انطباعات

طريق السّلامة وسكّة النّدامة

دكتور محيي الدين عميمور

يبدو أن علينا أن نترحّم على جورج إيستمان، مخترع آلة التصوير الفوتوغرافي الذي يمكّننا من رؤية ما يجب أن نراه مما يحدث حيث لا نستطيع أن نراه.
كان هذا ما أشعر به وأنا أطّلع في موقع تواصل اجتماعي على صورة تجمّعٍ لبعض المحامين الجزائريين كانوا يتظاهرون ضد وزارة العدل إثر عملية تطهير قامت بها في سلك القضاء.
وبرز في الصورة محامٍ تردّد اسمه مؤخرا في تجمّعات سياسية ليس من حقّ أحد أن يلومه على مواقفه فيها ونداءاته منها.
لكن الجديد هنا هو أن تلك الصورة رافقتها صورة أخرى تبرز المحامي المذكور في لقاء حميمي ضاحك مع الانفصالي الفاشل مهني فرحات، رئيس العصابة التي تحتضنها العاصمة الفرنسية وتتلقى الدعم من بعض الأشقاء وتشكل امتدادا للأكاديمية البربرية التي أنشأتها المخابرات الفرنسية في 1967، وهو منظر ما يُشار له بالبروتوكولات المماثلة لبروتوكولات حكماء صهيون، وتهدف لتحقيق هدف مماثل لها في الشمال الإفريقي.
ومرة أخرى، ليس من حق أحد أن يحاسب أحدا على مواقفه وتصرفاته، لكن ليس من حق أحد أن يمنعني من رفض تلك المواقف والتصرفات، خصوصا إذا كانت تقدم نفسها كتعبير عن إرادة الشعب الجزائري في حراكه التاريخي، وهذا هو جوهر الاختلاف الذي تعيشه الجزائر اليوم، والذي يتمحور حول ادعاءات اتجاهات إيديولوجية سبق أن أشرت لها من أن الانتخابات الرئاسية التي حُدّد لها يوم 12 ديسمبر المقبل هي انتخابات محكوم بفشلها مسبقا، وهو ما بلورته افتتاحية صحيفة «لو موند» الفرنسية في الأسبوع الماضي، وتردده الاتجاهات التي لا تحظى بالإجماع.
والملاحظ الآن هو هناك من ينتهز فرصة التزام قوات الأمن بالتعامل السلمي لممارسة نوع من العدوانية ضد كل من يرى في الانتخابات طريق السلامة، ولعل ما تردّد من أن المترشح علي بن فليس لقيَ استفزازات بشكل ما في «بابا حسن» هو عملية جسّ نبض لاحتمال تصعيد تلك العدوانية تجاه المواطنين الرافضين للمحاولات الرامية إلى إجهاض المسار، وهو ما ألفت نظر المعنيين بالأمر له.
وواضح أن التشنج والعنف يعبّر عن فشل تلك التوجهات في إقناع الجماهير بتقبّل فكرة «هيئة رئاسية مؤقّتة»، كان واضحا أن وراءها محاولة فرض أسماء معينة تعبر عن إرادة تلك التوجهات ومن يقف وراءها في الداخل أو الخارج، ولا تحقق بأي حال من الأحوال أي إجماع وطني، وهو ما برز في فتور التعاطف مع التظاهرات التي نظمت في الأسابيع الأخيرة بما بدا أن أهدافه كانت إعلامية أكثر منها سياسية.
وواقع ما يحدث هو أنّ الدولة العميقة التي زلزل الحراك الشعبي أركانها أصبحت دولة «غريقة»، تحاول عناصرها أن تفلت من أمواج الدولة «العريقة» التي أحسّت بأن أهم أهداف الحراك الشعبي قد تحقّقت، وبأن هناك فرقا شاسعا بين المطالبة بإنجازات أكثر عمقا في مسار العمل الثوري وبين الرفض الأحمق لكل المبادرات التي تضمن إمكانية الإنجاز والتي تتطلب تحقيق وضعية استقرار، لا يمكن بدونه أن يتحقق أي شيء ذي قيمة.
ولا بد من الاعتراف بأن فشل الدولة العريقة في إفراز قيادات تعبّر عن إرادتها يقابله قدرة الدولة الغريقة على تنظيم تحركاتها تحت قيادة منظمة منسجمة، حتى وإن كان من الصعب أن يفرض الباطل إرادته، وهو ما تبرزه تخبطات المواقف التي يحاول الصخب المفتعل التغطية عليها.
