئة الحاضنة لهذه الانتخابات يجب أن تكون في مستوى انتخابات نزيهة، وأنّ الوصول الآمن إلى انتخابات رئاسية سيقطع الطريق أمام مختلف المزايدات والإدّعاءات، التي لا تخدم بالضرورة أجندة وطنية على غرار محاولة الاستمرار في تعفين الوضع السياسي للبلاد. وحاول الباحث بلقرع في هذا الحوار تقديم بعض المقاربات للمشهد السياسي، منها ما تعلق بالأحزاب السياسية، والظروف الامنية المحيطة بالبلد، ناهيك عن التوترات الدولية ودور قيادة الجيش الوطني الشعبي في هذا المنعرج الحاسم من تاريخ الجزائر بعد الحراك الشعبي.

-  الشعب: لماذا تصر القيادة العليا للجيش الذهاب الى انتخابات رئاسية دون تأخير؟
  الباحث رشيد بلقرع: لا يختلف عاقلان على أنه وفي كل دول العالم تقوم مؤسسة الجيش بمهام الدفاع وحماية السيادة الوطنية من أي تهديد، كما أنّ حيازة هذه المؤسسة للمعلومة الأمنيّة وتنوع دوائرها المختصة يجعل قراراتها وخططها مبنيّة على إدراكات لا تتوافر لمن هو خارج هذه المؤسسة بالشكل الكامل والصحيح أيضا؛ وفي الحالة الجزائرية فإنها لا تشذّ عن هذا الطرح، ولذلك فإنّ تصوّر قيادة الجيش لما يكتنف الوضع الحالي للبلاد، وما يتوافر للدوائر الأمنية المختصة التابعة لمؤسسة الجيش بكل تفريعاتها هو ما يمكن أن يفسّر التوجّه الحالي لقيادتها العليا من أنّ التعجيل بالإنتخابات الرئاسية هو خيار لا يمكن تجاوزه، وأنّ البيئة الحاضنة لهذه الإنتخابات يجب أن تكون في مستوى إنتخابات نزيهة، وأنّ الوصول الآمن إلى إنتخابات رئاسية هو ما يقطع الطريق أمام مختلف المزايدات والإدّعاءات التي لا تخدم بالضرورة أجندة وطنية على غرار محاولة الإستمرار في تعفين الوضع السياسي للبلاد طمعا فقط في محاصصة حكوميّة قد تكون على أسس عرقية أو حتى دينيّة.

-  ما يجهله الكثير أنّ الجزائر تعيش في بؤرة توتّر خطيرة جدا، هل لكم كباحث في العلاقات الدولية تسليط الضّوء على أهم هذه النّقاط السّوداء التي يجهلها المواطن بحسن نيّة؟
  فيما يخص البيئة السياسية الدولية وجوار الجزائر في ظل الوضع الراهن، فإنّ الباحث الموضوعي والمراقب السياسي لا يمكنه أن يقفز على حقائق البيئة الدولية ومخرجاتها أو التقليل من شأنها؛ ذلك أنّ أساساً نظريا مفاده ارتباط سياسة الداخل بالخارج عبر علاقة وثيقة Close relation يجعل ممّن يتجرّدون لحصر الوضع الأزمي جزائريا، وحتى عربيّاً ضمن الداخل جزءً من المؤامرة التي يسعون على الدوام لنفيها..ولذلك فإنّ من يرصد مؤشرات التحول في الجزائر والحركة الدولية لجوار الجزائر وارتباطها بمصالح الدول الكبرى، والتي تهتبل الفرصة لوضع أي تحول سياسي لدول الجنوب ضمن مسارات مدروسة تخدم مصالحها الاقتصادية وحتى الحضارية، بالأساس ولذلك فإنّ ما يزيد من خطورة الداخل الجزائري هو نفاذ هذه القوى الكبرى عبر استعمال وكلائها في دول عالم الجنوب ومنها الجزائر، وهو ما يمكن اعتماده مدخلا لفهم التحرك الليبي على الجبهة الشرقية للجزائر ممثلة في جيش الجنرال حفتر المدعوم فرنسيّاً و»عربيّا « في أوج الإحتجاج الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ 22 فبراير، وأيضا ما تشهده الحدود مع الجارة تونس من استحداث لتوتر غير عاد وشرخ أمني، ومحاولة تثوير للأقليات عبر إثارة نعرات قبليّة خامدة منذ زمن لا يمكن أن يفسر مع مؤشرات أخرى لا يتسع المجال لذكرها إلّا ضمن خطّة تنتهجها بعض الأطراف الدولية ومنها الكولون السابق وعبر وكلائه من» الفرنكوفيل» و»الفرنكوبربريزم»، وذلك لتعفين الوضع العام للبلد وتمرير أجندات سياسية واقتصادية بمساعدة وكلاء محليين لا يحملون بالضرورة ولاءات وطنية، ومع كل ذلك فإنّ الوعي، كل الوعي بمخاطر البيئة الدولية بما فيها منظمات حقوق الانسان وغيرها هو ما يؤكّد الجواب الأول من أنّ التعجيل بانتخابات رئاسية نزيهة هو ما يقطع الطريق أمام وكلاء اليوم و»نزلاء»..الأمس.

