انطباعات

تعليقـــات أرشيـــــفيـة

دكتور محيي الدين عميمور

رأيت أن من واجبي، فيما يتعلق بي، أن أستعيد عددا من التعليقات التي تناولت حديثي السابق عن الأرشيف، وكان قارئ قد شكك في مضمون حديثي عن المساهمة الجزائرية في حروب المشرق العربي، ومن أهمّ ما قاله إن:
«مشاركة الجزائر في حرب 73  لم تكن ذات جدوى بسبب عدم جدية أنور السادات في خوض حربا ضد إسرائيل بل مجرد محطة تكتيكية للتخلص من بعض القادة المخلصين في الجيش المصري كالمشير سعد الدين الشاذلي والوصول إلى اتفاقية السلام مع إسرائيل، فكانت خيانة للشعب المصري وجيشه وللدول العربية الداعمة له بإخلاص وعلى رأسها الجزائر. الدولة الوحيدة التي استطاعت كسر جبروت إسرائيل هي إيران التي يتآمر عليها العملاء العرب (السّنة ) آن الأوان للجزائر أن تهتم بشؤونها وأن لا تنخدع بالنفاق العربي وفلكلور الجامعة العربية».
وتصورت أن المقصود من التعليق هو الجملة الأخيرة، التي بدت استمرارا لمحاولات تشويه كل ما هو عربي، ولم يكن من الممكن أن أترك هذه المقولة، التي بدتْ لي مشبوهة الخلفيات، ومن هنا قلت:
«بدون محاولة لاستعراض العضلات المعلوماتية ولكن أيضا بدون تواضع كاذب أستطيع أن أؤكد للرفقاء أن ما كتبته كان حصيلة دراسة معمقة لأهم ما عرفته المنطقة، وهو لم يكن آراء شخصية أو تصورات وهمية ولكنها اعتمدت، في مراحل مختلفة، على معايشة ميدانية للتطورات وتقييم لمواقف كل الأطراف المعنية، بجانب اطلاع على أهم ما كُتب حول تجربة عبد الناصر، بدءا بكتابات أحمد حمروش ومرورا بشهادة محمود رياض وانتهاء بحوارات مطوّلة مع بعض «الفاعلين» الأساسيين، وعلى رأسهم الفريق الشاذلي، ومنهم الملك حسين، بجانب وجود له أهميته كمصدر إلى جانب هواري بو مدين، ومع العلم بأنني كنت رأس الجسر الإعلامي الجزائري مع مصر خلال مرحلة أكتوبر.
وعبد الناصر، كرئيس للدولة، هو المسؤول الأول عن الهزيمة، لكن هذا الحكم يُعتبر، من الناحية السياسية والتاريخية، تبسيطا للأمور وتسطيحا للأحداث، وقبل ذلك ظلم لرجل كان من بين من منحوا المنطقة العربية تألقا دوليا، قد لا تعرفه في المدى المنظور، أدرك أن المعركة مع إسرائيل هي معركة تنمية وطنية قبل أي شيء، وهو ما أدركه بن غوريون وتناوله في أحاديثه.
وبدون دخول في تفاصيل الواقع المصري ودور حركة الإخوان المسلمين في حدوث الشرخ بين الإسلاميين والوطنيين لا بد من الاعتراف بأن خطأ عبد الناصر الرئيسي كان اعتماده المطلق على جهاز الأمن في التعامل مع أحداث الساحة، وقبل ذلك في وضعه كل البيض في سلة عبد الحكيم عامر، وعدم أخذ العبرة من أحداث 1956 ثم 1961.
لكن لا بد من الاعتراف أيضا أن قيادات مصرية كانت مخترقة، وحكاية المبادرة بالهجوم كانت بلاغيات لا تستند إلى معطيات الواقع، ولن أذكر بتحذير الجنرال الفرنسي شارل دوغول (الذي هدد بأنه سيكون ضد البادئ بالحرب، وهو ما قام به فعلا) وأكتفي بالقول إن ألف باء العمل العسكري يفترض أن تكون قوة المهاجِم (بكسر الجيم ) ثلاثة أضعاف قوة المهاجَم (بفتح الجيم) وأن السبب الرئيسي في الهزيمة هو تدمير سلاح الطيران المصري على الأرض، في حين كان تحذير عبد الناصر لرجال الطيران في مايو 1967 أكثر من واضح.
