النّاشر وعضو المركز الوطني للكتاب، حسان بن نعمان لـ «الشعب»:

المثقّف ينتج الأفكــار وينقدهـــــا... وتراجع دوره مرتبط بتراجع مكانة الثّقافة

حاوره: أسامة إفراح

حركة متسارعة تشهدها ساحة النشر في الجزائر، مع اقتراب معرض الجزائر الدولي للكتاب، الذي بات الموعد الثقافي الأكبر وطنيا، والموعد الأساسي للدخول الأدبي، المتزامن مع وضع سياسي خاص تشهده البلاد.
في هذا السياق، يحدّثنا حسان بن نعمان، صاحب «دار الأمّة»، وعضو المركز الوطني للكتاب، عن واقع النشر ومدى تأثره بالظروف الحالية، حيث يعتبر بأن التركيز كان على صناعة الكتاب بدل صناعة القارئ، وأن دور المثقف باهت لتراجع مكانة الثقافة في المجتمع، وهو الوضع الذي يجب تصحيحه..كما يرى بن نعمان أنه من الطبيعي أن تصدر عديد الكتب عن الحراك، سواء على سبيل التدوين والتأريخ حاليا، أو على سبيل التحليل في مراحل قادمة.

الشعب: بصفتك ناشرا وعضو المركز الوطني للكتاب..كيف تقيّم وضع النشر في الوقت الحالي، خصوصا مع شكوى العديد من الناشرين من ارتفاع أسعار المواد الأولية وركود سوق النشر؟
 حسان بن نعمان: سوق النشر يعاني كثيرا في الجزائر لعدة أسباب، أسباب تاريخية وأسباب منطقية بحكم أننا استثمرنا نوعا ما في صناعة الكتاب كمنتوج، لكننا في نفس الوقت ابتعدنا عن صناعة القارئ وهو الاعتناء بسوق الكتاب أي بمكانة الكتاب والمثقف والقراءة في مجتمع كمجتمعنا.
هذه الأسباب قد تحتاج إلى تدخل خاص لأنها متعددة، ولكنني سوف أقول إنها ببساطة قصر النظر وعدم الرؤية إلى ما هو أبعد من الحلول الآنية، فإنتاج القارئ يحتاج إلى مدة طويلة وإلى سنوات، لأنه يبدأ من المدرسة ومثلما يعرف الجميع فإن القراءة هي فعل مكتسب، وبالتالي فعملية الاعتياد على القراءة والاعتياد على استهلاك الكتاب تحتاج إلى برنامج وإلى سياسة تمتد إلى سنوات، وهذا ما لم نقم به، رغم إلحاح الناشرين والمختصين في مجال الكتاب منذ سنوات طويلة على الاعتناء بصناعة القارئ أكثر من صناعة الكتاب.
لهذا فالعواقب كانت مباشرة على صناعة الكتاب عامة وسوق الكتاب حاليا، ومن المؤسف جدا أن يكون بلد بحجم الجزائر لا يحتوي على أكثر من 50 مكتبة، أو أن تكون عملية توزيع الكتاب مشلولة تماما إلا بعض التجارب الخاصة والقليلة جدا.
