كان بيت دكتورة الأطفال آلاء النجار وزوجها الدكتور يحيي، يتسع لهما وعشرة أطفال، كانت مساحته - كما يقولون في فلسطين - “على قد الحال”، وكان يملأه حُب أكبر من الدنيا..”قفزت” الدكتورة آلاء من نومها، تستعجل كي تجهز الفطور للأولاد و«تركض” لكي تتسلم دورها(Shift) في غرفة الطوارئ منّ أطباء مناوبة الليل (Night shift) بدون تأخير..معروف عنها مهنيتها العالية وبراعتها والتزامها بكل جوانب مهنة تستلزم كل تركيزها وهمتها، يجب أن تكون قادرة ودقيقة وأيضا سريعة، في التشخيص والعلاج..هذا مهم جدا، لأن الأطفال القادمين إلى غرفة طوارئ الأطفال يأتون بالعشرات وفي أحرج الحالات..
دقائق وتتبدل حالة الطفل الجريح مثلا من متوسطة إلى حرجة قاتلة..يجب أن يكون الطبيب مثل ماكينة جيدة الصنع فعالة سريعة؛ لأن الأطفال الذين يصلون في حالة نزيف، أو غيبوبة، أو كسور، أو إصابات في الرأس على درجات عاليه من الخطورة، أضف إلى ذلك أن عددا لا بأس به منهم يأتون بواسطة طواقم الإسعاف أو “ أولاد الحلال” بدون أمهات ولا آباء، فهؤلاء - في كثير من الأحيان - يكونون قد استشهدوا..
هذه الصور كانت تدور في خاطر الدكتورة آلاء بقوة تجعلها تود لو “تطير” لتصل إلى غرفة الطوارئ، وفي خضم هذه العجلة..استدارت الدكتورة آلاء قبل أن تغادر البيت هذا اليوم، وقبلت - على غير عادة - أبناءها وبناتها الواحد تلو الآخر.
قبلت يحيى
وقبلت آدم
وقبلت ركان
وقبلت رسلان
وقبلت جبران
وقبلت إيف
وقبلت ريفان
وقبلت سيدين
وقبلت لقمان
وقبلت سيدار الرضيعة، بنت الحرب التي لم تُكمل عيد ميلادها الأول..قبلتهم مثلما تُقبل فتاة كل زهره في ضمة باقة جمعتها من حقل في صباح يوم مليء بالندى..كانوا فرحا وجمالا وعطرا.
عندما وصلت الدكتورة آلاء غرفة الطوارئ في مستشفى مجمع ناصر في خان يونس، تسلمت من أطباء مناوبة الليلة الفائتة “ Night shift “ تقريرا عن حالة المرضى المتواجدين في غرفة الطوارئ..كان الأطباء مُنهكون وينتظرون وصول الطبيبة آلاء مثلما ينتظر العطشى في غزّة كوب ماء..أعداد كبيره من الأطباء قُتلوا خلال الحرب، وما تبقى من الأطباء صاروا يعملون بلا توقف..بلا توقف..ولو لفترة قصيرة كي يلتقطوا أنفاسهم..وبعد مرور 12 ساعة من المناوبة، يصل معظمهم أو كلهم إلى درجه الإنهاك من الشغل والعطش والجوع..حتى في أيام السلم يكون الأطباء في غرفة طوارئ الأطفال دائما على حالة الاستعداد “لأنك” - كما يقولون - لا تعرف ماذا سوف يهبط عليك ويُبدل الهدوء إلى معركة”..