وهكذا كان ممّا يثير السخرية هو أنّ التوجّهات التي تعتبر الحكومة الحالية حكومة «غير شرعية» تطالب هي نفسها بإصلاحات في مجالات كثيرة، ومن بينها القضاء على وجه المثال، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا في ظل حكومة «شرعية» تفرزها الانتخابات «الشرعية»، وهذه ترفضها «الجماعة» بحجة أنه لا ثقة في أجهزة الدولة القائمة حاليا، وبرغم أن وزارة الداخلية، المتهمة دائما بالتزوير، قد كُفّت يدها عن كل ما يتعلق بالانتخابات، وأوكل الأمر إلى لجنة مستقلة لا تخضع لأحد في تنظيم عملها، وهي اللجنة التي يرأسها وزير العدل الأسبق محمد شرفي.
وهذا يعود بنا إلى أسطورة «الهيئة الرئاسية المؤقتة» ليُطرح السؤال من جديد، إذا كان الجميع متهمون بالتزوير، فمن الذي سيؤسس هذه الهيئة ومن سيختار أعضاءها ومن سيتقبل قراراتها؟
وهنا نكتشف مأزق «الجماعة»، ويبدو واضحا منطق «نلْعبْ وإلاّ نفسّد» الذي عشناه أطفالا، وهو ما يُذكر بصورة هزلية رأيتها في فيلم مصريّ قديم، حيث لم يستطع المغني أجش الصوت مُنكر الأداء إجبار المدعوين على الإعجاب بأدائه فحرض أنصاره على تخريب الحفل وتحطيم «كلوبات» الإضاءة بالكراسي والعصي.
والغريب هنا أن أحدا ممّن يتزعّمون تلك التوجهات لم يجرأ على أن يتقدم كمرشح في الانتخابات الرئاسية، على الأقل كموقف تحدٍّ للسلطات، التي لن تجرأ على رفض مرشح تقدمه جماهير غفيرة باستمارات يتم توقيعها علنا من قبل المواطنين المتحمسين للمرشح، ولو رفضت السلطات ملف الترشح لحكمت على نفسها بعدم الأهلية، وسيلعنها الجميع، وفي مقدمتهم المتحمسون للانتخابات الرئاسية.
لكن «الجماعة» يعرفون بأنّهم مكروهون شعبيا، وبأن الضجيج الذي تخلقه أي تجمعات من الواضح أنها لا تعبر عن إرادة جماعية هو صراخ لا يستطيع أن يحجب صوت الحقيقة، وخصوصا عندما يتذكر الشعب أن هؤلاء أنفسهم هم الذين أيدوا جنرالا تقدم للانتخابات الرئاسية قبل استقالة الرئيس بوتفليقة، وكان ذلك في ظل كل المؤسسات الحكومية التي تتهم اليوم بالتزوير.
وعودة للانتخابات والانتقادات الموجّهة للمترشّحين أقول بكل بساطة لمن يواصل النواح على مستواهم المتدني وأخطائهم وخطاياهم بأنه كان عليه أن يطالب قياداته بأن تختار من بينها مرشحا نزيها نظيفا وسيما مثقفا خبيرا عاليَ المستوى في شؤون الداخل، والتزامات الخارج تتقدم به للانتخابات ليكتسح هؤلاء المرشحين كما حدث في تونس، وذلك بدلا من الهياج والتشبث بمواقف متكلسة تدور حول تكوين هيئة رئاسية خبرنا مثيلتها في التسعينيات، ودفعت بلادنا ثمنا هائلا نتيجة لذلك الاختيار الأحمق.
ويبقى أن التصرف المنطقي في نظري هو أن ندرك بأن المرشّحين الخمسة هم بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وبالتالي فإن علينا أن نختار الأقل سوءا ونتابع أداءه ونثمن تصرفاته خلال توليه مهامه الدستورية، وهو ما يعني أن الحراك الشعبي يجب أن يلزم موقف التربص والترصد، ويراقب تصرفات الرئيس الجديد أولا بأول.
