تشريح الإنسان العربي المعاصر.. الأقنعة والمظاهر

بقلم الدكتور: حبيب مونسي

حينما يهم الدارس بالإجابة عن سؤال يبدو بسيطا من أول وهلة، مثل: “من هو الإنسان العربي؟” يجد نفسه يتعثر مع الكلمات الأولى التي يستفتح بها حديثه، متسائلا عمن سيكتب وبين يديه عدد معتبر من الأشكال التي يتمظهر فيها الإنسان العربي المعاصر. لقد كان العربي القديم متجانسا مع بيئته وثقافته، واستطاع من خلال هذا التجانس أن يبدع فيها ضربا من الفن نعرفه بالشعر، مستخلصا من حقيقته الوجودية إيقاعه الخاص، حتى صار في الحديث الشريف أنه “لن تترك العرب الشعر حتى تترك الإبل حنينها”، تعبيرا عن التجذر الحاصل بينه وبين تجربته الفنية والوجودية من جهة وبين امتداده في السياقاته الزمانية والمكانية من جهة أخرى.
غير أننا اليوم حينما نعاود طرح السؤال على أنفسنا، ثم نتفحص الواقع القائم بين أيدينا تنتابنا الحيرة أمام التعدد والتنوع في “أقنعة” الإنسان العربي، ونحن ندرك يقينا أن الجوهر الأول لا يزال حاضرا باهتا في الخلفية التي تظللها الأقنعة وتهيمن عليها. ومن ثم رحنا نزيل هذه الأقنعة للنظر في طبيعتها أولا وفي حقيقتها ثانيا، حتى نستكشف من وضعها على هذا النحو على الوجه العربي وما هي الدواعي التي دعت إلى ذلك.

مخزون بشري تنظره الأعين بشراهة لاستثماره في الحشد والجماهيرية

1-العربي الأمي: هذا النمط من العربي كثير في الوطن العربي وهو من مخلفات الاستعمار والفقر والجهل، وهو إنسان بسيط فطري بطبعه، غير أنه مستعمر بالخرافات والتقاليد، وأنه أميّل إلى التقليد.. سريع الانصياع، راضخ سمح.. إنه الإنسان الذي استغله التصوف ودجنته الطرقية أول الأمر، ثم جندته الأحزاب السياسية من خلال استدعاء هذا الرابط فيه، والعزف على وتر الولاء والبراء. وهو يمثل المخزون البشري الذي تنظر إليه الأعين الأخرى بشراهة لاستثماره في مشاريعها التي تعتمد على الحشد والجماهيرية. لأنها تعرف مداخله وتتحسس أوتاره الحساسة التي سيتم العزف عليها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
2-العربي الوطني: وهو يمثل شريحة أخرى أعلى شأنا من الأولى لأنه على خلافها يمتلك حسا وطنيا صنعته صلته بالاستعمار، كما شكلت الخطابات الثورية أفق انتظاراته، فهو يطمح إلى دولة وطنية، وشعب متحد، وزعامة قيادية تقوده إلى الرقي الخير. غير أن محصوله المعرفي ضحل لا يمكنه من إدراك حقيقة الصراعات التي تسكن الزعامة، ولا الأيادي الخفية التي تحركها، ولا المصالح الداخلية والخارجية المرتبطة بها.. فهو يدرك أن هناك تحديات في الداخل والخارج، وأن هناك سوء نيات وخيانات، ولكنه لا يستطيع الوصول إلى حقيقتها لأن الخطاب الرسمي يظلله ويحجبه، ووسائل الإعلام تبلبل تفكيره.. وتمثل هذه الشريحة صيدا معتبرا في أعين الأحزاب والطامحين إلى السلطة الذي يعرفون كيف يكيفون هذه الشريحة لمشاريعهم من خلال  العزف على وتر الوطنية، والوطن، والهوية.. وغيرها من المصطلحات التي يبعد معناها عن إدراك الكثير منهم. وهي الطبقة التي تشكل عادة المخزون البشري للأحزاب إذ تجدها موزعة بينها بحسب الجهة أو الانتماء المحلي أو العرقي أو اللهجي..

