قراءة في نص الكاتب أحمد صالح

عتق

زهير سعود

«نادتنا عن الجرف، ركن الموج وأطاعت الريح السّفينة...رجع عنّا الملك ووصلنا صاحب المنارة، كان يهيئ ألواح بوّابتها ليرتق الخرق...هممنا نهدم الجدار».
يطالعنا النص بعنونة مفردة لفظية ارتبطت في الحديث الشريف بعبارة (عتق رقبة)، والرقبة رمز دلالي للعبد المأمور في زمن العبودية، فعتق رقبة تحرير صاحبها من العبودية كي يصبح حرّاً، واللفظ القصصي يشي بوجود مأمور أومولى يتمّ تحريره، ولا نعرف ماهومدلوله من إشارة اللفظ ما دمنا خارج الإبحار في النص.
يأخذنا مقدم السرد القصصي المحبوك بعناية فائقة إلى مضمر أنثوي..نادى جماعة ما عن جرف، والجرف بالاستناد إلى القص القرآني في آية التوبة شقّ وادٍ حفر الماء في أسفله، جمعه أجراف وجِرفة {أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن أُسّس بنيانه على شفا جرف هارٍ} (109).
فإشارة النص إلى جماعة في حال حرجٍ تتهدّدهم مصيبة أو انهيار وشيك، لكن وقع النداء أو تدخلات وسيطة كشفها السرد..أسكنت الموج الذي كاد أن يذهب بهم للتهلكة، وريحه المحفّزة أصبحت طيّعة للسفينة التي حملتهم، وهذا تذكير بقول الشاعر درويش: التيار يغلبه السفين.
وفي إطار تهدئة القاص لعوامل القلق والخوف، استعان بقصة الملك والجدار من القرآن الكريم ليمنحها دلالات جديدة عبر تناص بدّل الوجهة، إذ في القرآن: {أمّا السّفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} (الكهف / 79)،
فقد ذكرنا النص القرآني بقصة موسى النبي والخضر الذي نصحه بالتريث على ما يراه واستغربه حتى تكمل حكايته وتنجلي مقاصده، ونحن التزمنا النصح لنكمل مع القاص تفكيك بنيان نصه لفظة لفظة وعبارة عبارة، حتى نجلي غموضه في صورة نقلت الحدث بتمامه، حيث يجنح الكاتب بالرموز لأبعاد تخالف الوجهة، فملك القص القرآني يأخذ غصباً وملك الكاتب رجع عن تلك العادة وامتنع عن سفينة جماعته.
أما الجدار فلم يترك الكاتب أمر تضمينه في سرده القصصي، وجعل فيه معضلة قصّه التناصي البديع، حيث أن جدار القصّ القرآني بني ليخفي كنز غلامين فقيرين {فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربّك} (الكهف / 83).
 وانزياح الكاتب بهدم الجدار أطلق تنوع التأويل هل هولحيازة الكنز المخبوء، أم هدم أواصر المحبة والتآلف بين الجماعة التي سلكت عبورها في السفينة. وقبل ذلك أدخل الكاتب في نصّه المنارة أو الفنار، وهي برج أو مبنى بالقرب من الشاطئ أو في البحر يرسل الضوء من منافذ أعلاه عبر مصدر ضوئي كالمصابيح أوالعدسات والنار قديماً (منارة الاسكندرية)..أدخلها السّارد بإضافة عامل مساعد جديد لبلوغ أصحابه الآمان بالهداية، ولم يكتف صاحب المنارة بإرشاد الوجهة فقد تهيء لرتق خروق السفينة بفعل أصحابها كما بدى من عدم الإشارة لتدخل خارجي، وقد بدت كلّ العوامل مسعفة.
ويثبت الأمر انصراف الجماعة عن حركة الرتق، عبر صدمة الختام التي أنهى بها السارد (هممنا بهدم الجدار)، وجنوحها إلى هدم الجدار..إما لحيازة الكنز المخبوء ومنعه عن أصحابه، أولتحطيم أواصر صلتهم وتعاضدهم الذي مثله الجدار، وفي الحديث الشريف «مثل المؤمنين في تعاضدهم وتحاببهم كالبنيان المرصوص..».
تحملنا الطبيعة السردية للنص لتأمل جماعة من البشر، تعاكس الأقدار لتهدم حياتها، فلا أفادها هدوء البحر وعدول الملك، وإرشاد منارة طريقها ومن وكّل لها أمر صلاح عيوبها عن هدم جدار حياتهم الآمنة لعلهم أمة العرب الذين لم ينتفعوا من دروس التاريخ وعقولهم وكتب هداياتهم، وقد طالهم العبث والتحلل...
هذه قراءة في النصّ، ليست قراءة النصّ الذي فتح مجالات محايثة للتأويل، أثبت فيها انتماءه للجنس الأدبي (الققج)، وامتلك في بنيته الشكلية خصائص مكّنته القوة من حيث تناصه، وابتكاره، وتمرّده على المألوف في تناصه، إضافة لقصر الجمل وسلاسة السرد، وعدم التكرار، والابتعاد عن الوصف الزائد، وإنتاجه التوتر في مسار الحدث، وتحقيقه مفارقة السّخرية المؤلمة...نصّ ناجح وحقّق مكانته بجدارة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018