الحقيقـة العنيـدة

دكتور محيي الدين عميمور

تصدى مُعدّ الفيلم الوثائقي حول المرحوم مسعود زقار مؤخرا لما كنت وجهته لفيلمه المتلفز من نقد موضوعي، فانفرد بمداخلة متلفزة على نفس القناة، في حين كان المفروض أن أكون موجودا أمامه لأوضح وجهة نظري، بدلا من الاقتصار على أحادية كانت مما استوجب نقدي لفيلمٍ، اعترفتُ له بكل أمانة بأنه إنجاز جيد، وكان يمكن أن يكون ذا قيمة تاريخية متميزة لو تمسك مُعدّه بالحياد الموضوعي، ولا أقول بالنزاهة، وعرض المعلومة والمعلومة المضادة.

تصدى مُعدّ الفيلم الوثائقي حول المرحوم مسعود زقار مؤخرا لما كنت وجهته لفيلمه المتلفز من نقد موضوعي، فانفرد بمداخلة متلفزة على نفس القناة، في حين كان المفروض أن أكون موجودا أمامه لأوضح وجهة نظري، بدلا من الاقتصار على أحادية كانت مما استوجب نقدي لفيلمٍ، اعترفتُ له بكل أمانة بأنه إنجاز جيد، وكان يمكن أن يكون ذا قيمة تاريخية متميزة لو تمسك مُعدّه بالحياد الموضوعي، ولا أقول بالنزاهة، وعرض المعلومة والمعلومة المضادة.
وقد لاحظ مُعدّ الفيلم معاتبا بأنني لم أشر لاسمه، واكتفيت بتقديم صفته المهنية، وهو على حق في عتابه، لكنه أسلوبي في كل مداخلاتي المكتوبة والمتلفزة، حيث أكتفي بنقد ما أرى أنه خطأ بدون أن أذكر اسم من أراه مخطئا، وهكذا لا يعتبر النقد تشهيرا شخصيا أراه أمرا مذموما، وهو  ما أراه احتراما لمن أعتقد أنه أجتهد ولم يُصب، وأرفض أن أوجه له، بذكر اسمه، ما يمكن أن يعتبر إساءة له.
ورأي معد البرنامج أن يرد لي الصاع صاعين فلم يذكر اسمي ولكنه أسماني “صاحب الشهادتين المتناقضتين”، وهو خطأ أصابني هذا بخيبة أمل، لأنه لا يمكن أن تكون هناك شهادتان إلا إذا كانت هناك محاكمتان، وواقع الأمر أنه كانت هناك محاكمة علنية واحدة، سبقها تحقيق قام به ضابط أمن مهمته تجميع العناصر التي يبني عليها وكيل الدولة اتهاماته.
والقاعدة القانونية فيما أعرف هي أن ما يُؤخذ به في القضاء هو الشهادة التي يقدمها الشاهد أمام رئيس المحكمة وهيئاتها في جلسة علنية يحضرها كل المعنيين بالقضية.
وقد اعترف مُعدّ الحصة، بعظمة لسانه كما يقال، أنني أنصفت مسعود زقار في شهادتي العلنية أمام المحكمة بكلمات فيها إسهاب وإطناب، بنص كلماته التي قالها بسرعة قياسية لعل كثيرين لم يلتقطوا مضمونها، لكنه اعتبر هذه الشهادة “ناسخا” لمنسوخ، وكأن الأمر يتعلق بآيات قرآنية، والمنسوخ عنده هو ما اعتبرها شهادة قال عنها بأنني أبرقت بها إلى قاضي التحقيق العسكري، حيث كنت يومها، كما قال، مديرا برئاسة الجمهورية مكلفا بالصحافة الوطنية والدولية.
ولأن الأمر يتطلب الدقة أذكر بأنني لم أكن مديرا بل كنت مستشارا برئاسة الجمهورية بنص مرسوم رئاسي لا يتحدث عن الصحافة بأي شكل كان، وذكرُ صفة الشاهد وعمله جزء من الحقيقة في التعامل القانوني، وخصوصا في قضية بخطورة قضية زقار.
