دليل المصطافين الرّاغبين في اكتشاف الغابات والجبال في جيجل

طيوش لحيلح لـ “الشعب”: “أحمل مشروع حياة في الطّبيعة العذراء السّاحرة”

حاورته: آمال مرابطي

“عندما يتجوّل الإنسان في الطبيعة يسمع  أنواعا كثيرة من الموسيقى التي تشعره بالهدوء في كل مكان، تغريد الطيور،  خرير الماء وحفيف الأشجار نوتات محفورة على  جبال  صخرية”، هكذا وصف المبدع طيوش لحيلح، عشق الطبيعة في كل فصولها، هو دليل المصطافين الراغبين في التجول بالغابات والجبال لولاية جيجل، التقته “الشعب”  وأجرت معه هذا الحوار.

❊ الشعب:  شهرتكم تجاوزت حدود جيجل، من هو طيوش؟
❊❊ طيوش لحيلح: طيوش لحيلح من مواليد ريف جيملة بولاية جيجل، من سفوح جبال بوعزة الصخرية المكسوة ببياض الثلوج شتاءً، هاوي تصوير فوتوغرافي لكل ما هو جميل في البراري والطبيعة من جبال وأودية. تسكن بين جنبات صدره روح عاشقة للبحر، غروب الشمس والنوارس التي تعتق الروح بصيحاتها من ضجيج المدينة.
❊ كيف فكّرتم في التجول بين أحضان الطبيعة؟
❊❊ البداية كانت كفكرة لاحت لي من بعيد عبر مشاهدتي للأشرطة الوثائقية التي أعشق متابعتها عبر شاشة التليفزيون في زمن الأبيض والأسود، فكانت الأشرطة التي ينتجها الراحل عبد الله تيكوك ـ رحمه الله ـ القطرة التي أفاضت الكأس بما احتوته من جمال الطّبيعة السّاحرة وهي الأم المغدقة علينا بنعمها ثمارا وألوانا وسحرا. كان ذلك في ثمانينات القرن الماضي إذ حزّ في نفسي أن أكون محلّقا بين فضاءات البراري والأودية كطائر حر  يحمل بين جناحيه مشروع حياة تأمّلا وتفكّرا وتدبّرا في معاني خلق الله، فكان شاكرا لله مسبّحا بين ثنايا خلقه من الألوان والثمرات، محاولا أن يثمّن هذا الزّخم كفكرة جميلة للمستقبل لتدرك الأجيال أنه من واجبنا أن نكون منسجمين مع الطبيعة لنبدع في الحياة، فلا إبداع من دون حرية ولا حرية بدون فضاء رحب يحتويها.
❊ ما الذي حقّقتموه من خلال اهتمامكم بالطّبيعة؟
❊❊ لعل أكبر إنجاز حقّقته هو إنشاء جمعية تدافع عن النظم الايكولوجية، هدفها الأول نشر الوعي بين أفراد المجتمع لتكون حصنا منيعا يحمي كل المكونات البيئية، وهي الفضاء الذي يتعايش الجميع ضمن إطاره أفرادا وجماعات، فمن واجبنا أن نغرس مثل هذه الثقافة في عقول الأطفال مند الصغر، ولن يثبط عزيمتي المشاكل أو الحواجز، فأنا أواصل النضال من خلال موقع التواصل الاجتماعي، وهو الفضاء الأرحب لإنبات هذه البذور من الأفكار الخضراء المشروعة فكانت صفحة الرسالة الخضراء فضاءً أمثلا لطرح المشكلات وحلّها بالبدائل الممكنة، والحث على العمل التطوعي المنتج للوعي. والحمد لله لقت رواجا وانضمّ إلى الصفحة العديد من الأصدقاء من أمريكا اللاتينية وكندا وجنوب إفريقيا وفيتنام والأرجنتين والايكوادور والشيلي وفرنسا، و من كل بلدان العالم متقاسمين الرّسالة الخضراء كفكرة تؤدي إلى التعايش بين جميع سكان كوكب الأرض، وهذا أجمل وأثمن فكرة نصل إليها.
وبما أنّني قائد في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية أستثمر كل مجهوداتي في نشر الفكرة الخضراء وسط النشئ من خلال المساهمة والإشراف والتوجيه في الحملات التطوعية لغرس الأشجار في العديد من المؤسسات التربوية لتقريب وجهة نظره، وشرحها بين كل أفراد المجموعات التربوية، فمع كل موعد تطوعي إلا وهناك أفكار رائدة في مقدمة القافلة، وكذلك الاحتكاك بمسؤلي الغابات وعلى اختلاف رتبهم ومواقع عملهم، والقيام بتسجيل ومداخلات إذاعية عبر إذاعة جيجل الجهوية، وتحسيس الجميع بأهمية الدفاع عن الغابات التي أصبحت أعدادها تتناقص يوم بعد يوم كغابات جبال جيملة وبن ياجيس وتازة بأعالي بوراوي بلهادف، وجبال بوحنش وسلمى  والشحنة التي كانت بالأمس القريب مأوى للفهود والأسود أصبحت اليوم أحراشا جرداءً لا تخفي الطيور عن الأنظار. هذا الوضع جعلني أطلق صيحات مدوية عبر صفحتي الخاصة التي حوّلتها إلى منبر للدفاع عن كل ما يرمز للحياة والأمل والخير فوق كوكب الأرض، رغم كل هذا لا يزال المفسدون في الأرض كما أسميهم يعيثون في أرجائها خرابا ودمارا، ولن تكفي حزم القوانين الردعية إن لم تثمّن بالوعي وبالاحتكاك مع الجبال لتحسيسهم بأهمية الغابة في التوازن الايكولوجي الذي يضمن حياة متكاملة للجميع.
 ❊ ماذا عن رصيدكم العملي وما تمّ إنتاجه  من أشرطة حول الطبيعة؟


