المُفارقةِ السَّاخرة في أعمال السَّعيد بوطاجين السَّرديَّة

قراءة في السّخريَّة الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة

د/ سليمان لبشيري جامعة محمَّد خيضر - بسكرة - الحلقة 01

تكمُنُ أهميَّةُ هذا البحثِ في قراءةِ نُصُوصٍ إبداعيَّةٍ سرديَّة في ضوءِ مُصْطلحٍ نَقْدِيٍّ حديثٍ شاعَ وذاعَ كثيراً في الدِّراساتِ النَّقديَّةِ المُعاصرةِ؛ باعتبار أنَّ المفارقةَ أحدُ الأساليبِ البلاغيَّةِ والحِيَلِ اللَّفظيَّةِ الّتي تتضمَّن قدرًا من التَّمويهِ والتَّوريةِ والمراوغةِ ما يمكِّنها من النّهوضِ بالأعباءِ الفنِّيَّةِ الكثيرةِ، وقد ألفيْنا القاصَّ (بوطاجين) وظَّفها لأغراضٍ فنِّيَّةٍ عدَّةٍ منها نقد المنظومة وفضحها أو ما يُعرف بالمُمارسات السِّياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ والثَّقافيَّةِ المتأزِّمةِ (نقد الواقع).

 

