سالم قرش: الجزائر ألقت بثقلها الدبلوماسي لعودة الشرعية الشعبية

الوضع في مالي بين الانفراج والتحدّيات الأمنيـة والاقتصادية

جلال بوطي

دخلت مالي مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، بعد مرور شهر على توّلي العسكر الحكم، ثم تسليمه لرئيس مدني بصلاحيات موّسعة سيتولى المرحلة الانتقالية لإرساء ديمقراطية جديدة. من المؤكد ستواجهها تحدّيات عديدة، في مقدمتها الجانب الاقتصادي التنموي المنهك جراء ممارسات النظام السابق وتغوّل القوى الاستعمارية في منطقة الساحل الإفريقي.
بعد إعلان فوز أبوبكر كيتا بعهدة رئاسية، جديدة خرج الآلاف الى الشوارع، رافضين نتائج انتخابات، جرت في ظروف غير شفافة لكن النظام لجأ إلى إسكات صوت المعارضة آنذاك.
 قال إن قوى غربية تحرك المعارضين واتهم قادة معارضة بالإرهاب لكسب الشرعية الدولية.. هذه الخطوة أثارت غضب الشارع وكانت القطرة، التي أفاضت الكأس لحشد الشعب والتعبئة لصالح الجيش بالتدخل لإنهاء الوصاية الغربية.
قبيل الانقلاب العسكري في الـ18 أوت لم تكن هناك مؤشرات على وجود تحركات داخل ثكنة في ضواحي العاصمة باماكو، احتضنت مشاورات قادة العسكر، وكانت معقل التخطيط للإطاحة بالرئيس كيتا رغم ان جهاز المخابرات ذي التكوين الفرنسي، بحسب وسائل إعلام محلية، سبق وأن أفشل مخططات سابقة، لكن قادة العسكر الذين قادوا الانقلاب تلقوا آخر تكوين عسكري لهم في روسيا ما فتح باب التأويل أمام دور موسكو في الانقلاب، كما تلقوا تكوينا مماثلا في الولايات المتحدة الأمريكية في وقت سابق.

المرحلة الانتقالية.. وتحدّياتها

يقول الباحث في شؤون الساحل الإفريقي سالم قرش في حديث لـ «الشعب ويكاند» أن الفترة الانتقالية هي فترة يتم فيها تعليق العمل بالدستور وتسيّر من طرف حكومة مؤقتة تتولى تسيير شؤون الدولة لفترة غير محددة، مثل ما حدث في مالي والتي مرت سابقا بظروف مشابهة حيث يعد هذا هو الانقلاب الرابع في تاريخ البلاد، إضافة إلى سلسلة من التمردات الانفصالية التي تضيف للسلطات الحاكمة أعباء مرهقة تجعل من مسألة انتقال السلطة بسلاسة وبالسبل التشاورية أمرا مستبعدا حتى وإن لوّح الانقلابيون بشرعية الفعل (عزل الرئيس) الذي جاء بحسبهم استجابة لمطالب شعبية أو الترويج لمهلة عام ونصف لمهاندة المجتمع الدولي ومراكز القرار إقليميا وقاريا ودوليا.
إن ترتيب مالي ضمن التقارير الدولية التي تقوم بتصنيف الدول وفق معايير ومؤشرات سياسية واقتصادية واجتماعية صارت تضعها ضمن اطار الدولة العاجزة والهشة «تحتل المرتبة 16 عالميا في تصنيف الدول الهشة» تنذر بسيناريوهات صعبة لهذا البلد الجار، ولهذا فإن أي مقاربة لا تراعي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتي تخدم التماسك الاجتماعي في هذا البلد، إنما تصّب في إطالة عمر الأزمة وتبرير الفشل السياسي وخلق الذرائع للتواجد الأجنبي.