-  هناك أحزاب تحفّظت على المشاركة في مبادرة لجنة الحوار المنتهية عهدتها، بشرط ذهاب حكومة بدوي، هل يتحقّق ذلك اليوم؟
 الأحزاب السياسية في جزائر اليوم فاقدة عمليا للإرادة والمبادرة؛ فالأحزاب التي سارت في فلك النفعية والوصولية وانتهجت الزبائنية وحتى العشائرية في تسيير هياكلها، وسبحت بطنا وظهرا في فلك البوتفليقيزم Bouteflikism البائد، ولم تستطع في وقت سابق حتى الاستقلال عن فكر ومنظومة البوتفليقيزم، ومن يدور في فلكه لا يمكنها أن تمتلك اليوم قوة الطرح الذي يسمو إلى مصاف رجل السياسة ورجل الدولة Statesmean ذلك أن طبيعة تكوينها التنظيمي والأيديولوجي لا يمتلك مؤهلات رجل الدولة Statesmanship وهو ما يجعل من سلوكها العام يقترب من ردود أفعال ويبتعد عن طرح سياسي جاد حتى إزاء المبادرة، منظومة الأحزاب الجديدة والشبابية منه على الخصوص، والتي خرجت من رحم الحراك والاحتجاج الشعبي قد تبعث على التفاؤل خصوصا أنّ كوادرها اليوم على قدر كبير من الوعي والتعليم والثورة على ما أرسته أحزاب تستغل العرق والدّين من تقاليد لا حضارية وسلوك سياسي ناشز لا يليق برجل السياسة ولا بمقام الجزائر العظيم.

- أظهرت سلمية الحراك الشعبي منذ انطلاقته الى غاية اليوم سلوكا حضاريا مميزا دون تسجيله لأي حادث كان، رغم الرهانات التي أطلقتها وسائل الاعلام الغربية بأنها ستكون خرابا أكبر من الربيع العربي...الخ، كيف حدث ذلك؟ ولماذا تحقد علينا بعض الدول الصّديقة؟
 شهدتُ الحراك منذ لحظاته الأولى، وككل انتفاضة شعبية لا تسلم من تجاوزات قد تمثلها مناوشات بين قوى الأمن وجموع المنتفضين، لكن الجو العام كان يفيض بسلمية تحتقن حسرة على ما آلت إليه الجزائر وحال أبناء الجزائر، ورغم أن الإعلام المحلي كان لا يزال متوجسا من تغطية الانتفاضة الشعبية في بدايتها، إلّا أنّ مستوى «التنظيم» والسلمية التي ميزتها جعلت من الإعلام المحلي الرسمي منه وغير الرسمي ينتفض على الخوف المرتبط بمهماز «البوتفليقيزم» والعصابة التي كانت ترضع من ريع «البوتفليقيزم» المشؤوم، ومن جانب آخر فالآلة الإعلامية الدولية لم تكن بمعزل عن الأحداث عبر دعاية موجهة للداخل الجزائري قبل الخارج، تتأسس على أنّ الأمور تسير في الجزائر نحو منحى الفوضى، وهو حال بعض القنوات الفرنسية وحتى بعض الصحف الفرنسية، ذلك أنّ الكولون السابق لم يتوانى في تحريك آلته الدعائية تحضيرا لبيئة يتم فيها الحفاظ على المكتسبات القبليّة، ومحاولة صناعة المشهد الجزائري بما يوطّد أقدام الكولون السابق اقتصاداً وثقافةً واعتقاداً، وهي الدولة التي تمّ تسويقها للداخل على أنها دولة صديقة. والحقيقة أنّ وسائل الإعلام الغربية ومنها الفرنسية خصوصا لم تأتلف سابقا مع توجه جديد للشباب المنتفض، والذي رفع يافطات تطالب بالاستقلال الفعلي عن المظلة الفرنسية السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا للمد الفرنكوفيلي الذي دفعت دوائر المخابرات الفرنسية من أجله الجهد والمال وحتى العقل لوكلائها في الجزائر Colonisation agents.