وبوطاجين في تَسْرِيدَاتِهِ يضعُ نصبَ عَيْنَيْهِ ازْدِحَامَ وَقْتِ القَارِئِ وكَثْرَةِ انْشِغَالاَتِهِ، لذلك فهُو يُوَفِّرُ عَلَيْهِ عَنَاءَ تَلَقِّي نُصُوصٍ مُفَارَقَاتِيَّةٍ، لكنَّهُ بذَكَاءٍ ودَهَاءٍ مُفْرِطٍ يُوَرِّطُهُ في مَسْأَلَةِ البِنَاءِ ... فبوطاجين      لا يكتُبُ بقدرِ ما يَضَعُ فخَاخًا لقَارِئِهِ من أجلِ أن يجعلَهُ أيضاً كاتباً مشاركاً في هَنْدَسَةِ المعنى، وقد ساعدت نبرةُ الكاتبِ السَّاخِرَةِ على تَكْثِيفِ قُوَّةِ الإيحَاءِ ودِقَّةِ التَّرْمِيزِ. فالذَّاتُ البوطاجينيَّةُ السَّاردةُ بقدرِ ما تحْكي وتسْردُ وتصفُ، فهي تُفَاجِئُ وتُفَارِقُ وتَسْخَرُ من العالم بطريقتِها الخَاصَّةِ، وهذه سمتُها الّتي اكْتَحَلَت عُيُونهَا بإثْمد السُّؤالِ المُشَاغِبِ السَّاخِرِ والمُسْتَفِزّ، وبالتَّالي فَتَحَ هذا النَّوعُ من الكتاباتِ آفَاقًا قرائيَّةً لا تتوقَّفُ عند حُدُودِ المُتْعَةِ والاشْتِهَاءِ السَّردِيِّ، بقدرِ ما تفتحُ آفاقًا أخرى لإنسانٍ لا يستسلمُ  ولا يهادنُ.
الكلمات المفتاحيَّة/الكلمات الدَّليليّة: المفارقة، المفارقة السَّاخرة، السّخرية الاجتماعيَّة، السّخريَّة السِّياسيَّة.
٠0- المُفَارَقَةُ السَّاخِرَةُ/ مِهادٌ وتأسيسٌ:
شكَّلت موضوعة المفارقة استراتيجيَّة فنِّيَّة لجأت إليها الذّات البوطاجينيّة، وبواسطتها يتمّ بسط رؤيته ووجاهته وحكامته للعالم وشهادته على الواقع. ودفع المتلقِّي إلى محاولة استكشاف واستنزاف هذا النوع من البناء الفنِّيّ لاسيما القائم على التّناقض والتّنافر السّخرياتيّ. هذا الأخير ذو طُعوم وأذواق، ونحن كقرّاء نهفو إلى مائدة هذا النّوع من الأنواع التّسريديّة. وكأنّه يوقفنا ويقول « على رسلك سيِّدي القارئ « سأواصل حكاياتي- سأواصل أتراحي وآلامي - أفراحي وآمالي ...
تتمظهر المفارقة السّاخرة في قصص السّعيد بوطاجين في عدّة مستويات، لاسيما على أساس المفارقة والضِّديّة. فكلّما ازداد حجم التّناقضات في الواقع ازدادت سخريّة الكّاتب؛ وذلك بعودته واستحضاره للزّمن الماضيّ، والعيش  من خلال ذكرياته الحالمة للهروب من الواقع المأساويّ المُبكي « بين الحلم والذكرى كان الصّوت يخترق الذّاكرة ليضفي عليها مسحة من الكآبة تجعلني أتشبّث بكلِّ شيء، بالفراغ الممتدّ حتّى الصّرخة الأولى حيث بذور الغابة البشريّة الآثمة.».
إنّ المفارقة البوطاجينيّة السّاخرة قد خرجت من عباءة الواقع وما يعجّ به من ممارسات بشتّى صنوفها وصوّرها (مكر- غدر – شقاق – نفاق – تزييف- تحريف...) ما أدّى إلى تخبّط الذّات السّاردة وصرختها بصوت عالٍ:   « آهٍ كم أتمنّى لو أكون في هذه اللّحظة محمومًا في قرية بعيدة/ على سرير غريب/ وتحت سقف غريب/ وامرأة عجوز لم تقع عيناها عليّ من قبل/ تسألني، وهي تعصر منديلها المبلّل فوق جبيني من أيِّ البلاد أنت يا بنيّ؟ فأجيبها والدّموع تملأ عيني:/ آه يا جدّتي ... «.
اختار الكاتب درب المفارقة السّاخرة كتعبير عن رؤية هزليّة من الممارسات البشريّة ومن السّخافات الّتي يحبل بها الواقع، « كانت الغابة تتحرّك، تعجّ بتلك المخلوقات المنبوذة مذ قرّر الإنسان أنّ الأرض له وحده، لا شريك له سوى أمعائه المدمنة على التّفكير بعبقريّة تتجاوز مواصفات اللّغويين».
وبنبرة حادّة ساخرة نجده يقول في أضمومة (السّيد صفر فاصل خمسة): « ... فبعد أن اختلطت عليّ المفاهيم لزمت الحياد. ما عدت أستوعب مثقال ذرّة. حتّى حمارنا العبقريّ الّذي أسميته بوطاجين جحش الله، على وزن عبد الله، اعترافا بذكائه،فقد الصواب وتاه، وفي الأخير جنّ وراح يدّعي النبوّة، لكنّه ظلّ متواضعًا وشجعته».
إنّ إستراتيجيّة المفارقة الّتي لبسها الكاتب أضفت على النّصّ لُبوسات مفارقاتيّة ظاهرُها هزليٌّ مُضحكٌ، وضامرُها جادٌّ مبكٍ، والمفارقة هي» إستراتيجيّة الإحباط واللاّمبالاة وخيبة الأمل ولكنّها      في الوقت نفسه تنطوي على جاني ايجابيّ، فقد ننظر إليها على أنّها السّلاح هو الضّحك الّذي يتولّد عن التّوتّر الحادّ والضّغط الّذي لابدّ أن ينفجر».
