المشرق والمغـرب

مـن الأحـلام إلــى الكوابيــس

بقلم: دكتور محيي الدين عميمور

باختصار شديد، يقول الدكتور مرتاض بأنّ العلاقات بين المشرق والمغرب عرفت، وبعد العلاقات التاريخية الموغلة في القدم، ثلاث محطّات كبرى، أهمّها الفتح الإسلامي الذي أكّد الروابط الديموغرافية بين الجناحين، وثانيها التحركات الفكرية بين المشرق والمغرب، والتي عرفت إنجازات عبد الرحمن ابن خلدون، الذي ولد في تونس وكتب مقدّمته في الجزائر واستقرّ في دمشق مع بدايات القرن الرابع عشر، إثر الغزو المغولي، حيث عاش حياة مضطربة جعلت المسرحي سعد الدين ونوس يُشنّع عليه ويكاد يُخّونه، ثم استقرّ نهائيا في القاهرة وفيها لقي ربّه، وثالثها الوجود الفكري والرّوحي وأحيانا السياسي للأمير عبد القادر في المشرق وفي الشام على وجه الخصوص، وتناولُ هذا كله في حاجة إلى ساعات وساعات لا أملك منها إلا بضع دقائق.
 ولقد عرف المشرق العربي في القرن الماضي علاقات فكرية مع المشرق كانت لها آثارها في الجزائر، كان من بينها زيارة عبد الحميد بن باديس إلى الحجاز ومصر، ووجود الطيب العقبي وأحمد رضا حوحو ثم محمد البشير الإبراهيمي في الحجاز، ودشّن ذلك النشاط الأدبي الجزائري الذي كان قد بدأ في حدود القرن التاسع بذهاب بكر بن حماد من تيهرت الجزائرية إلى بغداد، حيث احتك بأكبر شعراء ذلك العصر، ومن بينهم أبي تمام وأبي العتاهية وأبي نواس، وتواصل سفر العديد من القيادات الفكرية والدينية إلى البقاع المقدسة التي أعطتهم الفرصة للاتصال بالعلماء في مصر والشام والحجاز.
ولكن ما يجب أن يسجّل هنا هو أنّ العلماء المغاربة نافسوا أحيانا أساتذتهم المشارقة، وهو ما أدّى إلى تفرّدهم بتأسيس مدرسة نحوية ولغوية، وهكذا كان من بينهم ابن معطي الزواوي الجزائري، الذي ألّف أول منظومة في النحو العربي من ألف بيت، نسج عليها ابن مالك فيما بعد، وكان من بينهم أيضا ابن آجروم المغربي صاحب متن الأجرومية الشهير، وهي أول كتاب يُطبع في إيطاليا باللغة العربية.
ولعل من المهم أن أذكر هنا بأنّ المذهب الديني الذي يستقطب جل المغاربة هو المذهب المالكي الذي أخذ عن مالك ابن أنس، ابن المدينة المنورة، وهو مذهب اقتصر، في بداية أمره في الأندلس وإفريقيا الشمالية، على العبادات ثم انتقل إلى المستوى اللاهوتي، فانتقل الناس من مجرد الحفظ والفهم إلى مستوى الإبداع والنقد.
وأرى أنّ ما ينطبق على الفقه ينطبق أيضا على الفلسفة وعلم الاجتماع، حيث تناول عبد الرحمن بن خلدون للمرة الأولى في التاريخ الثقافي نظرية العمران، وهو ما يمكن أن يفهم منه أن الثقافة في المغرب العربي بدأت تلميذة لثقافة المشرق الذي جاء منه نور الإسلام، ثم بلغت مرحلة الاستيعاب والتفهم لتنطلق نحو إبداع حقيقي أضاف إلى الثقافة العربية في مجالات الفلسفة والطب والفقه والنحو والتاريخ وغير ذلك.    
ويجب ألاّ ننسى هنا الدور الذي قام به أبناء المشرق قبل ذلك في ازدهار الأندلس، بما في ذلك النهضة الموسيقية التي أدخل فيها زرياب الوتر الخامس إلى العود.
