الكــاتب أرزقـــي ديـداني يفـتح قلبه لـ«الشعب» ويـؤكد:

الاستثمــار الثقـافي غـائب... والوزارة تتحمـل أعبـاء المشاريـع

¯ حاورته: سميرة لخذاري ¯

تأسف الكاتب ارزقي ديداني على الغياب الكلي للاستثمار في الميدان الثقافي في الجزائر، مؤكدا على الصعوبات التي يعاني منها المسرح كفن ركحي ونشاط فاعل، في حين اعتبر السينما نشاط تمويلي، باعتبار الفيلم إنتاج مكلف لا يمكن تحقيقه دون توفير المادة والمال الذي يساعد على ذلك، كما تطرق ذات الكاتب في حديث له مع «الشعب» إلى عدة نقاط كما ورد في هذا الحوار.

  • الشعب: أولا هل لنا أن نتعرف عليك؟


أرزقي ديداني: بدأت الكتابة في العشرينات من عمري، وقبل التحاقي بالكتابة كنت مدمنا على المطالعة ومحبا للسينما.
صراحة لم ابدأ الكتابة بجدية في البداية، وكنت مدرسا حيث اتصلت في هذه الفترة بالفلسفة، وأصبحت اقرأ عن الفلسفة وما تعلق بها كثيرا الشيء الذي حفزني وأعطاني جدية للمضي قدما في هذا الميدان الثقافي، لتكون سنة ١٩٧٧ أول انطلاقة لي من عنابة، ليحالفني الحظ بعد عامين في نشر مقالاتي وكتاباتي بجريدة «الشعب».

  •  وما أسباب طرقك لباب هذه الجريدة في تلك الفترة؟


@ صراحة في تلك الفترة كانت عناوين الصحافة محدودة، منها النصر والجمهورية، لكن طرقت باب «الشعب» لعدة أسباب، على رأسها كونها مهد عديد الأقلام الجزائرية البارزة التي كانت تبدع بحبرها على صفحات هذه الجريدة الغراء منهم الروائي الكبير الطاهر وطار، الذي كان له ملحق ثقافي مشهور جدا في تلك السنوات يعنى بالمثقفين، والذي استقطب الابداعات والمواهب وخدم الساحة الثقافية والمثقف في تلك الفترة.

  •  قلت أن أول نص كتبته بجدية نشر لك بجريدة «الشعب»، هل لنا أن تعود بنا إلى هذه الكتابة؟


@ النص يتمثل في قصة قصيرة معنونة بـ«ثمن الحب الكبير»، تحدثت فيها عن حالة جرت إبان الثورة التحريرية، وتتأكد معي مقولة «للصدف دور في الحياة»، حيث كان ناشر أول إصداراتي هو الروائي الكبير الطاهر وطار، رحمه الله، وهو عبارة عن مجموعة قصصية يحمل عنوان «طائر المدينة»، والذي استهلت طياته بأول قصة لي التي عرفت النور بعميدة الصحافة الجزائرية الناطقة بالعربية، وقد جاء نشر أول مؤلف لي سنة ١٩٩٧.

  •  بدأت الكتابة في السبعينيات، وأول إصدار لك نشر في التسعينيات، هل لنا أن نعرف أسباب هذا التأخر؟


@ أسباب تأخر إصدار أي مؤلف لأي كاتب غير مجهولة ومعروفة لدى أصحاب الميدان الثقافي، حث كانت مؤسسات النشر في تلك فترة الاشتراكية تنشر لشريحة ومعينة، وأنا لست منهم فصراحة لا أحبذ القيود في الكتابة بل أميل إلى حرية سيلان حبر القلم، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى  الشركة الوطنية للنضر في تلك السنوات كانت في مشاكل مالية عويصة أوصلتها إلى درجة الإفلاس، وان الساحة الثقافية قبل التسعينيات كانت تخلو من الجهات والمؤسسات المعنية بصناعة الكتابة، إلا بعض الجمعيات منها الجاحظية التي كان على رأسها الطاهر وطار، وفي هذا الصدد أثمن مجهودات عمالقة الأدب والكتابة الجزائرية الذين كانوا يبحثون عن رفع وتعزيز الساحة الثقافية عموما، حيث أرسلت في تلك الفترة كتابي عبر البريد للطاهر وطار، أين وجدت مجموعتي القصصية هذه صدرا رحبا ونشرت دون أي عناء.