اتّخذّت السّخريّة عند (السّعيد بوطاجين) منحى لا يراد به الهزل والإضحاك فحسب، وإنّما يرمي إلى الاحتجاج والتّعبير عن موقف رافض للواقع الكائن وسعي إلى واقع ممكن. والهدف منها هو ليس إثارة الابتسامة المُريحة الممتعة، وإنّما هي مفارقة مُرّة تنتقد الوضع القائم القاتم وتحثّ على تغييره.    
يهتمّ هذا النّوع من المفارقة بنظرته إلى العالم/الواقع نظرة حادّة قد تصل إلى حدِّ السّخريّة بشقّيها المضحك والمبكي،كما يتراوح هذا النّوع المفارقيّ بين الإضمار والإظهار في كشف وتعريّة هذا الواقع وما يشوبه من ممارسات. أضف إلى ذلك أنّه لابدّ من وجود ضحيّة قد تكون « الأنا السّاردة « أو الــــ      « أنت « أو « هما معًا «.
فلنقرأْ ما جاء في مولوده الجديد المسمّى )للأسف الشّديد(: « هل يجب أن أتخطّى اللّحظة لأكتب لكم رقصة أو نوتة موسيقيّة تربّت على سيئاتكم المحترمة؟ لأشكركم مثلاً. للأسف الشَّديد، أنا لا أحبّ أن أزرع   في أيٍّ منكم كلمات عن الوعي واليأس والعلم والجحش واللّوم والتّفاؤل والنوم والسِّياسة والبسملة. أنا لست فقيها ولست معلِّما ولست عالما ولست شيئا ذا دلالة. أنا لا أحبّكم ولا أكرهكم قليلا أو كثيرا. لا وقت لي ولا نعوت كافية لأقول لكم من أنتم؟ لكنِّي سأكتب لكم قملا راقيا يشبهكم، يشبه المساحة والخطبة، شيئا دالاًّ على البطن الفاتح معدته بانتظار أن يبتلع كلّ سعادة ترتدي مئزرًا وتحمل محفظة من صنع جدّتنا البلاغة». تكشف عن تناقضٍ ساخرٍ يتّخذ من الجمع بين الشّتيتين/النقيضين قناة لتحقيق كينونته ووجوده، هذا وتكثر أنواع المفارقة السّاخرة للأنا الصّارخة، وتتراوح بين الحدّة الصّاخبة والهدوء المخاتل.
كما أنّ السّخريّة البوطاجينيّة سخريّات:
٠١- السُّخريِةُ الاجْتِمَاعِيَّةُ:
هناك سخرية مرّة تنتشر في سُرودات بوطاجين؛ وهي السّخرية من سيطرة القيمة الماديّة/ زمن المادِّيات في المجتمع وانقلاب الموازين، وأبرز مظاهر هذه السّخرية هو سيطرة القيمة المادِّية على حساب القيمة الأخلاقيّة لطبقة انتهازيّة همُّها الوحيد هو سلب ونهب الأموال، والحصول على المناصب العليا السّامية، والارتقاء في السُّلَّم الاجتماعيّ، بالرّغم من خواء أصحابها الفكريّ والرّوحيّ. فما حيلة المثقّف المشبع روحيًّا وفكريًّا في ظلِّ هذه الأوضاع إلاّ أن يتّخذ التّظاهر والتّمويه وسيلة لقضاء حاجاته:» قبل هذا وبعده من واجبي كمواطن فاسد مثلكم جميعا أن أحدّثكم بالأظافر والأقدام، أن أقول لكم شيئا يشبه المدح الّذي أحببتموه من الجاهليّة الأولى إلى الجاهليّة المعاصرة: كلّ اجتماعاتكم وقراراتكم ومشاريعكم وقبائلكم وخطبكم النفاثة لا تساوي عقب سيجارة ملقاة على رصيف الكلمة، لا تساوي جوربا طيِّبا ممدّدا في حذاء متسوِّلة ... لن أحترمكم أبدا، لا اليوم ولا غدا. هكذا أشكركم، وهكذا أقصّ على مسامعكم ما تيسّر من الحزن واليأس بانتظار القيامة القادمة. كذلك ستكون حكاياتي الآتية ما دمتم هكذا، شيئا مخيفا يأكل الجثة والذِّئب ويذهب إلى الحجّ لطلب المغفرة: يا لها من عادة سيئة. لن أكتب لكم قصصا سعيدة ولن أغفر لكم أبدا لأنّكم اقتسمتم البرّ والبحر والحقيقة والعصافير، أكلتم كلّ الحلال والحرام وشرّدتم وطنا.».
وفي سياق آخر من خطاب (تاكسنة، بداية الزّعتر، آخر الجنّة) حول موضوع (المثقّف جدًّا) نجد ملفوظ: « ... عليه أن يضحك ضحكًا حكوميًّا يخيف النّاس والحيوانات البريّة «، نلاحظ كثافة الدَّلالة وعمق المفارقة؛ إذ أصبح المثقّف جدًّا أشبه بالدّمية في يد السّلطان/الحاكم يفعل به ما يشاء وكيفما يشاء.
وعليه، فإنّ تقنيّة السّخريّة تولِّد هنا ثنائيّة صوتيّة بين نوعين من المثقّفين، نوع يلهث وراء التّكسّب والعطايا، دينه الطّمع وديدنه الجشع، ونوع آخر يسعى لأن يكون جريئًا وأمينًا لا يخاف في الله لومة لائم.
إنّ انفتاح الكتابة السّروديّة على الواقع/العالم (رؤية العالم) كما سمّاها (لوسيان غولدمانLucien Goldman) لا يجعلها تنحدر إلى التّسجيليّة السّاذجة، بل هي ترتقي به إلى عوالم المتخيّل الإبداعيّ عبر إدراك فحوى الحراك الواقعيِّ (نقد الواقع)، وتحويله إلى واقع متخيَّل في أبهى حلّة مفارقة للواقع تُجلي أكوان المألوف واللاّمألوف سرديًّا.