❊❊ لديّ العديد من الأعمال التصويرية في شكل مقاطع مرفوقة بموسيقى هادئة حول سحر الطبيعة وجمالها المتنوّع، حاولت   نشرها في القنوات التليفزيونية، ولكن بسبب انعدام الامكانيات حالت دون تحقيق ذلك، لكني أحاول جلب كاميرا احترافية كبيرة للانطلاق بمشروعي التصوري الاحترافي.
❊ ما الصّعوبات التي تواجهكم؟
❊❊ لم أجد صعوبات في تأدية واجبي  أمام إرادتي الفلاذية التي لا تقهرها الظروف ولا أصحاب اللألسن الصدئة، الذين لا يرون الأشياء الجميلة إلا بمنظور المقابل المادي، ونظرا لدقة اختياراتي للمناطق المقصودة التي لي علاقات وطيدة بسكانها الذين كانوا خير دليل ومرشد لي ولنبل الرسالة العظيمة، في حمل العديد من مطالبهم إلى السلطات المحلية في شكل رسائل عبر العديد من الحصص الإذاعية التي فتحت لي أبواب إذاعة جيجل فكنت، شحرورا مغردا بين ألوان الطبيعة.
❊ من خلال تجوّلكم في الطبيعة، هل من مناطق ترسخ في الذهن من خلال ما تحمله من أسرار؟ 
❊ ترسّخت في ذهني الكثير من المشاهد، أهمها شجرة الزان المقطوعة التي أبت أن تزول من الأرض كما أراد لها قاطعيها،تحدّت كل ذلك لتخرج من جذعها المتعفّن شجرة صغيرة لتعلن
بقاء الحياة فيها، أعتبرها من آيات الله في خلقه. إعجابي بها جعلني أنشر الصورة على نطاق واسع، كما شاركت بها في قناة “الناسيونال جيوغرافي” وفي العديد من صفحات التواصل الاجتماعي حتى صارت تلك الصورة محطة إعجاب الجميع.
❊ مشاركتكم في بعض المسابقات؟
❊❊ شاركت في العديد من الفعاليات المحلية والوطنية، كان هدفنا الأساسي هو تبليغ الرسالة إلى الجمهور الذي عادة ما ينبهر أمام روعة الطبيعة العذراء، بل جزم   البعض أنها كنوز لم