- الحراك الشّعبي الذي خرج في 22 فيفري لم يعد هو نفسه اليوم «الشعارات، المطالب، التصرفات...الخ»، في رأيكم هل يعني أن الشعب تحقّقت له مطالبه مثلا من بينها إقالة رئيس جمهورية سابق، والزج برموز العصابة في السجن، لذلك توقف عن الخروج؟ أم أن عملية الاختراق جعلت الجزائريين يمتنعون عن الخروج؟
 في الوقت الحالي تكتنفني فكرة مفادها أنّ الحراك والانتفاض الشعبي قد استنفد أسبابه، ودخل في مسار من الروتين الأسبوعي الذي أصبح لا يمثل إضافة لصانع القرار أو من يفترض أنه ينتمي لدوائر القرار، وخصوصا مع الاختراق الذي انحرف بالحراك عن زخمه ومطالبه الأولى؛ وهنا أعتقد أنه مادام أنّ مؤسسة الجيش ماضية في مسار محاسبة العصابة وحماية هذا لمسار وتأمينه، وأن آلة القضاء قد انطلقت لمحاسبة أرباب الفساد، فإنّ الحراك الذي تمّ اختطافه والسير به إلى نفق لا يخدم أجندة وطنية، وإنما ولاءات متعددة تستهدف العرق في جانب منه وإثارة شعوبية موجهة للتنويعات المجتمعية بالجزائر وكذلك دين ولغة معظم الشعب، وهو ما يؤكّد الحضور الأجنبي الذي يسعى لتعظيم دائرة مصالحه بالجزائر تحت أي مسمّى يعمل على تعفين الوضع السياسي واستغلال من هو مستعدّ لولاء غير ولاء للوطن.

- الحوار كقيمة إنسانية يظل هو المخرج من هذه الأزمة، وبدون الحوار لن نصل إلى أي اتفاق مهما كان، ما هي حظوظ نجاح الجولات هذه؟
 الحوار قيمة حضارية وإنسانية، وهو خصيصة تلازم العمل السياسي العقلاني وميزة رجل الدولة الذي يسعى لتمثيل مؤسسات الدولة للسير بالبلد إلى ضفاف آمنة، أمّا حظوظ نجاحه من خلال ما هو حاصل فإنّ تقاليد سياسية أرساها «رجل الدولة» البائد من إقصاء وإقصاء مُقَنَّع قد يجعل من هذه الجولات غير ذات معنى؛ الحوار الحقيقي هو الذي يقوده من يُوالون الجزائر فعلاً. الحوار الحقيقي لا يمكن أن يكون إسترضائيّاً ولا أن يتملّق جهةً أو عرقاً أو منطقة أو..دشرة...؛ تسنده وتعضده مؤسسات دستورية تملك مدركات صحيحة عن وضع البلد ومآلاته..لا حواراً من أجل الحوار.

