دردشة عن جامعة ليست جامعة

الدكتور مُحيي الدين عميمور

الحلقة الخامسة

أتصوّر أنّ الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي كان يُحسّ في مؤتمر القاهرة إثر غزو الكويت بأنّه أقرب إلى الزّوج المخدوع، فقد كان كل شيء يجري وراء ظهره، وفرض شعور غامض وجوده على كل الحركات والتحركات داخل أجواء المؤتمر، خلاصته أنّ الوضعية يسيطر عليه تسرّع من الصعب تفّهمه أو تبريره، وهو تسرّع سيتجسّد بصورة واضحة في أسلوب عمل القمة واختتام أعمالها، وبوجه أخص النتيجة التي خرجت بها.
وفوجئ الجميع بأنّه لن يكون هناك اجتماع تمهيدي لوزراء الخارجية قبل القمة طبقا للتقاليد المعمول بها في القمم، ويردّ أعضاء الوفد المصري المضيف على من طرح عليهم التساؤل، وبالطبع طبقا للتعليمات التي تلقّاها، بأن الموقف مُعقّد جدا وبلا سابقة، وأنّ الأزمة بمجملها سوف تعرض على الملوك والرؤساء ليروا فيها رأيهم، وكان هذا بداية التهرب العملي من دراسة الأزمة دراسة سياسية موضوعية ونزيهة.
ويسلّم الأمير سعود الفيصل وزير خارجية السعودية للشاذلي القليبي ورقة تضم مشروع قرار رجاه أن يطبعه بسرعة!! (دائما بسرعة) ليُوزّع على الرؤساء والملوك قبل دخولهم القاعة، وفيما بعد عبّر أحد مستشاري الملك حسين عن مشاعره حول ما جاء في تلك الورقة، بأن النص «ترجمة» إلى اللغة العربية وليس كتابة أصلية بها (هيكل - أوهام النصر والهزيمة - ص 429)، ويؤكّد ذلك بأنّ النص يتحدّث عن عودة القوات العراقية إلى مواقعها يوم «1 أغسطس»، في حين أنّ الغزو حدث يوم «2 أغسطس»، الذي كان فعلا يوم أول أغسطس في واشنطون!! نظرا لاختلاف التوقيت، وهكذا يتضح أين كُتب النص الأول للقرار الذي سيتخذه الرؤساء العرب، ومن الذي كتبه ومن الذي تسلمه ولمن أعطاه، ويمكن أن نتخيل من أطلع عليه قبل توزيعه، ومن حُرم من هذا الشرف.
ويقول الرئيس الشاذلي بن جديد خلال الجلسة الأولى للقمة، مشيرا إلى استقدام القوات العسكرية الأمريكية: «إنّنا مطالبون بأن نجد وسيلة عربية لحل الأزمة، وإلاّ فإنّنا نكون قد ضيّعنا كفاح أجيال قضت عمرها في محاربة الاستعمار، ولا يعقل أن نجد بيننا من يمهّد الطريق لعودته لأراضينا بقوّاته العسكرية».
ويؤيّده عمر البشير فيقمعه العاهل السعودي على الفور، ولكنه يتفادى النظر في اتجاه الشاذلي، ويتدخّل مبارك قائلا بأسلوب باتر: «لدينا مشروع وزّعناه في الصباح وسوف أطرحه الآن للتصويت، وترتفع أصوات مطالبة الرئيس بتأجيل التصويت لأنّ المناقشة لم تستوفِ حقها، ويرد مبارك قائلا بأنه لا يسمع مناقشة جادّة وإنما يسمع مهاترات، ثم يطلب من الموافقين على النص الموجود أمام المؤتمرين رفع أيديهم ويقول بسرعة: حداشر (11) أغلبية موافقة، ترفع الجلسة.
وهكذا يتم التعامل مع أخطر قرار مرّ على مجلس الجامعة العربية منذ إنشائها.
وعلى الفور يقوم مبارك من مقعده متوجّها إلى باب الخروج بينما يرتفع صوت عرفات قائلا أن التصويت غير دستوري، ويرد السيد مفيد شهاب، قانونيي السلطان، قائلا: القرار دستوري وهذا اختصاصي وأنا أعرف ما أقول، ولم يختلف موقف شهاب يومها عن موقفه بعد ذلك بنحو عشرين عاما إثر حدوث التوتر بين مصر والجزائر على خلفية الاعتداء على حافلة اللاعبين الجزائريين، حيث تبدل الموقف بين عشية وضحاها، لأن الأوامر صدرت بذلك.