من السيء أيضا أن يكون سوق الكتاب في الجزائر مقتصرا فقط على الكتاب النفعي، الكتاب المدرسي وشبه المدرسي، الذي يحتاجه الطالب في الدراسة، وهذا فعلا يؤسفنا كمنتجين للمعرفة ولسنا منتجين فقط للأدوات المساعدة.
أما ما يتعلق بسعر الكتاب فهذا السؤال يتكرر دائما.. بماذا نقارن سعر الكتاب؟ يتراوح معدل هذا السعر في الجزائر بين 500 وألف دينار، وعلينا أن نأخذ هذه القيمة ثم نقارنها أو نقيسها بالمواد المستهلكة يوميا عند الجزائري، فماذا تعني اليوم 500 دج أو 1000 دج في الجزائر وهي لا تتعدى أحيانا سعر علبة سجائر أو بيتزا أو حتى دجاجة كمثال من المواد الاستهلاكية التي يعرفها الجميع؟ ولكن قد نستغلي شراء كتاب بـ 500 دينار وهو سيبقى معنا الدهر كله، ولكن في نفس الوقت قد نشتري دجاجة بنفس السعر ويبدو لنا الأمر عاديا.
إذن فالعلاقة مع الكتاب مبنية على أنه شيء كمالي لا ضروري، ولو كان ضروريا لوجدنا أن سعره متدنّ جدا وأحيانا لا يغطي حتى تكاليف إنتاجه. إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يتكبده الناشر والوقت الكبير التي يحتاجه الناشر لتوزيع هذا الكتاب، والاستثمارات الهائلة جدا التي لا تعود بالنفع.
في الحقيقة، نحن مجاهدون إذا صحّ التعبير، نحن نكافح في ميدان أصبح العزوف عنه كبيرا بسبب عدم مردوديته على الاستثمار الأساسي، والحقيقة هي أن كل العاملين في ميدان النشر حاليا يعلمون أنهم يستثمرون في ميدان خاسر لا يلبّي طموحاتهم في التطوّر وتوسيع مجال نشاطهم.
في التسعينيات، كنا أقل من 100 ناشر، بينما كان معدل إنتاجنا السنوي بين 50 و100 كتاب سنويا خارج الكتاب المدرسي والكتب النفعية، ولكنّ هذا الرقم تدنّى بشكل رهيب، وما عليكم إلا أن تلاحظوا في المعرض الدولي للكتاب كيف أن أكبر الناشرين لا ينشرون أكثر من 10 إلى 20 عنوان جديد، وحتى هذه العناوين تأخذ بعين الاعتبار الاستثمار الذي وضع فيها فتكون متوسطة الحجم: كتب يسهل توزيعها وبيعها ولها سوق نسبي..بينما الكتاب الفكري والسياسي والذي يطرح الأسئلة العميقة فلا تباع منه أكثر من مائة نسخة، فيصبح الاستثمار فيه شبه معجزة، إلا بعض الناشرين الذين قد يحملون همّ الوطن وهمّ الثقافة في قلوبهم.