يطلع عليها من قبل، بل أعتقد أنّها موجودة في سويسرا في أعالي جبال الألب، فأنا بمثابة السفير لألوان جيجل التي أعتبرها وطني المختصر.
“سلمى بن زيادة”..منطقة تعيش التّهميش
❊ هل يمكنكم أن تحدّثونا عن  منطقة “سلمى بن زيادة” ومنبع “بني فوغال المشاكي”، وكل ما تحمله من أسرار؟
❊❊ هي مناطق تعاني التهميش إلى غاية الآن، رغم أنها صنعت فجر الاستقلال باحتضانها أسود الثورة التحريرية كمنطقة “سلمى” وأسرار منبعها العجيب الذي استقطب العديد من الدارسين والرحالة من العرب والأوروبيين في القرن الماضي لما تخفيه من عجائب رسمتها على مراحل زمنية محددة لم يستطع فكّ طلاسمها أي باحث أو منجم حتى أصبحت مكانا يقصده الكثير من أجل العلاج بسبب مياهه.
❊ كيف ترون توظيف البحث العلمي لتحقيق التّنمية البيئية؟
❊❊ على القائمين على السياحة أن يستثمروا في التنوع الهائل الذي تحوز عليه جيجل كولاية ساحلية، غاباتها تعانق صفحة السماء بخضرتها، من خلال القيام بدارسات ميدانية وتمويل البحوث العلمية الجامعية حول الكثير من النباتات الطبية والعطرية التي أصبحت مهددة بالانقراض بفعل الحرق والتدمير المقصود من لدن بعض محدودي الرؤى المستقبلية، وكذا عدم معرفة أنّ كل نبتة تعتبر مشروعا اقتصاديا مستقبليا، وهي بمثابة دخلا إضافيا في ظل تنوع مداخيل البلاد، فمن واجب السلطات الاهتمام بهذه الأفكار العظيمة التي تساهم في خلق التنمية المستدامة، وتشجيع السكان للتشبت بالأرض والبقاء فيها لتخفيف الاكتظاظ داخل المدن الميتة في حياتها.
❊ على ما تعتمدون في رحلاتكم؟
❊❊ أعتمد على وسائل النقل الجماعية،
وأنفق من راتبي الذي أتقاضاه من مؤسسة بن يحيى محمد الشاطئ القريبة من كتامة بجيجل. ولم أتوان رغم أنّني رب أسرة متكونة من سبعة أفراد ولكن لم يمنعني ذلك من أن يكون لي هدف أقدّمه للوطن كتضحية وعربون وفاء للشهداء، وهذا أقلّ ما أقوم به أمام تضحيات من وهبوا أرواحهم فداءً للوطن ككل.
❊ كقائد في صفوف الكشّافة ما النّشاطات التي تقومون بها؟
❊❊ كقائد في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية ومسؤل إعلامي، أضع كل  مجهوداتي في خدمة الرسالة الخضراء  بالإشراف والتوجيه والتوعية في العديد من الفعاليات خاصة في عيد الشجرة، وكذا  التحضير لموسم الاصطياف والإشراف والتوجيه على تنظيف العديد من الشواطئ بالتنسيق مع الجهات الوصية والحملات التحسيسية حول مخاطر الغاز مع سونلغاز.
كل هذا يندرج ضمن الرسالة النبيلة التي نشجّع الأطفال على فهمها كفكرة جميلة تحمل في طياتها الكثير والكثير من معاني وقيم وطنية ننهل من مخزوننا القيمي الوطني، والأطفال هم الغاية في رسائلنا، فهم الوحدة المستهدفة بسهام الحب والشوق، وتطلعات أن نراها في الغد القريب مشرقة واعية مدركة مستبشرة بوفير الافكار التي تصير بإذن الله مشاريع حياة في المستقبل، وما إشراقاته إلا هذه العقول النيرة التي ترى أن هذا الوطن الجميل يستحق الدفاع عنه وبكل الوسائل، وكل بطريقته الخاصة.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018