الدكتـور عبد السلام جغدير لـ «الشعب»:

النّشــر الإلكتروني يخفّف مــن قلّـة الإصـدارات

سكيكدة: خالد العيفة

يرى د ـ عبد السلام جغدير أستاذ بقسم اللغة والأدب العربي بجامعة 20 أوت 1955 سكيكدة، أنّ «الشعر ظاهرة أدبية وراقية في كل المجتمعات الإنسانية، وهو حالة نفسية لصيقة بالشعوب والثقافات عبر التاريخ الثقافي للإنسان، بل هو مظهر من مظاهر الرقي البشري وتميزه، والأمة العربية أمّة شاعرة بامتياز عبر تاريخها الشعري المعروف منذ ستة عشر قرنا على الأقل».

أكّد د ـ عبد السلام جغدير في تصريح لـ«الشعب»، أن «المجتمع الجزائري عرف أيضا شعراء فحولا عبر تاريخه الطويل، الذين حاولوا  مواكبة الأحداث الحاصلة في المجتمع في جميع المجالات وقد وفقوا في ذلك إلى أبعد الحدود، وما نقرأه اليوم من شعرنا الجزائري إلا دليل على ذلك، وزاد الاهتمام وزاد معه وقع الكلمة الشعرية إبان الثورة التحريرية الكبرى وما واكب ذلك من انتشار للشعر في البلاد وفي كل الأغراض الشعرية تقريبا».
وبعد الاستقلال يقول عبد السلام جغدير، «توجّهت الجزائر نحو الاشتراكية بعدها منهجا في كل مجالات الحياة فتكفلت الدولة الجزائرية باعتماد دور الطباعة والنشر العمومية من أجل نشر الكتاب وتعميم القراءة للقضاء على الجهل والأمية في مجتمع خرج للتوّ من استعمار مدمر لكل مقومات الهوية الجزائرية، وهو أمر سمح للمثقفين والشعراء بطباعة أعمالهم وإبداعاتهم سواء في الشعر أم في الرواية، وما ساعد على بروز دور الكتاب أثناء ذلك هو خلو الساحة الأدبية من طرق أخرى للوصول إلى الأفكار والإبداعات إلا عن طريق الكتاب أو عن طريق بعض الندوات والملتقيات التي كانت تنظم هنا وهناك».
وأوضح الاستاذ أنّ «العشرية السوداء شهدت أخطر عملية تصحير للمشهد الثقافي عموما والشعري على وجه الخصوص، حيث أصبح المثقف عموما مستهدفا، وهو ما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة أو إلى الصمت الشعري خوفا على أرواحهم، لكن ولأن الشعر ظاهرة خاصة بوجدان المجتمعات لم يستطع الشعراء، الذين برزوا في ذلك الوقت من نشر أعمالهم خارج الوطن أو كان يتم ذلك بأسماء مستعارة، عكس الروائيين الذين استطاع بعضهم بعد الهجرة إلى نشر أعمالهم الروائية في فضاءات النشر العربية أو الغربية أمثال مستغانمي، بوجدرة وآسيا جبار وغيرهم والسبب في قدرة الروائيين وعجز الشعراء تعود إلى طبيعة كل فن، فالرواية تنقل الوقائع في فضاء وبشخصيات متخيلة ولا يحتاج القارئ العربي والعالمي معها إلى عناء كبير لإسقاط ذلك على الواقع، وبالتالي يمكن أن يكون صورة عما يحدث في البلد كما حدث وطبعا كل من زاوية نظره، عكس الشعر الذي لا ينقل واقعا موجودا بل يصنع واقعا جديدا كما يجب أن يكون، وبلغة رمزية تخيلية قد يستعصي فهمها على المثقف البسيط»، يضيف جغدير: «وأما من بقي في الجزائر فقد كان خائفا على حياته من جهة لاتهامه بالزندقة تارة وبالفسوق تارة أخرى، أو انعدام فضاءات النشر التي عزفت أغلبيتها على نشر تلك الأعمال خوفا أو بسبب الإفلاس، وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى إغلاق العديد منها بعد أن أشهرت إفلاسها، بالإضافة إلى كل هذا فإن جمهور الرواية أوسع وأعم من جمهور الشعر؛ إذ أن متلقي الشعر هو متلقٍ خاص جدا وسط الطبقة المثقفة، أما الرواية فلها جمهور واسع من كل طبقات المجتمع».
وبعد الانفجار الإعلامي وثورة الأنترنت وظهور شبكات التواصل الاجتماعي في بداية الألفية الجديدة، يستطرد الدكتور «ومع تواصل التضييق على المثقف وغياب الاستثمار في مجال دور النشر والطباعة لأنها آخر اهتمامات المسؤولين السياسيين في البلد، وغياب ثقافة القراءة في المجتمع إذ أننا لم نربّي الشباب على ذلك لأن شباب اليوم هم من مواليد التسعينات والثمانينات من القرن الماضي، وبالتالي فهو جيل بائس ثقافيا على الأقل من ناحية الهياكل والتحفيزات، فقيمة الجوائز مثلا في الشعر والنثر لا تعدو أن تكون قيمتها واحد في المائة ممّا يتحصّل عليه المغني».