والسّخريّة وسيلة فنِّيّة لإعادة إنتاج الواقع، فالكاتب يستخدم (آلة تصويره) مبدِّلا النّسب بين عناصر الصّورة، وعدسته تنظر إلى الموضوع من خلال موشور يكسر حدود الأشياء فتكبر الزّوايا وتنفرج جدًّا، أو قد تصغر وتصبح حادّة جدًّا.
إنّ بوطاجين عبر هذا الفحوى يسبر أغوار القّاع الاجتماعيّ ويطالب أصحاب الشّأن بإيجاد البدائل والحلول لمثل هذه الممارسات بهدف تحقيق حياة كريمة للطّبقة المغضوب عليها/المنسيّة في المجتمع، فهاهو يقول في أضمومة (هكذا تحدّثت وازنة):» ... وقتها رجع العبث وقال: أين توقفت؟ أمام هذا الوضع أعلن كبيرهم الّذي علّمهم الخبث ضرورة إصلاح ما فسد، وتنفيذ قانون منع التّكشير ولو بالقوّة، ثمّ أعلن معهده الأوّل للابتسام في العالم، وقد تقرّر عقد ملتقى سنويًّا للابتسام يتمّ فيه فرض عقوبات على العابسين بسجنهم في عيادات نفسيّة لعلاجهم وإعادة البسمة إليهم...» والّتي يروم من خلالها إلى تعرية صورة أشباه المسؤولين لإدارة الجامعة وفضح كلِّ ممارساتهم.
وفي سياق آخر نجده يتكلّم في مجموعة (تاكسنة، بداية الزّعتر، آخر الجنّة) عن حذاء خاله الكبير الّذي كان ينتعله لكن يحشوه بالقشّ والصّوف وأوراق الجرائد والكراريس، ما يعكس حالته المزريّة الّتي كان يتخبّط فيها، إذ يقول: « يا لذلك الحذاء! كان يسبقني إلى الكوخ عندما أعود مساء، يصل قبلي من شدّة الطّول ليقول للجدّة إنّ حفيدك قادم، رجع الرّاعي الصّغير بقطيع الماعز ممتلئًا جوعًا وغبطةً لا تضاهيها غبطة أخرى في تاريخ المجرّات.».
تتحقّق المفارقة السّاخرة بين طموحات الذّات وبين ما يصير عليه الواقع من تحوّلات من السّيء إلى الأسوأ وتوالي الخيبات.
تشتغل وتشتعل المفارقة السّاخرة في حكي بوطاجين كآليّة دفاعيّة ضدّ القهر في صراع الذّات السّاردة  مع واقع مهترئ متردِّي؛ تلجأ من خلاله إلى المقاومة بصيغ ساخرة تلتقط مفارقات الواقع وتناقضاته، وانتقاد قرارات أهل المركز التّعسفيّة. يقول بوطاجين في أضمومة) انتحال صفة( من مجموعة )للأسف الشَّديد(: « أنا الموقّع أسفل سافلين، القاصّ الفاشل عبد الكريم ينينه، أصرِّح بما يلي، وأنا في كامل وعيي، إن كان هناك وعي في ولاية البؤس هذه: بعدما طلب منِّي جلالة السَّعيد بوطاجين، «عظّم الله محبّته في قلب القارئ»، إيجاد خاتمة لرعيّته العظيمة، وكان قد نفض يديه منها حين علم أنّ بعضها كان يغشّه في النهيق، وفقد كلّ أمل في إصلاحها، حمُدت الله على عدم إدراجه لي معها كشخصيّة كاملة النّهيق، فأظلّ دون خاتمة أصارع مستقبلي المجهول، ولأنّ الأعمال بالخواتم،سعدت بذلك وقلت: ربّما أدخلتها هذه الخاتمة جنّات عدن، بعد جحيم بني حلوف».
ويقول كذلك:» المنحدر لا زال ينحدر والجامعة مشرئبة، دقائق قليلة ويبدأ الصّعود، لملمي أفكارك يا وازنة، قطّاع الطّرق والنّخاسون يتربّصون حثالة بهجتك، أعيدي، ماذا قال صمتك؟ هكذا إذن، بعد قرن طرقت بابه، أحضرت شهادة تثبت أنّك لا زلت حيّة تقريبا، وجدته تحت ركام الملّفات في اجتماع طارئ مع نفسه، استحال غبارا يخطِّط لكيفيّة استبدال الجزمة وربطة العنق، وكنت تنازعين عندما لم يفاجئك قائلا: ألا ترين أنِّي في اجتماع موّسع معي؟ ارجعي في الأسبوع القادم.»
إنّ المفارقة بوصفها خروجا على دائرة المألوف إلى اللاّمألوف تمثِّل رؤية معيّنة للعالم قبل أن تكون أسلوبًا أدبيًّا أو لعبة لغويّة، والمفارقة تهدف إلى هدم الثّابت والمقدّس والاشتغال على المتحوِّل والمدنّس، واختراق للعاديّ الاعتياديّ والجمع بين المتناقضات والمتضادّات وفي أحيان أخرى بين المتشابهات       في سياق قد لا يصلح لذلك ممّا يعمل على توليد وتوليف المفارقة.
يتبع

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019
العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019
العدد18117

العدد18117

الجمعة 06 ديسمبر 2019