من أرشيف التاريخ: حكاية نادي السافاري

الدكتــور محيي الدين عميمور
14 مارس 2014

حضرتُ الأسبوع الماضي في المعهد الديبلوماسي بالجزائر ندوة عن الأمن في إفريقيا، تحدّث فيها ضابط مخابرات فرنسي متقاعد، ذكّرني برواية الأستاذ محمد حسنين هيكل عن لقاء له مع الكونت أليكساندر دو مارانش في باريس عام 1971، وهو نفس العام الذي أمّم فيه الرئيس الجزائري هواري بو مدين البترول، وكانت العلاقات الفرنسية الجزائرية تتأرجح فيها بين المدّ والجزر، بعد رفض الرئيس هواري بو مدين تلبية دعوة الرئيس شارل دوغول لزيارة فرنسا قبل أن يطمئن إلى أنّه سيدخل باريس من أوسع الأبواب.
يومها كان يُشار للكونت كأقوى رجل في فرنسا بصفته مديرا لمخابرات دوغول، ثم جورج بومبيدو الذي خلفه في بداية السبعينيات.

حضرتُ الأسبوع الماضي في المعهد الديبلوماسي بالجزائر ندوة عن الأمن في إفريقيا، تحدّث فيها ضابط مخابرات فرنسي متقاعد، ذكّرني برواية الأستاذ محمد حسنين هيكل عن لقاء له مع الكونت أليكساندر دو مارانش في باريس عام 1971، وهو نفس العام الذي أمّم فيه الرئيس الجزائري هواري بو مدين البترول، وكانت العلاقات الفرنسية الجزائرية تتأرجح فيها بين المدّ والجزر، بعد رفض الرئيس هواري بو مدين تلبية دعوة الرئيس شارل دوغول لزيارة فرنسا قبل أن يطمئن إلى أنّه سيدخل باريس من أوسع الأبواب.
يومها كان يُشار للكونت كأقوى رجل في فرنسا بصفته مديرا لمخابرات دوغول، ثم جورج بومبيدو الذي خلفه في بداية السبعينيات.
ويروي هيكل في كتاب (العربيّ التّائه) أنّ دو مارانش قال له بأنّ: البترول، ونتيجة لإغلاق قناة السويس منذ 1967، يدور حول إفريقيا على خطّين، من الجزائر (..) ومن الخليج العربي (..) وحماية البترول (..) مسؤولية أوروبية أمريكية (..)، وهذا يجعل مسؤولية أوروبا على عاتق فرنسا بالدرجة الأولى، وفرنسا لا تستطيع أن تقوم بالمهمة وحدها وإنما تريد شراكة مع الدول العربية تقودها مصر (..)، وهي مهيّأة للتعاون مع فرنسا أكثر من أي دولة عربية أخرى (ويتساءل): ما رأيك مثلا في فكرة عمل مشترك نقوم به، فرنسا ومصر، في إفريقيا، قد نرى أن ندعو معنا بعض الأصدقاء المهتمّين (..) ما رأيك في مشاركة المغرب؟ في مشاركة إيران؟ ما رأيك في فكرة حوار بين المسيحية والاسلام؟ الإسلام تيار سياسي صاعد في المنطقة وإذا لم نستطع «ترويض» هذا التيار فقد يتحوّل إلى تهديد، ما رأيك في اشتراك مصر في منظمة الفرانكوفونية؟