-  ظهر الجيش الوطني الشعبي بصورة غيرت الكثير من المعطيات، بل أنّها أحبطت تلك الخطط التي راهنت عليه العصابة كما أطلقت عليها القيادة العليا للجيش، لماذا يتعرّض الجيش الى حملة شرسة من بعض الأطراف؟
 أعود لجوابي الأول في بداية هذا الحوار ولأني لا أخدم عبادة الشخصية Adoration of personality فإنّي أؤكد ومن مُنطلق بحثي وإدراك سياسي أنّ استمرار مؤسسة الجيش في تأمين البلد في هذا الظرف الدقيق هو ناجم من أن خصوصية المعلومة الأمنية التي قد لا تتوافر للأكاديمي ولا لبعض من يعتلف السياسة، وأنّ سلوك المؤسسة العسكرية الذي رتّب لبيئة جديدة استطاعت آلة القضاء فيها أن تعمل بشكل يختلف على الأقل مع مرحلة البوتفليقيزم، ولا يأتلف مع ما خلّفته عصابة ما بعد البوتفليقيزم من رؤوس فساد بنت امبراطورياتها المالية على ما اشترته بالدينار الرمزي لمؤسسات الدولة، وما استند على قروض بنكية وتمّ تسويقه على أنه استثمار فردي! انتهاج مؤسسة الجيش لسياسة تأمين حصد رؤوس الفساد المالي والسياسي، ومحاولة إشراك الأجنبي الفرنساوي في تقرير مصير البلد، هو ما عمل على إستنفار وكلاء الداخل الجزائري الذين انقطعت عنهم أوردة المال الفاسد التي تغذّي نشاطهم السياسي، وحتّى الأدبي الدائر في فلك الولاء للأجنبي وكذلك استنفار دوائر الكولون السابق الذي يحسن التعامل مع هذه العُصَب المالية والسياسية التي تشكّل بحق امتدادات تعمل على رهن اقتصاد البلد وثقافة البلد ولغة ودين البلد..أيضا.

- أثبتت قرارات أو مقترحات القيادة العليا للجيش أنّها أكثر ديمقراطية من غيرها من المؤسّسات، خاصة فيما يتعلق بالشأن الداخلي السياسي، بقيت محافظة على هيبتها، ومكانتها، بل انها كسبت تعاطفا شعبيا كبيرا خاصة بعد منحها الضّوء الأخضر للعدالة في مسايرة ملفات الفساد، لماذا في رأيكم هذا التّوجّه المشرف لها، عكس ما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي؟
 بكلمة واحدة أجدني في موقف مشرّف جدا أكاديميا وبحثيا وجزائريا، للقول أنّ حجر الزاوية فيما وصفتموه بالتوجه المشرّف لمؤسسة الجيش وقيادتها العليا يكمن في مسألة الولاء؛ وهو جزء من قناعاتي الراسخة حول المعضلة الجزائرية عبر محطاتها المختلفة من ما بعد 1954 إلى أزمة صيف 1962 ووصولا إلى التسعينيّات مع إلغاء الحياة السياسية في الجزائر؛ أقول: مؤسسة الجيش الحالية تختلف فكراَ وتنظيماَ وولاءَ واعتقادا عن مؤسسة جيش التسعينيات؛ مؤسسة الجيش الحالية تنتهج مساراً في التعامل مع الأحداث ومنذ 2014 يضعها في دائرة ولاء غير أجنبي، عكس مؤسسة جيش التسعينيات التي هي متهمة وعبر بعض ديناصوراتها بإختلاق الإرهاب Terrorism making والدفع بالبلد إلى المجهول وبأبنائه إلى مجاهل الصحراء، وذلك في سياسة إسترضائية للأجنبي واستمرار وصايته على البلد، وتأكيداً لمبدأ الولاء لفرنسا الناتج عن اعتقاد بتبني الطرح الفرنسي في الجزائر وتأمين مصالحه الاقتصادية والثقافية وحتمية الإلحاق الحضاري للجزائر بالكولون السابق....مؤسسة الجيش الحالي لم تختطف الخيار السياسي للشعب، ولم تتحالف مع الأجنبي وهو ما تبديه المؤشرات الحالية على الأقل وما تؤكده تصريحات قيادتها العليا من أنّ لا نية لها في أي طموح سياسي، والتحليل السياسي الجزل لا يُبنى على النوايا والمزاجية بل الواقع والواقع الممكن المستند إلى مؤشرات حقيقية وموضوعية تُجافي العرقية والمناطقية؛ إنّ تأمين مؤسسة الجيش لعمل العدالة لم يمنحها زخماً شعبيا فقط وهي قبل ذلك مؤسسة قوامها الشعب، بل إن قراراتها ومقترحاتها أنتجت بيئة سياسية ونقاشا مجتمعيا جديدا بدأ يعصف بالإنهزامية التي سادت في نظام البوتفليقيزم، وأنّ الفساد وأربابه وربّانه أصبحوا من غير هيبة ولا قدسيّة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18126

العدد18126

الأحد 15 ديسمبر 2019
العدد18125

العدد18125

السبت 14 ديسمبر 2019
العدد18124

العدد18124

الجمعة 13 ديسمبر 2019
العدد18123

العدد18123

الجمعة 13 ديسمبر 2019