ولست هنا في معرض الدفاع عن الرئيس المصري، الذي أعترف بأنني كنت بالغ الحدة في مهاجمته في الستينات، ولدرجة أنني شبّهته ببالفور، وهو ما ندمت عليه عندما تكشفت أمامي حقائق كثيرة، حاول نظام السادات ورجاله وعناصر الثورة المضادة في الوطن العربي التعتيم عليها.
ولم يكن نزار قباني مغاليا في قصيدتيه، الهوامش والهرم الرابع.
وأنا ممن يرون أن الانهيار الذي نعيشه في عصر الرداءة متعددة المجالات كان من أهم أسبابه اختفاء رجال من أمثال عبد الناصر وفيصل ومحمد الخامس وبو مدين وبهوتو …وربما آخرين في صفوف خلفية لعل كثيرين لا يعرفون أسماءهم أو لا يتذكرونها.
والذين يحكمون بعدم جدوى المشاركة الجزائرية يؤكدون أنهم لم يحاولوا الاطلاع على كل المعطيات، وكثير منها أصبح معروفا لدى أي مثقف عاديّ، خصوصا بعد حجم الكتابات التي تناولت أحداث الستينات والسبعينات، ومُخجل أن يظل البعض يلوك أحكاما وراءها خلفيات لم تعدْ خافية على أبسط البسطاء.
ويؤسفني أن البعض لا يفرق بين كره نظام الحكم، إن عدلا أو ظلما وتجاوزا، وبين الإساءة للدولة وللوطن ولرجال بذلوا دماءهم دفاعا عن الحق والعدل والحرية، وفرق هائل بين الأمة وجامعة الدول العربية التي لم تجمع شيئا إلا بعض من أكل عليهم الدهر وشرب.
وأن يكره أحدهم العرب ، لمجرد أنهم عرب لا يريد الانتماء لهم وجودا وحضارة وتاريخا، فهو حرّ ولكن ليس من حقه أن يلوث جهد الرجال».
ويدخل على الخط معلق آخر ليقول:
«صحيح ان الجزائر لم تشارك في الحرب التحريكية (حرب 1973 ) إلا بنحو 3000 جندي منهم 180 ضابط، إلا أن هذه القوات صنعت فارقا كبيرا في حرب 1973 الى الحد الذي فكر فيه (..) باستخدام السلاح النووي في القاهرة في إطار ممارسة الضغط على القيادات المصرية بعد الهزيمة النكراء التي مُني بها الجيش الاسرائيلي في مينائي ( الأديبة) و(الزيتية) على أيدي رجال القوات الجزائرية بعد أن كبدوا العدو الاسرائيلي مئات القتلى ودمّروا لوائين مدرعين.. بإسناد من القوات المصرية في الزيتية، وأسرت القوات الجزائرية 80 جنديا اسرائيليا جرت مبادلتهم بالأسرى الجزائريين ..الجندي الجزائري الواحد بـ 10 جنود اسرائيليين ..كما أسقطت القوات الجزائرية في ميناء الاديبة طائرة من طائرات الدعم الأمريكية من نوع جلاكسي.
الفضل يرجع الى ان الأشقاء المصريين أوهموا جيش العدو الصهيوني (في حركة استخبارية) ان ميناء الاديبة خال من أي قوات ولا توجد به أي قوات عربية .. والحقيقة ان القوات الجزائرية ..هي التي كلفت بمهمة الدفاع عن ميناء الاديبة وفرع من ميناء الزيتية على البحر الأحمر، ففاجأت القوات الجزائرية العدو الاسرائيلي وأوقعت به الخسائر التي ذكرناها.
لسنا نحن الذين نقول هذا الكلام ..جنرالات العدو الصهيوني هم من يقولون ذلك ..ومن أراد الاطلاع أكثر عليه أن يعود الى مذكرات ايلي عازر (حرب الغفران) ..أو الى (مذكرات غولدامائير)..أو الى كتاب (حرب يوم كيبور ..اللحظة الحقيقية ) للصحفيين الاسرائيليين (رونين برجمان وجيل مالستر) تحت عنوان: (الزيتية بئر الموت).