والأخطر من ذلك هو أن ما قاله هو افتراء، فأنا لم أرسل كلمة واحدة، لا بالعربية ولا بالفرنسية، إلى المحقق العسكري كما فعل رفقاء آخرون، وقد استقبلني المحقق بكل احترام، كما قلت لمُعدّ الفيلم، وكانت ردودي كلها على الأسئلة باللغة العربية، وبالتالي فأنا لا أعترف بالورقة المكتوبة بالفرنسية التي رفعها أمام محاوره قادة عمار، قائلا أن الذي أعدها هو ضابط انتقل إلى رحمة الله، فهي ليست شهادة، لأن شهادتي القانونية هي ما أدليت به علنا في قاعة المحكمة في البليدة وتحت اليمين القانونية، وهو ما تجاهله الفيلم الوثائقي برغم أنه جزء أساسي في التعامل مع القضية.
ولقد قيل لي بأن تسريب أي وثيقة من وثائق التحقيق القضائي هو أمر يؤاخذ عليه من يقوم به، وهو ما ليس شأني، ومعرفتي بضباط الأمن الذين التقيتهم أكدت حرصهم على احترام القواعد القانونية.
وحتى فيما يتعلق بالوريقة، التي رفعها معد البرنامج بطريقة ذكرتني بالقط “توم” وهو يرفع الفأر “جيري” من ذيله، فقد بدا للناظر عن بُعْد أنها تضم جملا متعددة، لم يقدم منها مُعدّ الحصة إلا سطورا محدودة، هي تلك التي تسيئ لي، وهي سطور مقاربة لتلك التي أوردها الأستاذ بلولة في كتابه “محاكمة زقار” الذي صدر بالفرنسية هذا العام، ونشر فيه مقتطفات مطولة من كل الشهادات التي وصلته بالفرنسية، وربما لم يكفه الوقت لترجمة شهادتي التي  كانت بالعربية، واكتفى بأن ترجم منها بضعة جمل، لكنه كان ذكيا وحريصا، فقد استعمل الصيغة الشرطية (Le conditionnel) التي تعني الاحتمال لا التأكيد، وهو ما ترجمه ثانية إلى العربية بكل أمانة هابت حناشي في “الحياة”.
والسؤال المهم، لماذا لم يقدم الصحفي النصين، نص شهادتي الكاملة في المحكمة والنص الثاني المسرب من غرفة التحقيق، ليحكم المشاهد بنفسه على قيمة كل منهما، بدلا من أن يقرر “هوَ” الاعتماد على سطور قدمها له، كما قال، ضابط متوفٍ عن تحقيق تم في غرفة مغلقة، وكتبت بلغة غير التي أدلى بها الشاهد، وقد تكون ترجمتها خضعت لتكوين المترجم أو لرأيه أو لما تصوره.
والطريف في الأمر أن الفيلم يقول بأن الشهادة التي أنصفت مسعود زقار في المحكمة جاءت بعد أن تخلص مني “العربي بلخير”، ولم يستنتج، ربما لأن الاستنتاج قد ينصفني، بأن من أسباب التخلص مني موقفي الإيجابي لصالح مسعود زقار إثر القبض عليه، وهو ما قلته له في شهادتي المسجلة التي لم يقدم منها مُعدّ الفيلم إلا حوالي دقيقة واحدة، تعمد أن يقدم قبلها لوحة مكتوبة تشكك في جديتها، تقول بأنها شهادة أعطيت بعد 31 سنة، وكأن الشهادة الصادقة هي سمكة طازجة يفسدها طول الزمن، ومع العلم بأن ما قلته في تسجيل 2015 هو موجز لما قلته في شهادتي المطولة أمام المحكمة، ولعل مُعد الفيلم كان يجب أن يكون بنفس الحرص على الموضوعية، فيشكك في نص كتاب الأستاذ بلولة، الذي صدر هو أيضا للمرة الأولى في 2015، أي بعد 31 سنة.
ومعد الحصة يقول أنه، في اختصاره لشهادتي التي سجلتها معه في منزلي بناء على طلبه وإصراره، استلهم الجانب المهني، وهو ما استوقف الصحفي المتميز الذي كان يحاوره، فعلق قائلا أن شرط الاختصار هو ألا يؤثر على مضمون النص، ومعروف عند أي صحفي مبتدأ  أن أي اختصار يمكن أن يفسد مضمون النص يصبح كذبا بالحذف (MENSONGE PAR OMMISSION).
