العالم الشهيد العربي التبسي

حياة نضال من أجل الهوية الجزائرية

بقلم: عبد القادر حمداوي

متنقل دائم لتربية النشئ أصول الدين والفكر التحرري

كثير التعمق وذو علم واسع وبصيرة ناقدة، عند عودته إلى وطنه نهل من المعرفة والثقافة واتخذ منهما سلاحا فعّالا لمقاومة خصوم الدين والأمة والوطن، أخذ مكانه في ميدان المعركة، كرس جهوده ومواهبه العلمية وبشجاعة فائقة ضد الجهل والجمود والتضليل وضد استبداد الاستعمار وأعوانه وقف الشيخ إلى جانب الإمام ابن باديس موقف الرجولة والبطولة حين كان سوط المحتل مسلطا على هذا الشعب الأبي. بدأ جهاده ضد الإستعمار الفرنسي وهمجيته حيث كان يكشف حقيقة المشعوذين والطرقيين الذين كان الإستعمار يدعمهم، له رؤية استشرافية لإعادة بناء الدولة الجزائرية. إنه العلامة العربي التبسي التي تعرض «الشعب» مسيرته في ركن «أعلام الجزائر».

أنجبت الجزائر الكثير من العلماء الأجلاء في الماضي، وأنجبت الرجال في العهود الغابرة وما بعدها ويحجب الزمن هذه العصور بالضباب ليضفي أحداثها لنتذكر معارفهم ومهاراتهم وعندما كررنا ذلك لم نكن في الواقع مبتكرين أو مبدعين لننشئ وارتفعت أصوات من هنا وهناك في أوساط المثقفين توحي بالتذكير والتوضيح أننا لا ننسى أو نغفل عن تاريخ أبائنا وأجدادنا الذين ورثوا وحرروا أرض الجزائر بمشقة وكفاح .
تركوها لنا سائعة بين أيدينا أمانة في عنقنا ونفتخر بانتسابه إليه ولا يمكن أن ننسى عمل هؤلاء الكرم الذين قدموا الكثير من أجل الجزائر الحرة المستقلة.

قرية النموشة شاهدة على نضاله
 
وفي هذه الذكرى العظيمة وبمناسبة الذكرى 61 للثورة أول نوفمبر 1954 كما أنها فرصة التعرف على العلم الشهيد الشيخ العربي التبسي الذي ولد سنة 1895 بقرية النموشة بضواحي مدينة تبسة، عاش طفولته في خدمة الأرض مع أبيه، تعلم خلالها البساطة والتواضع وحب الأرض والتراب والوطن.
كان الشيخ يتأمل بالهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة ويتيح له المتعة بجمال الطبيعة ونسمات الأشجار كما يتيح له لونا من التربية النفسية من الصبر والحلم والأناة والرأفة والعناية بالضعفاء.
عاش أثناء هذه المرحلة من حياته في كتاتيب لتحفيظ القران مع أبناء قريته توفي أبوه وهو في الثامنة من العمر كفله عمه وكانت أسرته تعزه كل الاعزاز، فكانت مشهورة بالدين والتقوى والصراحة والشجاعة وكانت تنشر العلم بكل وسائله، أصر الشيخ على مواصلة حفظ القرآن الكريم فأتمه في الثانية عشر من عمره في زاوية الرحمانية قرب بسكرة.
درس العلوم الدينية واصل رحلته إلى جامع الزيتونة سنة 1913 سافر إلى مصر لمواصلة دراسته العليا في جامع الأزهر تحصل على الشهادة العالمية وبذلك أصبح عالما ورفض الوظائف في مصر وأصر على العودة إلى وطنه الجزائر.
استطاع الشيخ العربي التبسي أن يتحصل على تكوين عميق ودقيق منذ عنفوان شبابه وهذا بفضل محيطه العائلي
كان يعيش بروحه وضميره في تفكير وطنه ويراقب عن كثب ما يتمخض عنه فجر النهضة الوطنية.
و يبتعد كل البعد عن نفسه الكبر والكبرياء، ويرتكز في نفسه بالتواضع وكان يمتاز بالشجاعة التي تؤهله للقضاء على المعتدي.
أخذ يتابع باهتمام نشاط عبد الحميد بن باديس منذ ظهور صحيفة الشهاب كان الشيخ كثير التعمق وذو علم واسع وبصيرة ناقدة. وعند عودته إلى وطنه نهل من المعرفة والثقافة واتخذ منهما سلاحا فعّالا لمقاومة خصوم الدين والأمة والوطن، أخذ مكانه في ميدان المعركة، كرس جهوده ومواهبه العلمية وبشجاعة فائقة ضد الجهل والجمود والتضليل وضد استبداد الاستعمار وأعوانه وقف الشيخ إلى جانب الإمام ابن باديس موقف الرجولة والبطولة، كان سوط المحتل مسلطا على هذا الشعب الأبي.
بدأ جهاده ضد الإستعمار الفرنسي وهمجيته حيث كان يكشف حقيقة المشعوذين والطرقيين الذين كان الإستعمار يستعملهم لإبقاء الشعب في التخلف والجهل .
حرك الاستعمار بياديقه وأنذاله من العملاء ومنعه من التدريس وأمام هذا الوضع نصحه ابن باديس بالانتقال إلى مدينة سيق بغرب الجزائر بقي فيها سنتين يعلم أفكار الوطنية فقام بالمهمة التي أسندت إليه خير قيام وفي عام 1932 تمكنت جمعية العلماء من إقامة مدرسة كبيرة تضم حوالي 500 تلميذ وتلميذة.