 لا أريد أن أطيل فالموضوع فيه تفاصيل كثيرة لا يتسع المجال أكثر لعرضها … ولكنني أنصح الإخوة والأخ صنهاجي تحديدا بالعودة الى مقال الدكتور المصري محمد عبد الرحمان عريف ..المنشور على هذا المنبر المحترم رأي اليوم .. يوم 2019.10.24 الذي يتحدث عن دور القوات الجزائرية في ما حدث، يومي 25.24 أكتوبر 1973، وحقيقة مشاركة القوات الجزائرية في حرب 1973...سيجدون الجنرالات الاسرائيليين يتحدثون حديثا أغرب من الخيال عن شجاعة وبطولة القوات الجزائرية في ميناءي اديبة والزيتية ..أغرب من الخيال بالنسبة للذين يجهلون تاريخنا «.
ويعود القارئ الأول ليعلق على ما كنت قلته حول مصافحة الرئيس بو تفليقة لإيهود باراك، وهو ما اعتبرته مصافحة مغتصبة، فيقول :
«مصافحة الرئيس السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي لم تكن عفوية بل محاولة للتقرب من اللوبي الإسرائيلي الأمريكي من أجل الإستقواء به ضد خصومه من الجنرالات في الجزائر، و بفضل ذلك الدعم تمكن من الحصول على العهدات الثانية والثالثة والرابعة رغم المعارضة الشرسة لجناح الجنرال محمد العماري (وهو آخر الضباط الفارين من الجيش الفرنسي)، إذ قامت أمريكا وفرنسا بتهديد محمد العماري بالمتابعة الجنائية دوليا في حالة إصراره على منع بوتفليقة من تجديد عهدته الأولى (وهي معلومات لم يسمع بها أحد غير المعلق).
أما ردة فعل الرئيس على زيارة الوفد الصحفي لإسرائيل فكان مجرد نفاق ومكر سياسي لتبرئة ذمته أمام الشعب من هذه الزيارة والحفاظ على ملف العلاقات مع اسرائيل لنفسه فقط» .
وأجد نفسي مضطرا للرد على أحكام استهدفت نوايا من لا يستطيعون اليوم الردّ عليها، وجاء في الردّ:
«قلت ما أعرفه عن مصافحة بوتفليقة لباراك على ضوء ما سمعته شخصيا ممن حضروا اللقاء آنذاك، ولست أدافع عن الرئيس الجزائري المستقال فهو لا يملك لي اليوم ضرا ولا نفعا، وأنا ممن يطبقون قوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.
ولن أدخل في مساجلة كلامية كلعبة «البنغ بونغ»، فالأمور واضحة والخلفيات أكثر وضوحا، ويكفي أن أقول إن مصافحة الرباط كانت في نهاية الألفية الماضية، بينما كانت العهدة الثانية للرئيس بو بوتفليقة في 2004 ، أي بعد نحو خمس سنوات وبعد نجاحه في تحقيق المصالحة الوطنية.»
ويعلق ثالث قائلا:
الجميع يعرف أن باراك هو من اعترض طريق بوتفليقة…..أنا لا أدافع عن الرجل ولكن …..نريد عدم تضليل الناس ….وقع هذا في جنازة الملك المغربي الحسن الثاني …..و علق عليه بوتفليقة قائلا : إنه لم يستطع رد إيهود براك وهو يعترض طريقه ويصافحه ….. وكانت عملية مقصودة …..لإعطائها زخم إعلامي أكثر مما تستحق……تاريخ الجزائر معروف مع الكيان الصهيوني وربما هو الشيء الوحيد الذي بقي منذ الاستقلال الى يومنا هذا (وجهة نظر لا أتفق معها).
ثانيا حضور اليهود والصهاينة في الجنازة لم يثِر سخطكم وصورة بوتفليقة وهو يصافح إيهودا تحدث لكم البلبلة ؟؟؟ عجيب أمركم».
ويبقى أن أقول : ها قد تأكد مرة أخرى أن القضية عند «القوم» هي إدانة كل مرحلة استرجاع الاستقلال... و…إما نحن (هُمْ)…وإما… كل شيء خراب وضياع وانهيار.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18213

العدد18213

السبت 28 مارس 2020
العدد18212

العدد18212

الجمعة 27 مارس 2020
العدد18211

العدد18211

الأربعاء 25 مارس 2020
العدد18210

العدد18210

الثلاثاء 24 مارس 2020