  •  كم كتاب في رصيدك؟


@ ست إصدارات، ثلاث منها في فئة القصة القصيرة، ويتعلق الأمر بكل من  «طائر المدينة»، «ليل الذئاب» وهي من منشورات الجاحظية،  و«النورس الضال» وكتاب في  مسرح يحمل أسطورة يونانية أسقطتها على الواقع الجزائري، اللذان نشرا من طرف اتحاد الكتاب الجزائريين، ورواية صدرت عن وزارة الثقافة عن مطبعة الرغاية موسومة بـ«زمن الأباطرة»، ثم مجموعتي الشعرية التي ضمت كل قصائدي التي نظمتها المعنونة بـ«أصوات تعلو الجبال» وهي من إصدارات دار القصبة.

  •  من عناوين إصداراتك يمكننا القول انك مهتم بعديد الألوان الثقافية، كيف وفقت بينها؟


@ حبي للثقافة، وولوعي بالمطالعة منذ الصغر حفزني على الغوص في كل خبايا هذا العالم والبحث في كل مستجداتها من شعر، رواية، قصة، والآن لدي مجموعة من المخطوطات، أما عن جمعي بين هذه الميادين الثقافية فأقول أن حب الإنسان لشيء مع وجود الموهبة يجعلك تنجح وتبدع.

  •  إذا سألناك عن المسرح في الجزائر، ماذا تقول لنا؟

@المسرح كنص موجود، والمسرح ينفرد على باقي الفنون حيث لا يصبح معنى لنصه إلا بعد إلقائه على الخشبة وعرضه أمام الجمهور، فهو الفن المشهدي الذي يذهب مباشرة عن طريق التفاعل الفيزيائي إلى العقل لذلك فالمسرح كفن ركحي ونشاط فاعل يعاني صعوبات، لا سيما بعد ذهاب عمالقته ويتعلق الأمر بكل من كاتب ياسين وعبد القادر علولة.

  •  من كلامك نفهم انه بذهاب عمالقة الفن الرابع ضاع مسرحنا ألا ترى أن هناك من يحمل المشعل وراءهم؟


@ لا اقصد هذا بالضبط، فمثلا الذين أرادوا ممارسة المسرح سواء في الإخراج، كتابة النص، وغيرها من جوانب البناء المسرحي لم يجدوا العناية وهنا لا اقصد الدعم المادي وإنما الفن التوصيلي، بمعنى أن أبناء المسرح في حاجة إلى فضاءات، وركح لتوصيل رسائله المرجوة من أعمالهم.

  •  لكن الجزائر اليوم تزخر بعدد كبير من المسارح، منها مسارح جهوية، وقاعات العرض، فكيف تفسر لنا قولك غياب الفضاءات؟


@اعتبر هذه الفضاءات نخبوية وليست جماهيرية، وقد قلتها مسبقا أن المسرح سواء كنص أو كفعل درامي اقرب للجمهور، فإذا لم يكن منتشر في فضاءات شعبية وفي كل نقاط الوطن فأقول هنا انه نخبوي، وهنا أسألك كم يذهب من متفرج إلى المسرح الوطني؟ أظن أن عدد المشاهدين لا يزيد عن الأربعين.
أما أن تقولي أن هناك فضاءات إلا أن المسارح تبقى فارغة فالمشكل هنا من جانب آخر، هو عدم التمكن من الوصول إلى المشاهد واستقطاب جمهور مميز، وهنا أقول أن المسؤولية واقعة على عاتق الكل، الكاتب، الإعلامي، ومختلف الجمعيات الناشطة في المجتمع المدني، فاليوم هناك عدد كبير من الجمعيات الثقافية، وهنا نتساءل أين دورها في تفعيل القوالب الفنية والثقافية التي أنشئت من اجل خدمتها، فالتفعيل الثقافي في الجزائر محدود وليس ضعيفا.