مربي بين المسجد والمدرسة

أصبح العربي التبسي يعمل ليل نهار يربي الآباء في المسجد ويكون الأبناء في المدرسة، بعد انتقال الإمام بن باديس رحمه الله سنة 1940 ترك وراءه المئات من التلاميذ وخشيت الجمعية أن تتعطل أهم رسالة له التي كان يقوم بها ابن باديس، كان لابد أن يعوضه في القيام بها أحد الشيخين إما الميلي وإما التبسي وكلاهما يحظى بالكفاءة العلمية وتحولت تبسة بفضله إلى قبلة ثانية لطلاب العلم لتقبل أبناء الجزائر من مختلف مدنها وقراها الذين أتوه من كل حدب وصوب يتعلمون منه العلم ويقتبسون من سيرته الخلق والوطنية .
كان الشيخ صاحب دعوة يعتمد في معيشته على جهده الشخصي، وكان في مجتمعه إجابيا فاعلا.
مضت الأيام والشهور وهو يؤدي واجبه على ما يرام بعد وفاة الإمام بن باديس انتخب الشيخ الابراهمي رئيسا لجمعية العلماء، واصل الشيخ العربي التبجحاسي جهاده ضد الاستعمار.
استطاع من خلال تعليمه إبلاغ معرفة مبتكرة وعقلانية لتلاميذه تركزت دروسه في غاية التماسك بالوطنية .
ألقى عليه القبض سنة 1943 وبقي في سجن لامبيز بباتنة ثم حول إلى قسنطينة وأطلق سراحه خوفا من غضب الشعب الجزائري كان الشيخ نموذجا في النظر وفي النضال والتوجه والتكوين يشهد له بذلك الشيخ البشير الابراهيمي، استمر في تقديم الدروس في المساجد والمحاضرات في النوادي والكتابة في الصحف كان عمله كله تضحيات التحق الكثير من تلاميذه مدراس الجمعية بالثورة المسلحة فحملوا السلاح لتحرير البلاد وأفتى في بداية الثورة بأنه لا يجوز لأي جزائري دون عذر أن يتخلف عن الثورة توصلت المخابرات الفرنسية إلى طريقة تصفيته في إعطاء الأمر لمنظمة الأيدي الحمراء الإرهابية باختطافه واغتياله وذلك لاستبعاد التهمة عن الحكومة الفرنسية لزرع الغموض والبلبلة في وسط الشعب.
وفي يوم الخميس مساء وفي ليلة الجمعة من 04 أفريل سنة 1957 اقتحم الجنود الفرنسيين منزل الشيخ وعومل معاملة بفظاعة ووحشية لا مثل لها وأهينت عائلته أمام عينيه وبعثرت كتبه وديس بالأقدام وحجزت محفظته ذهبوا به إلى مصير مجهول حافي القدمين وعندما بحث عنه أفراد عائلته لدى الاستعمار لم يجدوا عنه أي أثر ونفى العدو عملية الاختطاف لمكانة الرجل وتأثيره، استشهد الشيح العربي التبسي وهو في الثانية والستين من عمره لم يعرف إلى اليوم مكان قبره.
وهذا يعطينا صورة حية عن قيمة الأخلاق في المجتمع، وصار مضرب المثل يزكو وينمو حتى تعلقت به قلوب طلابه.
هذه قصة نحكيها لأبناء الجزائر كل مسلك وواد وطريق وجبل وكل ربوة وكل مكان في هذا القطر يشهد في مدينة وفي قرية ولو قيل للأرض انطقي لنطقت بأحداث ثورة أول نوفمبر الكبرى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18104

العدد18104

الأربعاء 20 نوفمبر 2019
العدد18103

العدد18103

الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019