محصورة بين التلال وخليج ستورة تروي حضارة عريقة

سكيكدة أقدم مدينة بالشرق الجزائري

بقلم الأستاذ: عبد القادر حمداوي (باحث في التاريخ)

روسيكادا .. جوهرة البحر المتوسط

تمتاز « روسيكادا» بموقعها الإستراتيجي ويعود تاريخها إلى العهد الفينيقي، قام الفينيقيون بتأسيسها في الفترتين «11-12 ق.م » وكانت تعرف عندهم بإسم « روسيكادا» «رأس المنارة»، ولأنهم كانوا يشعلون النار فوق رأس الجبل ليهدوا السفن إلى ميناء « أستورا » والذي يقع غرب روسيكادا. «الشعب» تحط الرحال عند هذه اللؤلؤة وترصد مسارها الحضاري ضمن صفحة «مدن وتاريخ».

 هي أقدم مدينة في الشرق الجزائري وتعود للعصر «النيوليني » عام 20.000 سنة قبل الميلاد، وهذا ما جعلها مطمع للعديد من عزاة الرومان.
 أنشأت على ضفاف نهر رزامنة وهي محصورة بين التلال فكان خليج روسيكادا يطل على «سيتوسن نوميد يكون الذي سماه الرومان خليج نوميديا  محمى من الرياح والعاصفة، وبعد هزيمة قرطاجة (218-202ق.م) أصبحت روسيكادا وأستورا من ممتلكات ماسينيسا مالك نوميديا. فتطورت تطورا كبيرا خلال هذه الفترة. أصبحت مدينة عظيمة بظلال أشجارها ورائعة ونظرة  بها الحدائق البارعة والأسواق الجامعة وبخارجها تربة غنية يقصدها الفلاحون يزرعون ويحصدون.