معرض الجزائر الدولي  للكتاب معلما للدخول الأدبي

 قرابة شهر ونصف تفصلنا عن معرض الجزائر الدولي للكتاب، الذي بات يعتبر معلما للدخول الأدبي عندنا..هل سيكون الجمهور في الموعد في رأيك؟ وما هي سمات هذه الطبعة خصوصا والظروف التي تمر بها البلاد؟
 أعتقد بأن الجمهور سيكون دائما في الموعد..بالطبع الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد سوف تلقي بظلالها على المعرض الدولي للكتاب وعلى القدرة الشرائية للمواطن. عامة، حسب التجربة في المعرض الدولي للكتاب أو نوعية القارئ الذي يرتاد المعرض سوف نجد نفس النوعية، وبالتالي الكتاب شبه المدرسي والنفعي سيكون له نفس الرواج لأنه كتاب أصبح له سوق نسبي وأغلب ما ينشر يصبّ في هذا الصنف..أعتقد أن الإقبال سيكون نسبيا نفسه في السنة الماضية، أما المبيعات فقد تكون هي نفسها أو ربما ستتدنى قليلا، في غياب كتب ستخرج عن المعتاد وتصنع الحدث وتكون الأكثر مبيعا «بيست سيلر».
 المعرض هو خلاصة ما يحدث خلال السنة، سنة من العزوف عن المكتبات وعن الندوات الثقافية والكتاب، وعدم وجود دور كبير للمثقف أساسا..لن يكون الاختلاف كبيرا في معرض هذه السنة، سيكون عرسا كبيرا ولقاءات وجلسات بيع بالتوقيع، ولكن وككل سنة، سيعيش الكتاب أحلى أيامه في 10 أيام ثم يدخل في سبات في انتظار المعرض القادم.
بالحديث عن الظروف السياسية الخاصة التي تعرفها الجزائر..هل يلعب المثقّف دوره المنوط به؟ وما الذي يتوجّب على المثقف القيام به في هذه الحال؟
  هذا السؤال يقودنا إلى الحديث عن دور المثقف في المجتمع، المثقف جزء من النخبة بل رائدها، فهو من ينتج الأفكار وهو أيضا من يناقش الأفكار نقدا وزيادة وشرحا. بالنسبة لنا كدولة في طريق النمو، خلال العشرين سنة الأخيرة تدنّى دور المثقف وصار بالإمكان أن نميّز صنفين: صنف اعتكف في بيته لا يحاول تحريك المجتمع والخوض في الأفكار الأساسية، وصنف آخر متطفل يمشي مع التيار ويأخذ الأفكار الموجودة على قلّتها ويحاول تنميقها.
من ناحية أخرى، لا توجد مساحات أو فضاءات يقدم فيها المثقفون أفكارهم، فالندوات غائبة والإعلام عموما لا يسلط الضوء على هذا النوع من النقاشات التي يديرها المثقفون..أما ممارسة السياسة فلم تعد تشترط أن يكون السياسي مثقفا للأسف، وهناك من السياسيين من لم يقرأ كتابا واحدا.
هي سلسلة مترابطة، وعندما نتحدث عن المثقف فإننا نتحدث عن مكانة الثقافة والكتاب والقراءة في أي مجتمع، فإن تدنّت هذه المكانة فطبيعي أن يكون للمثقف دور ثانوي جدّا، لأنه لا يستطيع أن يوصل صوته، وإن كان صوته مخالفا لما هو موجود فقد يكون عرضة للإقصاء، وإن كان يسير في نفس الاتجاه فسيختفي في الإطار العام.
أعود وأقول إن المثقف من النخبة، فهو في الصفوف الأمامية وهو المنتج الأساسي للأفكار والرؤى، وهو المحلل والناقد للأوضاع الحالية، وهو الذي يعطي الحلول لما هو آت..هل هذا ما يحدث عندنا؟ لا أظن ذلك..ربما مع بداية الحراك في 22 فبراير هناك بعض الأصوات التي تحاول أن يكون لها نظرة مخالفة وتحرّر في الأفكار، ولم تبق مسايرة السيل هي الأساس، وأصبح كل واحد يحاول من جهته أن يعطي رأيه، خصوصا وأن المثقف يملك من الأدوات ما يسمح له بالتفكير وإنتاج أفكار توجيهية، لأن نظرته مختلفة عن الإنسان العادي الذي لا يملك أدوات النقد والإنتاج في نفس الوقت.