القصيدة الشّعرية تيتّمت على كل المستويات

وأوضح الدكتور جغدير عبد السلام قائلا: «إذا نظرنا إلى القصيدة الشّعرية في خضم كل هذا نجدها قد تيتّمت على كل المستويات وأصبحت تحتل حجما أقل من الرواية من حيث الاهتمام، لأنها أكثر رمزية وغموضا وسريالية عكس الرواية التي تنتشر أفقيا عبر الصفحات، تقرأها كل طبقات المجتمع المتعلمة، فهي أي الرواية «إبداع موجه إلى المتعلم العام والمتعلم المتخصص، عكس الشعر فهو موجه بطبيعته الخاصة إلى المثقفين لأنه يتطلب معرفة واعية بقوانين القصيدة  وأغراضها والاهتمام أكثر بلغته وبلاغته»، ولذلك - يقول - «ظهر جيل شعري أغلبه من الشباب يفتقر إلى تلك الآليات الشعرية، وهو ما ترفضه دور النشر الخاصة التي ظهرت بعد ما عرف التوجه نحو اقتصاد السوق، الذي لا يعترف إلا بالربح». ونحن نعلم يضيف د ـ جغيدر في ذات السياق «أن رأس المال جبان لا يغامر في قطاع الشعر غير المحمود العواقب، ولذلك نجد أغلب دور النشر الخاصة الموجودة على قلتها تطبع ما هو مقدم لها بمقابل مادي حتى لا تتحمّل الخسارة، وأما الرواية فلها جمهور متنوّع وكتابها لديهم خبرة أكبر من خبرة الشعراء عادة، ويكون العمل الروائي موجّها بطريقة أو بأخرى، وأما من يقول الشعر فهو تعبير عن حالة خاصة أو تجربة فردية من وحي الذات».

 دور النّشر تدير ظهرها للشّعراء

كل ذلك حسب محدّثنا الأستاذ بجامعة 20 أوت 55 بسكيكدة، «يجعل الشعراء لا يثقون فيما يقولون أو يكتبون، ودور النشر لن تغامر مع المجهول لأن غرضها الأول هو الربح، وهو ما فرض على هؤلاء التوجه نحو الوسائط الاجتماعية لما توفره من فضاء غير مراقب، والذي ينزل الشعر إلى العامة وهو أمر سلبي في الحقيقة لأن الشعر يكتب للارتقاء بالذوق عن طريق المتلقي المنتج للوعي، وتحول مع هذه الوسائط إلى مطية للجميع يمكنهم إبداء الرأي مباشرة فتحول النقد فيها إلى انطباعات غير مؤسسة في الغالب على منهج علمي دقيق. وبالتالي جعل الشعراء هذا الفضاء ستارا بينهم وبين متلقّيهم المستهدف حتى لا يصابوا بصدمة النقد البناءة لأن أغلبهم في الأساس أصبحت ثقافتهم مرئية تعتمد على التلفاز والأنترنت، وغاب معها الكتاب الذي هو أساس بناء الشاعر»، فالمشكل حسب الدكتور «متكامل ومشترك بين ثلاثة أطراف هم الشعراء فأغلبهم ليس لهم طول النفس الشعري وغياب الوعي والثقة، ودور النشر التي تبحث فقط عن الربح السريع، والمتلقي الذي يهتم بالشعر السندويتش على حساب النصوص المركزة والرمزية، كما أن متلقي الشعر اختطفته الأنترنت».
واختتم بالقول الأستاذ الأديب: «ومع كل ذلك لا يمكن أن نرسم صورة قاتمة في هذه الإشكالية، فدائما ما ينسلّ خيط أبيض ذهبي من وسط العتمة، إذ نجد كثير من الشعراء في الوقت الحالي لهم وعي شعري ويطبعون دواوينهم بصورة منتظمة وفي مختلف الأغراض بل بالعكس هناك من الشعراء الجزائريين من طبع أكثر من دواوين في السنة وهو أمر يجب مواكبته والتنويه به، لأنها وجهنا الثقافي نتلمس تضاريسه الجمالية واللغوية من خلال أشعار هؤلاء الشعراء، فهم يحتاجون فقط إلى تثمين ما يكتبون بالنقاش والندوات والأمسيات والملتقيات، ومواكبة ذلك من صندوق خاص لدعم إبداعات الشباب علّ ذلك يسمح للمترددين من الشعراء ودور النشر والطباعة من إخراج مخطوطاتهم الموجودة في رفوف خزائنهم وعلب الكرتون إلى نور الطباعة وشعاع النشر والانتشار والمقروئية».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18184

العدد18184

الأحد 23 فيفري 2020
العدد18183

العدد18183

السبت 22 فيفري 2020
العدد18182

العدد18182

الجمعة 21 فيفري 2020
العدد 18181

العدد 18181

الأربعاء 19 فيفري 2020