تأملات

التذكرة إلى عالم الانترنيت

بقلم «مهرية بن زرارة» كاتبة

من هنا تجدني لا أبالغ اذا قلت أن الإنسان الحريص على ايفاء انسانيته واقامة علاقة طيبة مع من حوله من الأصدقاء الواقعيين هو نفس الشخص؛ وهو نفسه الذي بحوزته التذكرة التي يعبر بها الى عالم «الأنترنيت» ؛ الى أصدائه  الافتراضيين.
ولا يختلف اثنان حول الضجة التي أحدثها التقدم التكنولوجي في ذهن العربي؛ وخوفه من العولمة وخشيته على القيم الروحية والدينية والأخلاقية...واختزال عوالم  شبيهة بالخيال لا هوية فيها؛ لا دين ولا وطن ....وكان ذلك خاصة  في بدايات دخول  « النات» لجغرافيا أوطاننا العربية ....
.ولا ننكر نظرتنا  كلنا _تقريبا_الى الشبكات العنكبوتية بالشك و التردد خوفا من الانقياد الى عالم افتراضي مجهول العواقب..عالم وافد علينا؛ اخترعه غيرنا؛ لنستهلكه  نحن بامتياز....و انا لمستهلكون....!
و لكن  ما يلفت الانتباه بقوة، أن واقعنا يؤكد يوما بعد يوم أن هذا النوع من التواصل الاجتماعي استحوذ بالفعل؛ ولا يختلف اثنان على أن «الأنترنيت» أصبحت علامة ناتئة في حياة الإنسان المعاصر؛ وأنها استقطبت كل فئات المجتمع العام والخاص؛ غنيه وفقيره؛ كبيره وصغيره.....بما فيه الذين كانوا ضد هذا النوع من التواصل؛ فبقدر ما نفروه؛ ونفروا منه ؛ نقدوه؛ وانتقدوا مستعمليه  سلبا ؛ بقدر ما  فتنوا به ...
العجيب في الأمر أنهم  راحوا يتنافسون عليه بقوة! فاستبدلوا الهواتف النقالة بالهواتف الذكية؛  وآثروا أجهزة من آخر الطرازات؛ ؛ وانتقوا بدل الواحد اثنان وأكثر......
ويعيد السؤال طرح نفسه؛ وبالحاح؛ كيف نفسر ديناميكية الاقبال الكثيف على اسهلاك «الأنترنيت» ؟! كيف نفسر حجم الطلب المتنامي عليها ؟! كيف نفسر حماس المجتمع المتهافت على هذا التواصل؛ وهذه العلاقات ...؟!
ولعلك قارئي لا تخالفني الرأي؛ وأنا أأكد لك فعالية هذا التواصل_ ؛ ويبرهن المختصون؛ وأصحاب الميدان قبلي؛ أنه_برغم سلبيات هذه  الظاهرة_هاهي تفرض نفسها بقوة؛ و يجزم العاقل بأنها مظهر سلوكي  لا بد  أن نعترف به شئنا أم أبينا...و أنه ممارسة فعلية؛  بات هذا الجيل من الناشئة ينزع اليها بشكل مطرد.
ومن هنا دعنا نفسح المجال للمجربين ليقنعوا اخوانهم الرافضين والمحتجين والمتنكرين لهذا التواصل؛ و أنه واقع مفروض مفروض؛  ولو «للأنترنيت»خطرها على اللغة والشخصية....ولكنها تمثل مجالا رحبا  للتعارف وتبادل الخبرات؛ للانسانية؛ ؛ للخلق والابداع  العلمي والأدبي؛ للصداقات الحميمية  الصادقة وناهيك عنما تكنه النفوس من مشاعر وأحاسيس متنوعة؛ فما تضمره القلوب الصافية يزهر في تلك العلاقات؛ حيث العفوية والسماحة؛ المودة والاخاء....وبالدليل القاطع يشهد الكثيرون فعالية هذا التواصل لمن يجيد استعماله  مشاركا خلاقا في بناء  الذات وابداع حلولا لمشكلات مزمنة يعاني منها الانسان....
ولوها هذه الشبكات الأعلامية لما اقتحمنا القارات؛ وتعرفنا على أنا أناس ما كنا نحلم بلقائهم ؛ وها أنا ذا أشهد أنني _والكثيرون أمثالي_ سافرنا عبر قصيدة معدودة الكلمات ؛ حامية المعاني؛ بها كان لنا الشرف  أن نحضى باستضافة أدباء ونقاد كبار ؛ قامات كم حلمنا بأن نعيش لحظات في رحاب حروفها؛ و كان لنا ذلك بفضل «النات».
عشنا حروب العصر؛ لفحتنا راىحة القنابل الممزوجة بعبق دم الأبرياء؛ لعنا آلة القتل و واتخذنا موقفا من  الفاعلين.....بكينا مع المهموم؛ وابتسمنا له ليضمد جراح السنين؛نواسي  المظلوم؛ ونربت على كتف الغريب لنطمئن أشواقة بأمل يسرج له جواد  التفاؤل؛ يعده بالعودة وحضن الوطن الحبيب ....                           ولا يفوتنا ان نحيط اخواننا علما أن هناك من جعل الافتراضي حقيقة حية؛ زار اصدقاء بعضهم البعض؛ ودخلوا بيوتهم آمنين؛ وجدوا حفاوة بالغة ؛ قلوبا رحبة خضراء شاسعة شاسعة؛ فيها من العطف والحنان؛ اخاء؛ دعم محبة  وايثار .....
كما يجب أن تؤكد نجاح الاستعلامات لالكترونية ودورها في خدمة الانسان؛ بتقليص الوقت وتقصير المسافات؛ معاناة السفر وتبعاته....مهما كانت سلبات هذا التواصل؛ لا نجحد ثمراته الملحوظة رو المسهلة للحياة بشكل أو بآخر....
انشطة متنوعة وفعاليات متطورة؛ مشاريع ومبادرات تنموية على مختلف الأصعدة؛ ثقافية ؛اقتصادية؛ تعليمية...(في المحافل الدولية ؛ مهرجانت وتظاهرات ثقافية؛ في المعاض؛ في الترجمة ؛في نشر الكتاب وتوزيعه؛ المعاجم....)؛ و غيرها من الخدمات التي تعد و لا تحصى...
وفي الختام نعود من حيث ابتدأنا ؛ وهو أن كل حق ينتهي عند اساءة استعماله؛ وأن ضمان نجاح هذا العالم الافتراضي يتوقف على ذلك؛ وهي  قناعتك أنك  هو أنت كما أنت؛ في الظاهر والخفاء؛ بعيوبك ومحاسنك...بلا تصنع؛ بلا مساحيق.
ولتحاول قدر الامكان_قبل دخولك لهذا العالم_ على أن تكون الصديق الودود المخلص البسيط؛  أولا تكون ..
فليس أمتع  وأجمل من أن نتعارف في ساعات صفاء على أناس نتسرب الى دواخلهم؛ ويتسربون الى دواخلنا  كلانا انسانين ملتزمين؛  نصادقهم فقط لنترك أثرا جميلا جميلا شائقا؛ نكون لهم نسيما عليلا ؛ وأنسا  حميما؛ بارقة أمل وفجر  جديد برغم النوى ورهبة المسافات.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18391

العدد18391

الثلاثاء 27 أكتوير 2020
العدد18390

العدد18390

الإثنين 26 أكتوير 2020
العدد18389

العدد18389

الأحد 25 أكتوير 2020
العدد18388

العدد18388

السبت 24 أكتوير 2020