الحالات الطارئة عند الأطفال قد تتدهور بسرعة ويصير الطفل في وضع عصيب خلال دقائق..الطفل ليس رجلا صغيرا (Small Adult)، بل هو مخلوق لجسمه فسيولوجية خاصة، تختلف عن الكبير. مثلا بعد أن يفقد الطفل كمية قليلة من الدم، من الممكن أن يسبب له ذلك صدمة نزفيه (hemorrhagic shock) قد تؤدي إلى الوفاة بأسرع مما يتخيله أحد. إضافة إلى ذلك، أوردة وشرايين ومداخل التنفس عند الأطفال صغيرة ضيقة تجعل إنعاش الطفل صعبة جدا مقارنة مع الكبار، ورأس الطفل كبيرة بالنسبة لجسمه، ولأن عضلات رقبته التي تحمل هذا الرأس لا تزال غير قوية، يتعرض أكثر لمضاعفات كسور الرأس ومضاعفاتها مثل النزيف الدماغي..عظام الأطفال اللينة تلتوي تحت تأثير الضربات مما يؤدي إلى تمزق الأعصاب والأوعية الدموية..
الجيش الصهيوني يمُارس العقيدة الصهيونية بضرورة إباده الأطفال، سواء عن طريق هدم البيوت والمدارس فوق رؤوسهم، حرقهم في بيوتهم وخيمهم، تجويعهم، منع دخول المطاعيم واللقاحات والدواء إليهم، واستهداف أطرافهم، ليجعل في غزّة أعلى نسبه أطفال مبتوري الأطراف في الدنيا..طفلة تحمل وعاء ماء قتلها جيش الدفاع وولد مشى 12 كيلومترات ليجمع فتات خبز لأمّه وأختيه، قنصه الجيش الصهيوني..جنود الاحتلال يتبارون على دقة الإصابة..من أصاب الرأس ومن أصاب الصدر أو الأطراف، أو من أسقط رصاصه الطفل على الأرض بضربة قاضية، وقتل الآباء والأمهات لتصبح غزّة أكثر مكان في الدنيا لأطفال أيتام..إنجاز آخر من عبقرية جيش الاحتلال..
الأمراض المعدية والجرثومية مثل شلل الأطفال والتهاب الأغشية المحيطة بالدماغ Meningitis تزداد نتيجة الجوع وتلوث المياه والاكتظاظ..في وقت الحرب، لا تختفي الحالات التي تصيب الأطفال في وقت السلم، بل تزداد حدتها وخطورتها، مع ازدياد تلوث الماء وتكدس الناس والتجويع وسوء التغذية..الطبيبة آلاء النجار وزملاؤها كانوا يخوضون حربا على الحرب التي شنها جيش الاحتلال ضد الطفولة..ينتصرون أحيانا بما تبقى معهم من أدوية ومعدات، ولكنهم دائما وبكل بسالة مستمرون مثابرون..العطاء في وجه البلاء..الإيمان في وجه الطغيان..
خارج المستشفى، في ساحة الحرب..هاجمت الطائرات منطقة قيزان النجار، وحققت إصابة صاروخية مباشرة لبيت النجار وحولته إلى ركام..حولته إلى كتلة نار..هرع الناس إلى أكوام الركام التي تتقد من بين حطامها النيران، ورفعوا بقايا الحيطان المكسرة.. انتشلوا أشلاء أطفال..طفل محروق مفحّم..طفل بلا رأس، وطفل مُهشم الرأس، وطفلين تلاصقت أجزاؤهما..مد أحد الرجال رأسه تحت حائط يرتكز على حائط مدمر آخر، وصرخ بأعلى صوته: هل هناك أحياء؟..
سمع صوت أنين وصوت كاتم منخفض..كأنه يُنازع..تجمع الرجال والأولاد ورفعوا الجدار الساقط..ليجدوا أبا الأولاد الدكتور حمدان النجار وابنه آدم..أخرجوهم بعد عناء..الدكتور حمدان تلتف ذراعيه حول آدم بكل حماية وإصرار..وعندما وصلا إلى ضوء الشمس، أفلت الدكتور حمدان ذراعيه من حول آدم ووقع مغشيا عليه والدماء تسيل من جروح في بطنه وصدره ويديه..أجرى الناس “ما يعرفونه” من إسعافات أولية عليهما حتى جاءت سيارة الإسعاف لتنقلهم إلى مستشفى ناصر..
قال أحد الناس: إنهم يموتون
أجابه آخر: شهداء عند ربهم يرزقون..