   الإنسان العربي المؤدلج لا يرى إلا نفسه وإزاحة الأخر من الطريق

3-العربي المؤدلج: إنه العربي الذي عملت الأوساط الثقافية والمعرفية على إنتاجه، من خلال البرامج والكتب والنشريات، ومن خلال دعاة المنهج والأيديولوجيا في الجامعات والمعاهد، وقُدم له الواقع العربي على أنه واقع عليل مريض يجب إصلاحه بما صلح به غيره من المجتمعات المؤدلجة، ومن ثم انحصر فهم هذه الطبقة في الأيديولوجيا، وما تبشر به من مستقبل، وما تسعى إلى تحقيقه من واقع.. غير أنها جعلت العربي المؤدلج ينظر إلى واقعه القريب والبعيد على أنه حجر عثرة يجب إزاحته من الطريق محوا وهدما. وأنه لو كان في الماضي خير لما انتهى إلى هذه التنيجة المزرية التي آل إليها العالم العربي. فصار الإنسان العربي المؤدلج لا يرى إلا نفسه، ولا يرى في الغير إلا شخصا تجب أدلجته أو إزاحته من الطريق.. هذا ما يفسر مأساة العديد من المخالفين لهذه الرؤية الذين انتهوا في السجون، أو التشريد، أو القتل.
وهي شريحة تتعالى فكريا على غيرها لأنها تعتقد أنها تمتلك الحقيقة، وعادة ما تصطف إلى جانب الحاكم لاعتقادها أنها مضطهدة من طرف الفرق الأخرى التي تزاحمها في الاستحواذ على الشريحتين السابقتين. فهي تستغل الجانب الوطني  والمشاعر الوطنية استغلالا يستثمر عادة إفرازات الواقع الاجتماعي من فقر، وتهميش، وإقصاء وسوء توزيع للثروة. والملفت حقا في حقيقتها أنها لا تختلف كثيرا في اعتقادها عن المريد الصوفي الذي يتلقى كل شيء من شيخه، فهي طائفة مقلدة، عاجزة عن إنتاج فكرها الخاص، بل هي مستهلكة تنتج من خلال استهلاكها لأيديولوجيتها أنماطا محلية لها خالية من أبعادها الفكرية التي أسستها أول مرة.