وتتأكد نية الإساءة للعبد الضعيف، ففي كل مرة تناول فيها الفيلم من أساءوا لمسعود زقار كانت صورتي تملأ الشاشة، وعندما قال أحد الشهود بأن من أساءوا لرشيد كانوا يرقصون في بيته ظهرت صورتي واضحة لعدة ثوان كافية للتعرف على ملامحي، في حين أنني لم أرقص لا في دار زقار ولا في غيرها.
وكانت أوضح صورة للنية السيئة الادعاء بأنني “سربت” خبر قضية مشكينو إلى صحيفة لوموند، ومعروف لدي المبتدئين في مجال الإعلام أن “التسريب” يعني كشف خبرٍ سريّ جدّا لغير مؤهل للاطلاع عليه، في حين أن عملية الاختطاف تمت في كندا فجر يوم 25 أبريل 1978، وبعد ذلك قام الزوج الفرنسي بإيداع شكوى لدي الشرطة، وأخذت الصحافة الكندية في تناول العملية بتهريج متزايد، وأصدر النائب العام الكندي وثيقة توقيف دولية ضد مسعود ورفاقه يوم 2 ماي، وكل هذا أوردته جريدة “الشروق” نفسها بالتفصيل، ثم تكالبت بعض الصحف الفرنسية اليمينية على المجاهد الجزائري، بحيث أصبحت القضية شغلها الشاغل، وهناك اتصل بي بول بالطا في الأسبوع الثاني من مايو، ليطلب التعليق على ما تجمع لديه من معلومات حول القضية التي أثارت الرأي العام في كندا وفي فرنسا على وجه التحديد، وهناك اتصلت بالمرحوم هاتفيا في العلمة لأحيطه بطلب بالطا، كما سبق أن قلت.
ووضعت يومها الرئيس بو مدين في صورة كل ما قمت به، وكان يجب أن أعاقب لو كنت أخطأت.
ولقد كان من حق معد الفيلم الوثائقي، بل ومن واجبه، أن يعاتبني لأنني لم أوضح الأمر طوال السنوات الماضية، حين كنت قادرا، بحكم المسؤولية السامية التي كنت أتولاها، على أن أقول كل ما أريده للصحافة الوطنية والدولية، لكنني كنت أدرك أن القضية كانت أضخم إصابة تلقاها مسعود طوال حياته، ورأيت ألا أحْدِث أي ضجة إعلامية يمكن أن تسيئ إلى رجل أحببته وقدرته، رغم خلافات بيننا لم تكن أبدا خلافات شخصية.
ولقد شرحتُ رأيي لمعدّ الفيلم لكنه رأى، من منطق مفهومه للمهنية الإعلامية، أنه لا ضرورة لكي ينقل للمشاهد وجهة نظري، ولعلها فرصة لكي أشكره لأنه أتاح لي اليوم التخلص من عبء حملته سنوات طويلة.
لكن التذكير بقضية “كندا” كان أسوأ ما قدمه الفيلم، لأن هذه القضية كان يجب أن تدفن تماما، احتراما لرجل قضى حياته كلها في خدمة الجزائر، وتعرض لمأساة إنسانية كان من حقه علينا أن لا نلغ فيها وألا نذكر بجراحها التي أصابت الأسرة والجزائر كلها، وأصبح النسيان ضرورة أخلاقية بعد انتقال المجاهد الكبير مكلوما إلى الرفيق الأعلى.
ويبقى أن أسجل لمُعدّ الحصة تصريحه أن للمجتهد المخطئ أجر واحد.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18097

العدد18097

الإثنين 11 نوفمبر 2019
العدد18096

العدد18096

الأحد 10 نوفمبر 2019
العدد18095

العدد18095

السبت 09 نوفمبر 2019
العدد18094

العدد18094

الأربعاء 06 نوفمبر 2019