جمع الناس ما يعتقدون أنها أشلاء جسم واحد، ووضعوا كل منها في كيس بلاستيك أبيض، وحملوها إلى المستشفى مشياً على الأقدام..وصلوا قبل آدم وأبيه؛ لأن العربة التي تنقلهما توقفت أكثر من مرة لتضميد جروح الدكتور حمدان التي لم تتوقف عن النزيف..
كانت الدكتورة آلاء في نهاية المناوبة عندما جاءت مجموعة من الرجال يمشي الواحد منهم خلف الآخر وهو يحمل كيسا أبيض.. الرجال كانت وجوههم حزينة وقورة وحركتهم ثقيلة..نظر كل منهم إليها كأنما عنده سر يُريد أن يبوح به..احترق قلبها أمام هذا المشهد المُريب، ثم جاء مسعفون يحملون ابنها آدم وزوجها مغطيين بطبقة من الدم والرماد، عند ذلك، وبلمحة برق استوعبت أن من في الأكياس هم أطفالها..
ركضت تُفتش عنهم في الأكياس، ولكنها لم تجد بين الأشلاء المتفحمة من يمكن أن تتعرف عليه، أو من بقي على قوام كي تحمله أو تحضنه، ثم انهارت تحت وقع الدموع..
وقفت أمامهم وناشدتهم: أنا لم أتأخر عليكم..أنتم روحي وسبقتموني إلى الجنة..
اقتربت منها امرأة من المجتمعين..وضعت يدها على كتفيها وقالت: اصبري واحمدي الله..هؤلاء شهداء..أحباء الله..طيور في الجنة..
قالت الدكتورة آلاء: الحمد لله..واندفعت نحو حمدان الذي كان يلتقط أنفاسه..نظر إليها بما ما تبقى عنده من قوه، ثم غاب عن الوعي مرة أخرى، وفي لحظات، وضعه الأطباء على جهاز التنفس، ودفعوه إلى غرفة العمليات..آدم لا يزال” قطعة” واحدة، ولكن بكسور وجروح وحروق..حضنته وقبلته قبل أن تنتشله أيدي الأطباء إلى غرفة العناية المركزة..كان يمًوت..لكن الحياة أمر من عند الله..ربما يعيش ويبقى ما تبقى لها..
عادت إلى “ كوم الأكياس” الذي كان أطفالها ملفوفين فيه..وحضنته.
هنا، في هذا الكيس بقايا يحيى..أكبرهم وأعقلهم
هُنا، رسلان التي تحب تسريح شعرها وتواجه الدمار بالجمال
هنا، جبران صاحب الضحكة التي تتغلب على القصف والخوف
هنا، إيف، الفنانة التي ترسم عالماً أجمل من هذا العالم
هنا، ريفان الصغيرة الأميرة
هنا، سيدين، براءة وروعة الطفولة
هنا، لقمان كثير الحركة
هنا، سيدار الرضيعة، بنت الحرب التي لم تُكمل عيد ميلادها الأول
وفي خِضم كربها..سألت: كيف حمدان؟
أجابتها ممرضه: هو على قيد الحياة في غرفة العناية المركزة، أُصيب برأسه وصدره وبطنه، لكن إصابة الرأس هي ما يقلق الأطباء..
حضنت آلاء الأكياس البلاستيكية البيضاء وقبلتها..وقفت ومشت متأنية تدعو الله خيراً..هي تريده معها..تريده أن يكون معها أكثر من أي وقت مضى..وعندما وصلت إلى قسم العناية المركزة، كانوا قد نقلوه إلى غرفه العمليات لعملية جراحيه طارئة على صدره..
انتظرته.. وانتظرته..