الحراك سيلقي بظلاله  على الحدث الثّقافي

صدرت كتب عديدة تتناول موضوع «الحراك» الشّعبي الذي شهدته وتشهده الجزائر..هل يمكن وضع هذه الإصدارات في خانة الكتابة الاستعجالية؟ ألا تتطلّب مثل هذه المواضيع صبرا ووقتا لفهمها وهضمها وتحليلها؟ أم أنّه مجرّد تدوين وتوثيق الأحداث؟
 لا شك في أن الحراك هو المشهد الأساسي الذي عاشته الجزائر منذ 22 فبراير، وسوف يرمي بظلاله على ما سيُقترح خلال المعرض، وهذا معروف عبر العالم، فالأحداث الكبيرة يكون لها عدة أنواع من الكتابات. هناك الكتاب الآني الذي يصور ما يحدث، وهو كتاب يرسم المشهد كما هو دون الدخول في التحليل وفي أسباب المشهد ومآلاته ووقعه في المدى القريب والبعيد، وستصدر عدة كتب في المعرض تتطرق إلى الحراك وهذا شيء إيجابي فعلا. نحن الآن في شهر سبتمبر، وهجمات 11 سبتمبر في أمريكا مازالت موضوعا تتناوله مختلف العناوين بمسافات متفاوتة، فالكتب الأولى تتطرق إلى الحادثة في حد ذاتها، ثم أتت كتب أخرى تتحدث عن خلفياتها وأسبابها، ثم تطرقت أخرى إلى نتائجها..نفس الشيء حصل في ما شهدته دول عربية مثل مصر، حيث صدرت كتب دوّنت وأرّخت لما حصل، ثم جاءت كتب أخرى تحليلية حسب التخصصات والمجالات: فقد تكون الكتابة رواية عن الأحداث، وقد تكون تاريخية أو قراءة سياسية أو اجتماعية.
نفس الشيء بالنسبة للحراك، فقد نجد كتابات تحليلية لبدء الحراك ومن كان وراءه، تطورات الحراك في حد ذاته والزخم الكبير الذي عرفه في أسابيعه الأولى، تدني هذا الزخم، بروز الإيديولوجيات والتكتلات الموجودة داخله، كل هذه مواضيع يمكن التطرق إليها، بالإضافة إلى كتابات تجعل من حراك 22 فبراير نهاية لها، وتعنى بالعشرين سنة الأخيرة وتطورات الحُكم فيها والأسباب التي أدت إلى ازدهاره في فترة ما ثم انهياره، والسياسات التي اتبعت، وهذا ما سنشهده خلال المعرض.
ولا أظن أن المنشورات سوف تكتفي بالمعرض فقط، لأن هذا الأخير هو في نهاية أكتوبر أي قبل الرئاسيات بمعنى قبل أن يأتي الحراك بنتائجه الأولى في ديسمبر، وبالتالي فهناك كتب حول المرحلة الأولى من الحراك وكتب أخرى سوف تحلل وتواصل في تصوير المشهد وتدوينه للمستقبل، خصوصا وأن الوقت مبكّر جدا لفهم أسباب الحراك والمحركين الأساسيين له، لتحليل مساره ودور كل الفاعلين فيه من مؤسسات دولة وأحزاب وطبقات مثقفة وسياسيين ومناورات جهات مغرضة، وغير ذلك من الفواعل.
من الممكن أيضا الكتابة عن مدى تأثر الحراك في الجزائر بالمحيط الدولي، ومدى تأثيره في محيطه، ونتائجه وأسباب نجاحه، بل وحتى المقصود من «النجاح» لأنها كلمة نسبية، ثم لا ننسى أن ما يحدث في الجزائر له خصوصيته المحلية، ولكنه أيضا جزء من مشهد عالمي وتغيرات تشهدها الخارطة السياسية العالمية منذ تسعينيات القرن الماضي، بما يحمله ذلك من تجاذبات وتفاعلات دولية.
في الأخير..ما جديد «دار الأمّة»؟ وما هي العناوين التي تراهنون عليها في «سيلا» هذه السنة؟
 هناك كتب في عملية الإنجاز وهي تحت الطبع حاليا، أذكر منها تلك التي تؤرخ لمرحلة الرئيس السابق، وهناك كتب تتخذ من حراك 22 فبراير أساسا لها، وهناك كتاب آخر عن ليلة سقوط حكم بوتفليقة، وعندما نقول ليلة فالأمر يعني الأيام الأخيرة..هناك عدة كتب تتطرق إلى هذا الموضوع.
كالعادة «دار الأمة» لها كتب سياسية وكتب تثير الأسئلة، سواء من الناحية التاريخية لمسرى الأحداث من التسعينيات إلى اليوم، لن أعطي عناوين لأنها تحت التحضير، وهناك كتب سأتركها مفاجأة للمعرض، منها ما كان ممنوعا في الجزائر منذ التسعينيات، والدار ستحاول إعادة نشرها، بالإضافة إلى عناوين الدار المعروفة والتي سنعيد نشرها. سأترك موضوع العناوين الجديدة إلى الأيام القريبة جدا من المعرض، في انتظار أن تصدر هذه العناوين فعليا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019
العدد18117

العدد18117

الجمعة 06 ديسمبر 2019
العدد 18116

العدد 18116

الأربعاء 04 ديسمبر 2019