  •  نرى أن الدولة تدعم المسرح وتشجع كل المبادرات التي تسعى الى الرقي به، وبالمقابل نلاحظ عزوف الجمهور عن هذا الفن؟


@ كلمة عزوف كبيرة نوعا ما.

  •  وكيف تسمي إذن ابتعاد الجمهور عن المسرح؟


@ صحيح في السبعينيات والثمانينيات هناك طوابير أمام شبابيك بيع التذاكر، لكن لا ننسى أن غياب الآمال والواقع المعيشي يفرض على المواطن إعطاء الأولوية لحياته المعيشية، فكيف يذهب الشاب الذي يبحث عن قوته إلى المسرح، فهل يذهب ببطن فارغة؟ بمعنى عندما يكون المواطن يعاني مشاكل اجتماعية في أي شكل من أشكال الحياة يصعب عليك أن تدخله إلى المسرح.

  •  بمعنى ان المسرح اليوم لا يعالج قضايا المجتمع؟


@ المسرح غير متغلل في البنية الاجتماعية، هذا بالنظرة السوسيولوجية.
لايختلف اثنان في كون المسرح من أهم الوسائل التي توصل قضايا وانشغالات المجتمع إلى الجهات الوصية والمسؤولة، لكن للأسف اليوم أصبح مسرحنا في كثير الأحيان يتناول أشياء بعيدة عن مجتمعنا، خاصة وان المعظم أصبح اليوم يلجأ إلى الاقتباس دون التفكير في الواقع الاجتماعي وطبيعة الحياة في بلادنا.

  •  وماذا عن السينما؟

@ كتبت كثيرا في النقد التلفزي، ولي اجتهادات في النقد السينمائي، ولدي مخطوط في الفن السابع يحمل عنوان «أبعاد السينما».
السينما تمويل أكثر منها كتابة، وللأسف تمويل السينما في الجزائر موسميا مرتبط بالفعاليات والمهرجانات الكبرى، كما حدث مع سنة الجزائر في فرنسا، تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية وغيرها، فالإنتاج الوافر مناسباتي.
والفيلم مكلف فهو يختلف عن المسرحية، هذه الأخيرة التي لا تحتاج إلى تكاليف كبيرة، هذا من جهة ومن جهة أخرى الكتابة السينمائية في الجزائر غير محترفة، فالسيناريست يكتب في السينما لأنه قرأ عنها وهذا غير كاف، فنحن بحاجة إلى سيناريو جماعي كما هو معمول به في المدرسة الايطالية، ليأتي بعدها التمويل.
إضافة إلى فضاءات العرض فللأسف البلديات تخلت عن دور العرض وغيرت نشاطاتها، في حين انه من الأجدر أن تكون وزارة الثقافة هي المسؤولة على هذه القاعات، وتعمل على دعمها وصيانتها.
وهنا أقول أنها غيرت نشاطها لوقوعها أمام الأمر الواقع، حيث أصبح لابد من حصولها على مردود مادي   .

  •  وزارة الثقافة في السنوات الأخيرة استرجعت عديد دور النشر، وتدعم الفن السابع، إلا أن المشكل ما يزال قائما بما تفسر هذا؟


@ اشكر وزارة الثقافة، فهي فعلا تدعم وتدفع الأعمال الناجحة، لكننا في الميدان السينمائي ما نزال بعيدين عن ركب الدول الرائدة في المجال.

  •  لماذا نحمل دائما الوزارات والجهات المعنية المسؤولية، ألا ترى أن أبناء كل ميدان ثقافي من شأنهم الرقي بثقافتهم، فأين هي مثلا مبادرات الاستثمار مثلا في الفن السابع؟


@ المثقف الجزائري بمن فيهم أنا ليس له وازع الإيثار، لكن لا ننسى أن اقل من واحد في المائة من المثقفين الجزائريين بإمكانهم تمويل أو خلق فضاءات تعنى بأي جانب من الجوانب الثقافية، أما الاستثمار في هذا الميدان فهو غائب تماما، لتبقى وزارة الثقافة هو الممول الوحيد لهذا الجانب.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018