وثائـــــق ذات دلالات

وأكّدت الوثائق التي عُثِر عليها في القصر الإمبراطوري بطهران بعد ثورة الخميني، أنّ حركة المخابرات الفرنسية تواصلت في نفس الاتجاه خلال النصف الأول من السبعينيات، حيث عثر عن نص معاهدة كانت تحمل عدّة توقيعات، أولها وأبرزها توقيع الكونت دو مارانش وبجانبه توقيع مسؤولي أجهزة مخابرات: «مثّلوا رؤساءهم مباشرة وفُوّضوا في التّوقيع». وأظهرت الوثائق بأنّ الكونت زار طهران سرّا في مطلع 1974، أي بعد حرب أكتوبر وعقدِ مؤتمر القمة العربي في الجزائر، وعَرَضَ على الشاه محمد رضا خطة عمل ضد النشاط الثوري الشيوعي في إفريقيا.
وسمع الكونت من الكونت أنّ: «إفريقيا هي المجال الاستراتيجي الأكبر والأغنى، والأكثر تعرّضا لخطر قوى الطمع العالمية، الاتحاد السوفيتي والصين (..) وفيما يتعلّق بفرنسا فاهتمامها له أسباب استراتيجية وتاريخية وثقافية، لكن العبء كبير لا تستطيع احتماله وحدها، وقد فكّرت في العرب وجسّت نبض أصدقاء لها وأهمّهم السعودية، ووجدت لديهم استعدادا، لكنّهم أرادوا أن يستوثقوا من أنّ واشنطون لا تعترض (..) وهم يحتاجون تشجيعا يُطمئنهم ويقودهم».
وعرض الشاه استعداده لمفاتحة الرئيس السادات في الأمر، كما أبدى استعداده لإقناع الملك الحسن الثاني، الذي قال الكونت بأنّهم اتّصلوا به فعلا وهو معجب بالفكرة.
وتساءل الشاه عمّا إذا كان مفيدا دعوة الجزائر للاشتراك في هذا «المجهود الطيّب» لإنقاذ إفريقيا.
لكن مدير المخابرات الفرنسية كان يعرف جيدا أنّ الجزائر كانت في الستينيات وفي السبعينيات تدعّم كل حركات التحرير الإفريقية، وكانت تحظى باحترام كبير على الساحة الإفريقية، وإلى درجة أنّ أميلكار كابرال، بطل غينيا بيساو القومي، كان يسمّيها كعبة الثوار، وهكذا عارض الفكرة قائلا بأن : الرئيس بو مدين ما زال يعيش «أوهامه» الثورية، وله صداقات قوية مع الشيوعيين في موسكو وبيكين، وزيادة على ذلك فإنّ الجزائر لديها «حلم إفريقي يخصّها».
واتّضح من صلب أحاديث الكونت أنّ هدفه هو ألاّ يكون المشروع مشروع دول فقط، وإنما من الأفضل أن تتناوله شركات دولية مهتمة بإفريقيا، وعلى سبيل المثال شركة «الأنغلو أمريكان» التي تملكها عائلة أوبنهايمر في جنوب إفريقيا (وهي أهم محتكري الماس) وبنك تشيز مانهاتن (دافيد روكفيللر) وهذا بالتركيز على استبعاد الجزائر، التي كانت يومها تمثّل حركة عدم الانحياز، والتي تحدّث الرئيس هواري بو مدين باسمها أمام الأمم المتحدة في منتصف السبعينيات مطالبا بنظام اقتصادي دولي جديد، وكان واضحا أنّ دو مارانش لم يكن من المعجبين به أو المنسجمين مع طروحاته، وسنلاحظ أنّ وزير الخارجية الفرنسية، الاشتراكي المُرتدّ، كرّر في فبراير 2010 ما لا يخرج كثيرا عن مضمون أفكار مدير المخابرات الفرنسية منذ نحو أربعين عاما، وهو نفس ما قام به وزير دفاع فرنسي بحركة يده في العام الماضي، وكل هذا يؤكّد استمرارية الفكر الاستعماري في الذهنية الفرنسية الحاكمة، لا فرق بين يسار ويمين، إلاّ من رحم ربّك، فالقيادات الوطنية ليست ممّن يحب الفرنسيون التّعامل معهم.