وخلال كل ذلك التاريخ المتواصل عرف المغرب العربي بعد هزيمة شارلكان، أو شارل الخامس في خليج الجزائر عام 1541، مرحلة بالغة الخطورة، استنجد فيها الجزائريون ببعض قادة المسلمين من أبناء المشرق من الخبراء في فنون القتال البحري، وهكذا تولّى خير الدين بربروس وأخوته قيادة الأسطول الجزائري، الذي تحمل مع الثغريين عبء مواجهة الهجومات الإسبانية طوال ثلاثة قرون، نعم ثلاثة قرون، وظل الأسطول الجزائري سيدا في المنطقة إلى أن تحطّم إثر تحالفه مع الأسطول المشرقي المصري في معركة نوارين البحرية عام 1827، وكان هذا هو الذي حرم الجزائر من إمكانية الدفاع ضد الأسطول الفرنسي في يونيو 1830، وأدّى إلى سقوط المغرب الأوسط تحت نير الحكم الاستيطاني الفرنسي.
ولا بد أن أعترف أن استعراض مجمل العلاقات في العصور الحديثة يحتاج إلى وقت لا أملكه وجهد لا أقدر عليه وتوسع لا أظنّكم مستعدّين لتحمّله، لهذا اختتم هذا الاستعراض بالإشارة إلى الزيارة الفاشلة التي قام بها الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي للجزائر في مطلع القرن العشرين، والتي كان فيها سجينَ قمقمٍ فرنسي لم يُمكنه من الاتصال بالشّعب الجزائري وبمثقّفيه، وعندما عرف الجزائريون أنه اتّهمهم بجهل اللغة العربية ردّوا عليه بأنه لم يلتق من الجزائريين إلا بماسحي الأحذية (وربما كان هذا التعبير هو الذي دفع الرئيس الأسبق أحمد بن بله إلى منع امتهان الجزائريين لمسح الأحذية، بحيث أن الجزائر اليوم هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها ماسحو أحذية)، وعكس ما حدث للشاعر فإن الإمام محمد عبده، عندما زار الجزائر في عام 1905، أقام علاقات مع بعض علمائها وألقى دروسا في مساجدها.
كل تلك كانت مراحل تواصل وتكامل بين جناحي الأمة، لم تخل من شنآن بين العلماء والقادة، ولكن آثارها كانت ترسيخا لمفهوم الأمة الواحدة، وكان استقبال أدباء المغرب العربي لمجلة الرّسالة للأستاذ محمد حسن الزيات ولما وصل إليهم من كتب طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرها لا يختلف أبدا عن استقبال الشعب الجزائري لفرقة يوسف وهبي، الذي زار الجزائر خلال الليل الاستعماري وأضاءها بروائعه الفنية، وإن كنت أعترف بسوء استقبال الجمهور الجزائري لفريد الأطرش خلال الحقبة الاستعمارية لأنه نسيَ بلادهم في أغنيته “بساط الريح”.
ولا بد هنا من تسجيل الامتنان للمؤسسات التعليمية في المشرق العربي التي مكّنتنا من دعم الحركة الثقافية بعد التخلص من الاستعمار، وتكامل دورها مع الدور الذي قامت به “الزيتونة” في تونس و«القرويين” في المغرب، وإن كانت بعض المواقع التعليمية في المشرق وراء بعض الاختلالات المذهبية التي عرفناها.
وقفة أمام الحاضر
ليس في الحاضر العربي ما يمكن أن نعتز به، فقد تجاوزنا مرحلة التناقض بين المشرق والمغرب لنصل إلى مرحلة التنافر ثم التناحر داخل إطار المشرق والمغرب على حد سواء، وراحت أدراج الرياح هتافات: “لبّيك يا علم العروبة كلّنا نحمي الحمى”، و«وطني حبيبي الوطن الأكبر”، وتلاشت صيحات: “يا موطني خذ اليمين * منّا على مرّ السنين * إنّا نرى هواك دين”، بل اختفت من قواميسنا صرخات: “سلْ جبال الأطلسِ، من طنجة لتونس، كم حررت من أنفسِ، أباؤنا في الغلس”.
