الديمقراطية غير قابلة للاستيراد

فنيدس بن بلة

أعطى عبد القادر شربال ـ أستاذ القانون العام بجامعة البليدة ـ أمس، قراءة في عملية تعديل الدستور، متوقفا عند دلالاتها وأبعادها.
وقال شربال، الذي كان أمس ضيف «الشعب»، أن التعديل أمر طبيعي، يأتي في سياق التطور الذي يعرفه المجتمع وإفرازاته وتحولات العالم. وهي تحولات تفرض حتمية التكيّف معها بوضع مواد قانونية تأخذ في الحسبان هذا المعطى، ولا تتجاهله، وتجعل المجتمع عندها أسير التناقضات والاهتزازات والاختلالات.
وذكر الأستاذ في تحليله لمسألة التعديل الدستوري، أن هذا التطور المتسارع، قد أملى حتمية التجاوب معه باعتماد نصوص تشريعية تحكم المجتمع وتؤمّنه وتحيطه بسياج من الاستقرار.
ورأى الأستاذ أن الجزائر أحد مكونات المجتمع الدولي، تعيش هذه الوضعية ولا تحتفظ بالاستثناء. وعملية تعديل الدستور التي أقرّها رئيس الجمهورية، وشكل لجنة خبراء من أجلها، يدخل في هذا الإطار.
وعما يروّج بأن دساتير الجزائر، جاءت وقت الأزمات، وحملت معها خصوصية كل مرحلة، وولّدت أحيانا تناقضات واختلالات، أكد شربال، أن هذه المسألة تترجم مرة أخرى خصوصية الجزائر وتمايزها.
وتؤكد بالملموس أن التجربة الديمقراطية التي شرعت فيها الجزائر وليدة بيئتها وظروفها، وهي لن تستورد. وتؤكد أيضا أن هذه الممارسة الديمقراطية التي تتعزز باستمرار.. وتترسّخ، ليست سهلة. ولا يمكن الانتقاص من قيمتها وتغليفها بأشياء غير واقعية، وإضفاء عليها مصطلحات يناقضها الواقع ويعاكسها.
وعلى هذا الأساس، يقرأ ما يجري في الجزائر من إصلاحات وتقويم لم يتوقف في الزمان والمكان.
وعلى هذا الأساس يفهم لماذا اعتمدت الجزائر ٣ دساتير منذ استقلالها ممثلة في دساتير (١٩٦٣ و١٩٧٦ و١٩٨٩ ...) وما خرج عن هذا الإطار لا يعدو أن يكون مجرد تعديلات جزئية أخذت في الاعتبار تطور المجتمع وإفرازات المرحلة.
المهم في كل هذه الممارسة الديمقراطية التي مهما كبرت وتوسّعت، تبقى حاملة معها شروط التغيير والتكيّف.. وتحتم في كل مرة وحقبة، المراجعة للتقييم والتقويم، ولا تبقى عند جمود الأشياء.
وحسب الأستاذ القانوني شربال، فإن تعديل دستور الظرف الراهن يجري في وضع هادئ مستقر، تنعم به الجزائر، عكس ما تشهده دول كثيرة تعيش على وقع الاهتزازات الارتدادية.
وهذا الظرف الذي يتميز باعتماد مجموعة من قوانين الإصلاحات السياسية التي أقرّها الرئيس بوتفليقة في خطابه للأمة يوم ١٥ أفريل ٢٠١١ تساعد على إعداد دستور متوازن.
وهذا الدستور الذي يرسم معالم الجمهورية الجزائرية وتطلعاتها، ينتظر منه تعميق الديمقراطية وتجاوز تداعيات عشرية مازالت محفورة في الذاكرة، مرسخة في الضمير الحي، وجرحها محمول في الجسم.
جاء تعديل الدستور في ظرف هادئ، يحسب للجزائر التي بنت تجربتها بنفسها وأظهرت للملأ، للعالم، أن الديمقراطية وليدة تربة وطنية، تحمل خصوصية مجتمع، وهي أبعد من أن تكون وصفات خارجية تستورد.
وبهذه الطريقة يفهم كيف جاءت عملية تعديل الدستور.. ولماذا يحرص من خلالها على أخذ متغيرات متسارعة مأخذ جدّ، والسعي من أجل إقرار دستور مرن، متحرك، يحمل برنامج للحقبة القادمة.. دستور يحرص على منح صلاحيات واسعة للهيئة التشريعية، لاسيما في الجانب الرقابي على السلطة التنفيذية التي تحتفظ إلى حدّ كبير بالنفوذ والغلبة على حساب السلطات الأخرى، هي حالة تميّز كل دساتير الدول النامية بعد الحرب العالمية الثانية وموجات التحرّر في الستينيات وما بعدها.
مع التحول الكبير في هياكل الدولة والمؤسسات، والحاجة الملحة للتعديل، يصبّ في الاتجاه العام نحو إقرار التوازن بين السلطات للحيلولة دون السقوط في الإختلالات.
وتعديل الدستور الجزائري ذاهب في هذا الاتجاه، حسب رأي الكثير من فقهاء القانون الدستوري.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018