حسابـــــــات وحسابـــــات

والمهمّ هنا أنّه كان واضحا الحرص على استبعاد الجزائر والرئيس هواري بو مدين بوجه خاص من كل الترتيبات المتعلقة بالقارة الإفريقية، والعمل على خلق توازن مُعيّن بين دور الدول من جهة ودور الشركات عابرة القارات في تنظيم التعامل مع الدول الإفريقية من جهة أخرى، ويتّضح أكثر أن دور الشركات يفوق دور الدول.
ونظرا لأنّ كل الدول العربية والإسلامية المعنية لا تمتلك شركات ضخمة عابرة للقارات، يتّضح هنا أنّ المطلوب هو الارتباط بشركات كبرى بعينها، وسيكون الارتباط بين المال والمخابرات هو الطريق نحو التحكم المستقبلي في المنطقة، وستكون اليد الطولى بالطبع لمن يملك أقوى المؤسسات المالية والمخابراتية، وسنفهم على الفور كيف فتح الباب أمام التسرب الإسرائيلي إلى إفريقيا، التي جعلتها الجزائر في مرحلة معينة حيّزا ممنوعا على العدو الصهيوني، إلى أن فتح الرئيس السادات باب العلاقات مع تل أبيب فأصبح من الصعب أن يُطالب أحدٌ الأفارقة بأن يكونوا أكثر ملكية من الملك، ويمكن هنا أن نتخيّل بأنّ نظام السّادات كان يرى في الجزائر منافسا مزعجا، ربّما لأنّه، على الأقل، يذكر بعهد عبد الناصر.
وتتبلور في فكر مدير المخابرات الفرنسية الصلة العضوية بين تنشيط الفرانكوفونية والسيطرة على البترول واستغلال الإسلام والطموحات الاستعمارية الجديدة، ويأخذ في تنفيذ مخططاته تدريجيا، وتلتقي في مدينة جدّة في منتصف السبعينيات مجموعة من خمس رجال مفوضين من رؤسائهم بالتوقيع على معاهدة للعمل السرّي المشترك في إفريقيا، كان من بنودها أنّ الاتفاقية لها مفهوم عالمي واسع تسانده الدول (الدول) الموقعة، وأطراف آخرون يتعاطفون مع أهدافها (ويعتقد أن من بينها المخابرات المركزية الأمريكية وربما البريطانية أيضا) ومسؤولية تنفيذ الاتفاقية منوط بمركز عمليات خاص مقرّه القاهرة (..)، وعلى فرنسا أن تتولّى تزويد المجهود المُشترك بكل ما يلزمه من معدات فنية ووسائل تكنولوجية ومعلومات كافية (..)، وعلى المغرب أن تقدّم مجموعات ميدانية وقوات عمليات خاصة، وعلى السعودية أن تموّل، وكانت إيران شريكا بالعرض، من التخطيط إلى التنفيذ إلى التمويل (هيكل ص 119).
أما فرنسا فقد كانت هي القوة الحقيقية وراء الاتفاقية التي وقّعها في جدة الشيخ كمال أدهم مدير المخابرات السعودية ممثلا للملك فيصل، والجنرال أحمد الدليمي رئيس المخابرات المغربية ممثلا للملك الحسن الثاني، والجنرال نعمة الله ناصري مدير السافاك ممثّلا لشاه إيران، والدكتور أشرف مروان ممثلا شخصيا للرئيس أنور السادات، وبالطبع فقد كان الكونت دو مارانش هو ممثل الحكومة الفرنسية (ويلاحظ هنا أنّه الوحيد الذي كانت صفته هي تمثيل الحكومة في حين أنّ صفة الآخرين كانت تمثيل الحُكام)، وكان هذا هو ما أصبح يُسمّى، باقتراح من أدهم، نادي السافاري.
وبدأت المجموعة في ممارسة نشاطها، في نفس المرحلة التي سبقت تفجير قضية الصحراء الغربية في المغرب العربي، بما يمكن أن يُفهم منه اليوم أنّ من بين الأهداف آنذاك استنزاف الجزائر واستقطاب انتباهها بعيدا عن قضايا القارة الإفريقية والوطن العربي.
وأذكر أنّ نفس العام (1975) شهد اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي كانت وطنيته العربية الإسلامية تاجا على رأسه أقوى من تاج الملك، و»تصادف» غياب العاهل السعودي مع اشتعال الحرب الأهلية في لبنان، ومع الاتفاقية الثانية لفكّ الاشتباك على الجبهة المصرية، الذي رأى كثيرون أنّها كانت الخطوة الأولى نحو «كامب دافيد».
وكان من نتائج نادي السافاري دعم الجنرال موبوتو في الكونغو، وإلى درجة أنّ حماية قصره تكفّلت بها مصر والمغرب بإرسال قوات دفعت السعودية تكاليفها، ثم جرى تشجيع زياد برّي على نقض ميثاق الوحدة الإفريقية الذي يؤكد على ضرورة احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال (وهي نفس مشكلة المغرب العربي)، وهكذا اشتعلت حرب الأوغادين لإقلاق إثيوبيا، حليفة موسكو، وأرسل السادات أسلحة سوفياتية تمّ الاستغناء عنها (كما حدث مع العراق) بما قيمته 75 مليون دولا دفعتها السعودية (هيكل ص 121).

أوراق تــــروي

وكان ممّا كشفته الأوراق التي عثر عليها في قصر الشاه حول قضية السافاراي، أنّه كان هناك اتّفاق على أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل على علم بنشاط النّادي، وكانت مهمة كمال أدهم إبلاغ المخابرات الأمريكية بينما يقوم الجنرال ناصري بنفس الدّور لدى المخابرات الإسرائيلية.
ويُعلّق هيكل قائلا: من المفارقات الداعية إلى مزيج من الأسى والغضب أن ثلاث دول عربية: مصر، السعودية والمغرب، اشتركت بهمة في عمليات نادي السفاري في إفريقيا (ص 122) تحت توجيه وإدارة الكونت دو مارانش، لكن عندما جاء وقت الغنائم لم تكن الأطراف العربية هناك وإنما كانت هناك إسرائيل (..)

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18268

العدد18268

الثلاثاء 02 جوان 2020
العدد18267

العدد18267

الإثنين 01 جوان 2020
العدد18266

العدد18266

الأحد 31 ماي 2020
العدد18265

العدد18265

السبت 30 ماي 2020