عاد على جهاز التنفس في غيبوبة..اقتربت منه كأنها تطلب منه أن لا يتركها وحدها..أمسكت بيديه وقالت له كل ما تريد دون أن تنطق بكلمه واحده، ثم شدت خطاها إلى آدم الذي كانت قد أصابته شظايا في وجهه وتركت آثارها كأنها ثقوب مسامير..ذراعه اليُسرى كانت مهشمة تتعلق أو تتدلى بضعف بمفصل الذراع. آدم كان يتنفس بدون جهاز..يا رب أًكتب له الحياة..يا الله أنت الذي تُحيي وتميت وأنت على كل شيء قدير..وهناك الطائرات وشهيتها التي لا تشبع لقتل الناس، والمستشفيات والبيوت..تهز جدران المستشفى، وتستبيح خُرمة حداد المرأة المنكوبة..لم يتوقف تدفق الجرحى إلى غرفة الطوارئ..ولم يتوقف أيضا تدفق الشهداء إلى الله..كانت هذه أقسى مراحل الإبادة التي تًمر بها خان يونس من عطش وتجويع وتدمير..كان العالم يتفرج ويُندد..
*****************
ثم ما الحكمةً، أن تكوني هُنا تقاتلين كي يبقى أبناء غزّه على قيد الحياة وأبناؤك في البيت يتشبثون بالحياة في وجه الطغاة..ماذا حصل اليوم؟! عملية تبادل بين من تحبين وبين من تُحبين؟ ..
هذا عطاء وليس بلاء انتشرت أخبار مجزرةً عائلة النجار في كل غزّة ..ثم من هواء غزّة..إلى هواء العالم ..إلى أخبار المساء..تلفزيون وراديو ووسائل التواصل..نام العالم ..في الصباح لم يفعل شيء..ولكنه أيضا لم يحُمل عائلة النجار المسؤولية..في غزّه وحدها..بلد الشهداء والضحايا والأيتام..لم يستطع الليل أن ينام..
خرجت جموع الناس من الخيام..وجلسوا في حلقات تحت ضوء القمر الذي انحنى نحوهم..كانت الناس هائجة ومستنكره غاضبة.. كان كثير منهم يعرف الدكتورة آلاء والدكتور حمدان أطباء الشعب..كانت أصوات الناس ترتفع..وتنشد:
جنة جنة جنة والله يا وطنا جنة
جنة جنة جنة والله يا وطنا جنة
يا وطن يا حبيب يا بو تراب الطيب
يا وطن يا حبيب يا بو تراب الطيب
حتى نارك جنة..حتى نارك جنة
حتى نارك جنة..حتى نارك جنة
خوفي يا حبيبي أموت وما أشوفك
يا أبو المحنة يا ابونا كلنا..
بكى الرجال وبكت الناس..وكان الإجماع..الجبناء المقاومة تقاتلهم ببطولة وإقدام وهم يستشرسون على الأطفال والأطباء..في الصباح حضرت جموع الناس إلى مستشفى ناصر..النساء أحطن الدكتورة آلاء..وحضنوها وقبلوا وجهها ويديها..وقالوا لها: كلهم شهداء .. هذه أعظم هدية..ثم حضنت الدكتورة آلاءالأكياس البيضاء لأخر مرة..واقترب منها مجموعة من الرجال بكل ورع ووقار واحترام..نحن هنا كي نستلم الأمانة..حبست الدكتورة آلاءالدمع في عينيها..واقتربت من أبنائها تودعهم..ثم قالت للرجال: بارك الله بكم ..ورحم الله موتاكم أجابها شيخ الجنازة: هم هديه لنا ولأمتنا وهم أهلنا وشرفنا وفي خارج المستشفى كانت جموع الناس على بُعد النظر في انتظارهم، وقف الإمام أمام الناس وقال: لا يُصلى على شهيد المعركة على قول جمهور العلماء، لأنه لا يُغسل ولا يُكفن، وتُترك دماؤه، خلافاً لغيره من المسلمين الذين يُغسلون ويُصلى عليهم. ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصل على شهداء معركة أحد، ثم تعالى التكبير والتهليل.. والشهيد حبيب الله..بكى بعض الناس..لكن الإمام نبههم بأنه لا يجوز البكاء على الشهيد. كان الناس قد حفروا لهم قبرا كي يكونوا معا..تم الدفن..وتفرقت الجموع..أما غزّة بقيت واقفة كشجره مباركة جذورها في الأرض ورأسها في السماء..