حضارات مرّت من هنا
ساهمت روسيكادا في تحسين العلاقات التجارية بين الرومان ونوميديا كانت تصدّر اللّحوم والزيتون والثمار إلى الرومان ولها أسواق جامعة بمرافئ شواطئها لترسو السفن ومقصد للتجار والقوافل. تمتاز مدينة سكيكدة بأريافها وسهولها وبساتين مسقية مزهرة الثمار.
بعد سقوط مملكة نوميديا عام 105ق.م أصبحت روسيكادا من المستعمرات الرومانية وسميت أنذاك كولونيا ودخلت في الكونفدرالية الرومانية: سرت، وشولو، ميلان. شقت الطرقات والقنوات ونظموا وسائل الري واهتموا بالفلاحة واستعملت في الشؤون التجارية.
تم ذلك بتموين روما بالحبوب والثمار والمنتجات الزراعية المختلفة. وقد كانت تنتج القمح والشعير لأنها منطقة خصبة، كما تنتج العسل والسمن والفواكه وتربية الحيوانات، إضافة إلى نشاطهم في الصيد البحري.
 كانت المدينة قوية وثرية في عهد الأباطرة الأنطونيون «96-182» .
 مع قدوم الوندال، انتهت نهاية مأسوية وعانت المدينة كثيرا وهدمت عام (439 م) ثم دمرت مرة أخرى في عام (533م ) على يدي ملوك الوندال، بعد انحطاطها فدخول الرومان لم يكن الفضل في الإقتصاد على السكان، لأن صاحب الأرض كان يعيش حياة بؤس وشقاء بل كان مستغلا إلى أبعد الحدود من طرف الرومان الذين كانوا يأكلون ويترفون ويتمتعون والسكان كانوا يدفعون الثمن.
استولى الوندال على نوميديا وما يليها، حاول الرومان استرجاع مستعمراتها بالحرب ولكن جنح للسلم مع الوندال، فتم صلحا يقضي بالإعتراف ولكن لم يحترموا هذا الإتفاق. لم يحدث تغيير على بلاد المغرب، بل بقوا على النظام الذي ورثوه على الرومان، وفي القرن (7م ) دخلها الفاتحون العرب المسلمون وسموها «رأس سكيكدة ».  كانت جسور رومانية منشأة فوق الصخور ومعابد آثارية، منها مسرح روماني في روسيكادا أكبر مسرح في إفريقيا.
الاحتلال الفرنسي
الصراع المرير الذي كان قائما بين المسيحية والدولة العثمانية في فجر الإسلام والفتوحات الإسلامية الباهرة تحققت وانتشر الإسلام في أرجاء البلاد ترسخت لدى الدول في أوربا أن تعاون فيما بينها لضرب المسلمين في الجزائر . تحققت مكاسب واسعة كبيرة لفرنسا واعتمدت على أسلوب القوة تجاه خلاف نشب بسبب تجارتها بينها وبين الجزائر.
 كانت حملة 1830 م مع فكرة الإحتلال جهزت ما يقارب 37000 جندي و 1700 بحار و 103 سفينة حربية بالإضافة إلى عدد ضخم من السفن التجارية وصلت إلى العاصمة في 14 جوان 1830 م ونزلت بسيدي فرج وفق خطة «يوتان».
احتلت فرنسا مدينة سكيكدة سنة 1838م إلاّ بعد 8 سنوات من دخولها إلى الجزائر. حيث أطلق عليها إسم فليب فيل .ELLIV EPILIHP قام سكان الشرق الجزائري الذين دافعوا عن الإسلام ضد المحتل بحمل بندقيتهم وامتطوا فرسهم، وقاموا بالجهاد ضد العدو الذي كان يحاول احتلال الجزائر دون مقاومته، ولكنه فوجئ بهجوم السكان والقبائل.  حاول الفرنسيون احتلال مدينة سكيكدة،  قاوم سكان المدينة وأريافها بكل ما أوتي من قوة، وانتهت الحملة بالانسحاب، ثم محاولة أخرى.. إلخ .
في حين توّحدت القبائل بضواحي المدينة مانعة العدو من التوّغل والتقدم .
تفوقت فرنسا وحطمت كل المساعي الهادفة إلى تحقيق الوحدة فكان جنرال  «فالي» يفاوض الباي أحمد كان يعد يمينه بإعادة تنصيبه كباي. وذلك دون وحدته مع الأمير عبد القادر. سجل الشعب الجزائري صفحات خالدة  لم تتوقف المقاومة ضد الغزو الفرنسي، كم من هجوم قام به أبطالنا على مراكز العدو ، فكلل بالنجاح.
حتى إنطلقت ثورة أول نوفمبر المباركة، رغم الإضطهاد الذي سيطر على المواطنين بواسطة طابور فرنسا المتكون من درك وقيادة وعملاء ممن كانوا يدورون في فلكه.  هذا ماساعد على إنتشار الوعي الثوري والسياسي لدى المواطنين وتنمية الروح المعنوية في صفوفهم وجاء هجوم 20 أوت 1955 م يعتبر هذا اليوم من الأيام الخالدة الذي نصر فيه الله المجاهدين.
خطط ذلك العبقري، أسد الشمال القسنطيني، زيغود يوسف، لماذا لم يتم التوقف والتأمل في هذا العمل الجبار شهرا وأعواما.
 يبقى يوم 20 أوت 1955 خفيف على اللسان ثقيل الميزان، نعتبره مفخرة لا أحد يدرك ما حدث في شمال القسنطيني وفي سكيكدة وعزابة والقل وميلة و القرى المجاورة لهذه المنطقة. إن الثورة كانت عظيمة بأبعادها وببطولات المجاهدين وعظيمة بتضحيات الشعب وبشهاداته عن مجازر رهيبة والذين شاركوا وعاشوا أحداثها هم يعرفون قدر هذا اليوم . إنطلقت صيحات مدوية تزلزل أقدام العدو الهائجة كالطوفان.
رغم التكتم والدعايات، التي تقوم بها فرنسا على انه شأن داخلي، لكن الصدى الرهيب فضحها أمام الرأي العام العالمي حيث عجزت فرنسا على فك الحصار لقد سيطر المجاهدون والمناضلون وحماسة الجماهير والنساء بالزغاريد ..  لكن فرنسا انتقمت وارتكبت جرائم شنعاء يدنى لها الجبين لقد تم دفن الأحياء بالملعب البلدي لمدينة سكيكدة حيث مازالت البلدية تحتفظ بالجرارة في الملعب.
تعتبر روسيكادا إحدى المدن الجزائرية الغنية بشواطئها السياحية الهامة و كما تحتل أيضا المرتبة الثانية من حيث موانئها والموارد الإقتصادية، ولها محطة تكرير البترول بالمدينة، تشتهر مدينة سكيكدة بالفراولة وتقام كل سنة حفلة بعيد الفراولة، دخلت الفراولة إلى مدينة سكيكدة سنة 1920 على يد الإيطاليين، و تزدهر روسيكاد بتاريخها القديم والحديث، كما تتمتع بمشاريعها المختلفة، الثقافية والسياحية ...إلخ .

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018