وأجد نفسي مضطرا للتذكير بأنّ خادمكم المطيع يعتبر نفسه مجرد مثقّف يقدّم آراء لا يزعم أنها مقدسات مطلقة، وأنا على استعداد للاعتذار عن أي خطأ أرتكبه، وعلى استعداد لأسير وراء من يصرخ في وجوهنا بأن علينا أن نترك الشعب يختار مصيره بعيدا عن الانتخابات، بشرط أن يقول لنا بوضوح: كيف يمكن أن يتم ذلك في إطار التوافق والسلمية واحترام الرأي والرأي الآخر.
والمترشّحون الخمسة الذين قبلت ملفاتهم هم بشر اجتهدوا وأصابوا واجتهدوا وأخطأوا، ومن حق رب العزة وحده والقضاء بعد ذلك أن يحكم عليهم ويدينهم لكن هذا ليس من حق بشر هو نفسه يصيب ويخطئ، ولقد فشلت المعارضة بكل أطيافها في تقديم مترشح توافقي، ولم يستطع الحراك في أوج قوته أن يختار من يمثله، بل على العكس…رفض الشعب كل القيادات التي حاولت ركوب موجة الحراك، وظل الأمر محصورا في أسماء معينة لم تنجح في انتزاع التوافق الوطني حولها.
وبالتالي، إما أن نترك الأمور تنزلق نحو المجهول، وهو ما يريده أعداء الجزائر (وللجزائر أعداء كثيرون حتى ولو حاول بعضنا الالتفاف حول هذا الواقع)، وإما أن نختار من المترشحين من هو الأقل سوءا ثم نراقب مساره ومسيرته، وهذا يتطلب، في نظري، أن يأخذ الحراك الشعبي صورة جديدة لا تكتفي بالهتافات واللافتات بل تركز جهودها على متابعة الانتخابات في كل بلدية وفي كل حيّ، ثم تحاول تكوين أحزاب جديدة أو تطهير الأحزاب القديمة لكي تتابع الرئيس الجديد في كل تصرفاته.
هذا هو النضال السياسي في رأيي، أما الصراخ والتشنج فهو يكشف خلفيات لا أظن أنها تشرف أصحابها، وإثارة التوتر على أي مستوى يمكن أن يقود إلى ما لا يُحمد عقباه، «واتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصّة». ولم يعد أمرا مقنعا مواصلة الكذب والاختلاق والمظلوميات المفتعلة، فليس هناك من شيطن «أهل القبائل الأحرار» كما جاء في تعليق لأحد قرّائي، والجميع يرفضون أن تعامل أي منطقة كطائرة مختطفة، ولم يقل أحد أن (مولود حمروش وبن يلس واحمد طالب و بن بيتور غير وطنيين وعملاء لفرنسا)، وليس ذنبنا أنهم لم يواجهوا الواقع المرير بمواقف شجاعة، بدلا من البيانات التي تذكر بأسلوب الرئيس المستقيل في آخر سنوات حكمه.
وحقيقي، كما قال معلق آخر، أن إقامة دولة الحق والقانون هي الطريق نحو القضاء على الفساد، لكن هذا شعار رائع يجب أن يقول لنا من ينادي به كيف نحققه، وكيف نحقق التغيير إذا كان أربعون مليونا لم ينجحوا في تقديم مرشح ترضى عنه الأغلبية (ولا يخدعني أحد بالقول أنه كان سيُمنع من الترشح، فكل شيء يتم اليوم على رؤوس الملأ ولا شيء يمكن إخفاؤه)، هل بالصراخ وتجريم الآخرين بشكل مطلق أم بأن نردد ما قاله المسيح: من كان منكم بلا خطيئة…الخ.
والذين يشكّكون في مقدرة الجزائر على تنظيم انتخابات نزيهة أذكرهم بأن هذا تم في بداية التسعينيات، وبأنهم هم أنفسهم التفوا حول جنرال سابق لترشيحه فيظل نفس الإدارة التي يتهمونها بالتزوير، وبالتالي، كفى استهانة بذاكرتنا.
وطريق السلامة واضح، وهو ليس طريقا سهلا، لكنه يحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية تواجه المصاعب وتفضح التآمر أيا كان مصدره.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18123

العدد18123

الخميس 12 ديسمبر 2019
العدد18122

العدد18122

الخميس 12 ديسمبر 2019
العدد18121

العدد18121

الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019