 إفرازات الواقع الاجتماعي طائفة مقلدة، عاجزة عن إنتاج فكرها الخاص

4-العربي المثقف: هذا النوع من الإنسان العربي يشمل عدة أطياف منها:
- العربي المستغرب: الذي اغترف ثقافته ورؤاه وتصوراته من ثقافة أخرى، ثم راح يجتهد في أقواله وأفعاله وكتاباته للتمكين لها، معتقدا أشد الاعتقاد أنها المخرج الوحيد له ولغيره من ورطة الزمان العربي المتردي، وأن النموذج الغربي جاهز بين يديه يمكنه الكيل منه بالقدر الذي يشاء في الوقت الذي يشاء. غير أنه في فعلته تلك يمثل العبد المسلوب الإرادة الذي لا يملك حريته إلا من خلال الوهم الذي يسكنه باعتقاده أنه متنم إلى جهة، وأن تلك الجهة صادقة في عالميتها وانفتاحها على الآخر، متناسيا تاريخها الدامي القريب أو البعيد، مؤمنا أن ما تم فيه من تجاوزات إنما كان ثمنا للتحضر والحداثة.
-العربي العروبي: ربما يكون ظله قد تراجع كثيرا في ظل خيبات العربي وتراجع القومية العربية، وخفوت أصواتها في المنابر السياسية، والفكرية، والأدبية. غير أنه يمثل العربي الذي حاول أن يعود أدرجه إلى عمق التاريخ، معتقدا أن الانطلاقة يجب أن تكون من هذه الفسيفساء التي شكلت العربي الأول قبل أن توحده اللغة في شبه الجزيرة العربية. ومن ثم كانت الأفكار التي يقف عليها في ادعائه القومية، أفكارا ليست له. وإنما هي أفكار غيره التي أحييت القوميات الضيقة في الغرب في فترات معروفة من التاريخ. فهو مسلوب الإرادة من ناحيتين: الأولى إنه يعود إلى ماض لا يملك منه إلا صورة فلكلورية باهتة الألوان. كثيرا ما تتأسس على الأساطير والحكايات المحلية. وهو ثانيا يغترف من فكر عاش أصحابه واقعهم الخاص فلم يجدوا غير الانتساب المحلي القومي بديلا يدفع عنهم التمييع الثقافي والسياسي الذي تمارسه قوى توسعية تقف على الأبواب.
-العربي المسلم: يمثل هذا الأخير وجها يجذب إليه أنظار الداخل والخارج، غير أنها أنظار أطماع، وتوجس، وخيفة.. ومن ثم فحقيقته لا تُلتمس من خلال المنهج الذي ينتسب إليه باعتباره مسلما، وإنما ينظر إليه من خلال “فهمه” لهذا المنهج أولا، ثم من خلال ما يراد له  من طرف أولئك الذي يحاولون تحريك هذا المنهج لصالحهم. وهذا ما يفسر كثيرا من الاضطراب الذي يعيشه هذا الإنسان، حينما يجد نفسه محاصرا في خلواته من طرف من يفسرون له دينه كل حين على لغة من اللغات، وعلى هيئة من الهيئات أحيانا أخرى. فيستقر في ذهنه وقع ما يجده “متناقضا” بين نصوصه وأفكاره. لذلك كان هذا الإنسان الرهان الذي تتجند من أجله كافة الفرق العاملة في الساحة السياسية والفكرية، لأنه يمثل العربي “المتعلم”. الذي عرف انتماءه وأدرك أصالته، غير أنه من الهشاشة بحيث يمكن استدراجه داخل هذا الانتماء، وهذه الأصالة إلى وجهات غاية في التطرف والشذوذ.. وقد أدركت كثير من الدوائر الفكرية أن الخلفية الثقافية التي يقف عليها هذا العربي خلفية مشوشة صنعتها المدرسة، والإعلام، والخطب الوعظية.. وزكاها الواقع المتردي والاستعمارات، وخيبت السلطات العربية انتظاراتها. فهو في هذا الموقف يقف وحيدا من غير دليل. يجتهد بمفرده، ويعتقد ما يراه مناسبا لفهمه. بعدما وقر في صدره أن الآخر لا يريد له الخير مطلقا. غير أنه يظل في نظرهم من الممكنات التي يمكن استغلالها إذا تحزبت الأمور واستثارتُها إذا دعت الحاجة إلى ذلك، والعزف على جانبها العاطفي لاتخاذها بعدا بشريا “مثقفا” مناضلا.
-العربي النخبوي: أفردناه هنا أخيرا، لأننا نرى أن كل الأقنعة إنما تؤمن بفكرة أو تحلم بحلم أو تتجه إلى وجهة محددة. سواء اعتقدت فيها المخرج، أو سيقت إليها بخطاب أو وعد أو غيره من وسائل التكييف. بيد أن العربي النخبوي قناع انتهازي لا دين له ولا فكر، وأنه لا يبصر أبعد من مصلحته الآنية حتى وإن تمظهر بصفات المثقف الذي يمتلك المعرفة الدقيقة، والخبرة الميدانية. وأنه في مقدوره أن يعدد ألسنته في خطاباته، وأن يتمظهر وقت الحاجة بأقنعة المواطنة، والعروبة، والإسلام.. لأنه خريج الجامعات ورائد المخابر والمؤتمرات.. ولكنه في كل ذلك لا يملك فكرة تأويه عند اشتداد العواصف فهو يفضل أن يتخذ مأوى في حجر غيره إذا وجده أمامه جاهزا مريحا.. والخيانات في الواقع العربي تأتي من هذه الطبقة التي عادة ما تكون فرسية سهلة للماسونية والنوادي العالمية المعروفة. ومن ثم سيكون ولاؤها الأبدي لهذه الدوائر مهما أخرجت للناس من أغاني الوطنية، ومهما كان لها من تاريخ في ذلك الادعاء..
وأخيرا.. من هو العربي؟ الذي يمكن أن نبني على عاتقه مسقبل العروبة؟ أو الوطنية أو الأصالة؟ أو الحداثة؟؟  من هنا يبدأ السؤال.. ومن هنا قد تبدأ الإجابة في يوم من الأيام.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18097

العدد18097

الإثنين 11 نوفمبر 2019
العدد18096

العدد18096

الأحد 10 نوفمبر 2019
العدد18095

العدد18095

السبت 09 نوفمبر 2019
العدد18094

العدد18094

الأربعاء 06 نوفمبر 2019