وكان واضحا أن الرئيس المصري يتصرف بتواطؤ واضح، وبدا أكثر وضوحا أنه تحت ضغوط جعلته يتهرّب من أي مناقشة.
ويصيح القذافي موجها كلامه للرئيس مبارك: إنك لم تكن ديموقراطيا في إدارتك للجلسة، ويرد الرئيس المصري: لا أسمح لك بأن تقول هذا (طبقا لرواية هيكل).
وتكون نتيجة المهزلة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا مواقف متضاربة، فالعراق وليبيا رفضتا القرار، والسودان وموريطانيا وفلسطين تحفّظت عليه، والجزائر واليمن امتنعتا عن التصويت، وكذلك الأردن.
وإذا قمنا بتحليل سياسي لتلك القمّة، والتي قيل أنها وافقت على الاستعانة بالقوات الأمريكية، فإنّنا نجد أن أربعة أصوات فقط هي التي وافقت على القرار، مصر وسوريا، ولبنان بالتبعية كالعادة، ثم دول الخليج كلها، التي جسدت صوتا واحدا عبّر عن إرادة دول مجلس التعاون، وكان من لم يصوتوا عليه، امتناعا أو تحفّظا، ثمانية، بضم تونس التي لم تحضر عندما رُفض اقتراحها بتأجيل القمة لحسن الاستعداد.
وهنا، وللمرة الأولى في تاريخ الجامعة العربية، يبرز موقف رجولة لم يتوقّعه أحد، إذ يقرر الأمين العام الاستقالة من منصبه، بعد أن تأكّد له أن واشنطن هي المدير الوحيد للأزمة والممسك بزمامها والموزع للأدوار فيها، وخرجت الأمور من يدِ القيادات العربية «الرافضة للمنطق الأمريكي»، ولم يكن القرار المصري السعودي هو وحده المؤثر على الأحداث بل أضيف له الموقف السوري بعد مكالمة الملك فهد مع الرئيس الأسد، ولم يكن الاتحاد السوفيتي مستعدا لأي حركة، فهو يعرف أن سنة 1956 تاريخ لن يعود.
غير أنّ المغرب العربي لم يتوقف عن المحاولة، وهكذا يلتقي الرئيس الشاذلي في الرباط مع ملكي الأردن والمغرب، ويتخذ الثلاثة قرارا بأنه لابد من محاولة أخرى، لكن الطرف الضاغط لمصلحة واشنطون كان في قمة فورانه.
وكان بوش آنذاك، وكما يروي هيكل دائما، مهتما بدراسة نفسية الرئيس العراقي، وركّز، خلال استقباله للمبعوث السوفيتي «يفجيني بريماكوف»، على أسئلة تكشف عن معالم شخصية صدام، ثم راح يطرح نفس الأسئلة على عدد من الأمريكيين من ذوي الأصل العربي، أشاروا عليه باستعمال اسم «صدام» في خطبه بلهجة يبدو فيها الاستخفاف، وأن يقرن أي مبادرة علاقات عامة يقوم بها بعبارات تستفز كرامة الرئيس العراقي من أمثال: إنّني أريد أن أعطيه الفرصة لإنقاذ ماء وجهه، أو لينفذ بجلده.
ولم يك سرّا أن إسرائيل كانت تضغط لتنتقم من العراق، وقد نجحت في ذلك ممّا يبرز مدى قوة مهاجريها ورجالها في واشنطن.
وأهم من ذلك أنّنا نكتشف مدى هزال العرب ومهاجريهم على أرض الغربة، لأن نجاح بوش في استفزاز صدام كان على ضوء الصورة التي أعطاها له عرب أمريكا هناك، متكاملين مع عرب أمريكا هنا.
ووقفت قيادات مشرقية ضد جهود الرئيس الجزائري من أجل حلّ سلمي، وكان منع طائرته من الهبوط في مطار الرياض، إشعارا «مؤدّبا» بأنّهم لا يريدون بحث الأمر معه، وهذا بعد أن رفضت واشنطون زيارته، ولنفس السبب.
وكان جان بيير شوفينمان، وزير الدفاع الفرنسي أكثر عروبة من بعض الأشقاء، فقد قال إن فُرص الحلّ السلمي لم تستنفذ بعد، واستقال من منصبه عندما فشل في إقناع فرانسوا متران بموقفه.