وأصبحنا في المرحلة التي تنبّأ بها “غوار الطوشي” (دريد لحّام) منذ نحو نصف قرن وقال عنها وهو يناجي أباه في “كاسك يا وطن”: “الله وكيلك يا أبي، صرنا فُرْجة”، وأصبحنا نعيش صيحات حق أريد بها باطل، ودعوات وطنية تخفي الإقليمية الضيقة والشوفينية، وأصبحنا نتغنّى بالجزأرة والتونسة والسعودة واللبننة على حساب النظرة القومية الواحدة.
ولا أخدع نفسي فأدعى أن التناقضات هي قشرة خارجية تغطي إيمان شعوبنا بالوحدة بين المشرق والمغرب، فهذا كلام لا أساس له من الصحة، والصحيح أن كل شعب من شعوبنا يعيش كراهية الشعب الآخر، بفعل عمل طويل المدى قامت به سلطات حاكمة لتضمن ولاء شعوبها تحت شعار ما تسميه الوحدة الوطنية.
وقد يرى البعض في هذا تشاؤما، لكنّني أراه الطريق الحقيقي نحو التفاؤل إذا نجح في إيقاظ الهمم واستنفار الإرادة واستثارة العزائم.
وقفة أمام المستقبل
أبواب المستقبل مغلقة أمامنا إلا إذا واجهنا الذات بدون جلد للذات، وأدركنا أنّ رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وبأنّ علينا أن نبدأ من الصفر لنعيد بناء صرح الوطن العربي الواحد الموحد بمشرقه ومغربه، وهو السبيل الوحيد للقضاء على منطق “الشرق الأوسط” الاستعماري، الذي يستهدف تذويب الوطن العربي في مجموع جغرافي يضم أعداءه التاريخيين وخصومه الدائمين، ومعنى هذا هو أن ندرك بأن طريقنا نحو الازدهار الثقافي الجماعي والتألق الحضاري مرهون بأمرين، أولهما، وهو الخطوة العملية الأولى، إعادة بناء المدرسة الوطنية، برامجا دراسية ومعلمين ومؤطرين لرجال الغد، وهو ما يجب أن يعني توحيد مناهج التعليم المدرسي في الوطن العربي كله، بدءا برياض الأطفال، وهذا هو مفهومي للبدء من الصفر.
وهكذا يدرس كل تلميذ عربي نفس الكتاب في الحساب والهندسة واللغة والأدب والجغرافيا، وبوجه خاص نفس الكتاب في التربية الوطنية التي تغرس فيه الانتماء للكتلة البشرية التي تمتد بين المحيطين، وتقنعه بأن الرماح إذا تجمعن يأبين تكسرا، كما يقول بيت الشعر الذي يردّده بعضنا بدون فهم لمعناه أو التزام به، وبهذا نلتزم مع قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}.
وهكذا نستلهم تجربة الفرانكوفونية التي جعلت من اللغة الفرنسية قوة سياسية دولية تنافس القوة التي يمثلها الكومونولث انطلاقا من الاقتصاد.
وثانيهما، الذي يُوجّه أولهما ويكون نجمه القطبي، أن ندرك بأن الدين والقومية هما وجهان للعملة الوطنية الواحدة، وبأن الإسلام يضم قوميات متعدّدة يزداد تألّقها الجهوي والدولي يوما بعد يوما، بينما لا تجد أهم القوميات، وهي القومية العربية، طريقها نحو موقف موحّد يضمن لها مكانها ويكفل لها مكانتها، ولنا في تركيا المسلمة مثل لا يحتمل التّشكيك أو التّكذيب.

        الحلـقـــــة 3 و الأخيرة

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018