وعرف سبب فشله فيما بعد عندما بدأت السعودية تتفاوض مع شركة طومسون الفرنسية على عقدٍ بتوريد 30 محطة رادار تصل قيمتها إلى أكثر من ملياري دولار، ويقول فرانسوا متران لواشنطون: «أصدقاؤنا الأمريكيون باستطاعتهم الاعتماد على موقف فرنسا كما يعتمدون على موقف بريطانيا بالضبط».
واتّضح يومها، ما تأكّد فيما بعد في عهد الثورات المضادة، من أن المبادئ تحكمها المصالح.
وتنطلق العمليات الحربية في 17 يناير 1991، ويتأكد أن القيادة الأمريكية كان لها داخل الكويت عناصر عربية كلفت بجمع المعلومات عن الطرف الآخر، ويقوم بتوجيهها وتحريكها ضابط عربي له خبرة سابقة في معارك أفغانستان (هيكل - ص 549)، ويعلن بوش عن قرار وقف العمليات في 28 فبراير، بعد أن تواصل دكّ العراق لمدة 43 يوما، سقط فيها عليه نحو 125 ألف طن من المتفجّرات من كل الأنواع والأحجام، وتبدأ مرحلة جديدة هدفها تحريض الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال، وعن هذا يقول دافيد كمحي وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن: «سياستنا هي التعاون مع القوميات «غير العربية» في الشرق الأوسط (..) وأن نتعاون مع السنة غير العرب» (ونفهم هنا خلفية الدعوات التي تنطلق عندنا رافضة كل ما هو عربي ومنادية بأصالة منتحلة).
وتحصل سوريا على جرعة من الرضا الأمريكي، ولكن مصر تستفيد من محو سبعة ملايير دولار من ديونها، وتستفيد دول أخرى بالفتات، وتدفع الدول الخليجية فاتورة العمليات.
ولن أدخل في تفاصيل يعرفها الجميع مكتفيا بالقول أن واشنطون، وبزعم الوفاء بوعودها للأطراف العربية المتحالفة معها لتدمير العراق، طلعت بفكرة (مؤتمر مفتوح تحت إشراف واشنطون وموسكو لتهدئة وتسكين الأوضاع في الشرق الأوسط)، وهي عملية هُمّشت فيها الجامعة العربية تماما فلم يكن لها إلا دور «المحلل».
وهكذا ذهب العالم العربي إلى مدريد منقسما على نفسه، وأسوأ من الانقسام كما يقول هيكل «أن بعض الأيدي العربية كان عليها دم أطراف عربية، ولم يكن لدى العرب سلاح قوة يحتكمون إليه إذا فشلت أحاديث السلام، فقد التزم السادات بأن أكتوبر هي آخر الحروب، ولا كان لدى العرب سلاح بترول يلوحون به تهديدا لمن يتجاهل حقوقهم» (وهو ما يذكر اليوم بحكاية سدّ النهضة).
وأصبح معظم السّلاح العربي عاجزا أو مُدمّرا، وكان السادات هو المسؤول الأول عن إجهاض سلاح البترول، وكان معظم مال النفط مشغولا بمعاقبة العرب الذين لم يتحمّسوا للحل العسكري ووقفوا ضدّه، وهكذا فرض على الشعب الفلسطيني ضغط لم يكن يستحقه ولا كان هناك ما يبرّره، وكان الرئيس الأسد على حق وهو يقول بأن مؤتمر مدريد انعقد على أساس شروط إسرائيلية.
ودخلت الجزائر في منعطف دموي خطير ابتداءً من يناير 1992، ووقفت وحدها تواجه الإرهاب الإجرامي، وقد يثبت التاريخ أن اليد الخارجية لم تكن بعيدة عن عمليات القتل والتدمير الداخلية، وعن الأصوات التي بدأت ترتفع مشكّكة في الهوية والانتماء.
وراحت الجزائر تدفع ثمن مواقفها الوطنية.
    يتبع

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18362

العدد18362

الأربعاء 23 سبتمبر 2020
العدد18361

العدد18361

الثلاثاء 22 سبتمبر 2020
العدد18360

العدد18360

الإثنين 21 سبتمبر 2020
العدد18359

العدد18359

الأحد 20 سبتمبر 2020