الجيش وانتقال السلطة

لا تزال الهوّية السياسية والفكرية لقيادة الجيش دون مستوى الوضوح الكامل، ومع ذلك فإن مصادر إعلامية متعددة تتحدث عن مستوى من العلاقة مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بناء على تلقي العقيد قاسيمي كويتا لتدريبات متعددة في هذين البلدين، آخرها في روسيا، إلا أن كويتا وعدداً من زملائه تلقوا أيضاً تدريبات مماثلة في قواعد فرنسية متعددة.
تبدو المواقف الدولية شبه مجمعة على رفض الحملة العسكرية، وتعد حالة نادرة، رغم شروع قيادة الجيش في ترتيب إدارة المرحلة الانتقالية، فالعديد من الدول لها قوات في مالي لمحاربة الجماعات المسلحة والعنيفة، وهو ما يفسر جزءا من الموقف الدولي الرافض للانقلاب؛ خشية أن تستغل الجماعات المسلحة حالة الفوضى لتوسيع مناطق سيطرتها.
فقد علق الاتحاد الإفريقي عضوية مالي فيه، وطالب باستعادة الوضع الدستوري، والإفراج عن الرئيس إبراهيم كيتا ورئيس الوزراء والمسؤولين الآخرين المحتجزين.
بدورها طالبت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس»، المؤلفة من 15 عضواً، خلال قمة استثنائية عقدت بتقنية الفيديو، بعودة الرئيس المالي المعزول إلى منصبه رئيساً للجمهورية. وكانت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا استنكرت الأحداث، وعلقت عضوية مالي فيها.
الأمم المتحدة أدانت الأحداث العسكرية آنذاك الأخيرة، وعقدت جلسة طارئة مغلقة لمجلس الأمن الدولي لبحث الأزمة بطلب من فرنسا ذات النفوذ في مالي، والنيجر التي ترأس حالياً المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس». وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، 20 أوت، إن فرنسا وألمانيا تنددان بما حدث في مالي، وتريدان عودة البلاد بأسرع وقت ممكن إلى الحكم المدني.
رغم كل ذلك تبقى العلاقة مع فرنسا واقعاً يصعب تجاوزه دفعة واحدة بالنسبة، لأي نظام يحكم مالي، نظراً للوجود العسكري لفرنسا على أرض الواقع، وتحكُّمها في أكثر من مفصل من مفاصل السلطة في مالي وفي عدد من جيرانها، ومع ذلك فإن الأحداث الأخيرة تصّب في خانة الهزائم الفرنسية المتتالية في إفريقيا بعد الحرب في ليبيا ودخول البلاد في حرب أهلية أثرت على المنطقة برمتها.
من جهتها، أعربت روسيا، على لسان المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشمال إفريقيا وبلدان إفريقيا، نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف، الثلاثاء 18 أوت 2020، عن قلق موسكو إزاء «الانقلاب العسكري في مالي».
وقال بوغدانوف، إن بلاده «تتابع عن كثب تطور الأوضاع. وعبرت الولايات المتحدة عن قلقها بشأن الوضع في مالي، وقال مبعوثها الخاص لمنطقة الساحل، إن بلاده تعارض جميع التغييرات غير الدستورية للحكومة.
تركيا كذلك أدانت الأحداث في مالي، رغم التوتر الحاصل في علاقاتها مع فرنسا صاحبة النفوذ الأول في مالي، ويعد الموقف التركي ثابتاً من الانقلابات العسكرية، ومبنياً- على ما يبدو- من قناعة من سلبياتها كخلاصات للتجارب التي مرّت بها.

سيناريوهات الحل بين المدني والعسكري
قال الباحث قرش، إن التغلب على حالة الهشاشة لدولة مالي عبر نزع فتيل الأزمة وإحلال السلم كسبل سياسية وحلول اقتصادية ترصد قدرات الدولة ومواردها وكيفية تعبئتها لصالح مشروع تنموي جامع، وتفعيل سياسات الاندماج الوطني التي تستوعب كل المكونات والارتقاء بها الى تنوع يشكل انصهاره عامل قوة.
 ولن يتأتى هذا إلا بتقديم أشكال دعم متعددة للمنظمات الاقليمية والدولية وبعض القوى الكبرى ودول الجوار، بما يسهم في مساعدة النظام السياسي في مالي على تجاوز الازمة.
كان لدول مجموعة غرب إفريقيا دورا واضحا في التسريع بالذهاب إلى مرحلة انتقالية وبسلاسة تضمن الحفاظ على استقرار مالي في ظل هشاشة الوضع الأمني وعودة نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء.
 لكن الباحث قرش قال، إن «الايكواس» كمنظمة إقليمية أعلنت موقفها من الانقلاب من البداية محاولة فرض شروط واملاءات على الجيش في مالي الذي صار يدير كفة الحكم، غير ان جوهر إشكالية عملية بناء الدولة هو طبيعة العلاقة بين السلطات المدنية والعسكرية، وتسبب العجز في معالجة هذا المشكل في عدم الاستقرار السياسي.
 وبحسب رأي الباحث المتخصّص في الشأن الإفريقي، مسألة استعادة الثقة تمر عبر وضع مجموعة ترتيبات قانونية ودستورية تضع العسكر تحت قيادة مدنية منتخبة تتيح لها السيطرة على القوات المسلحة ومصالح الأمن الأخرى، أو كما في الحالة المالية بمحاولة إيجاد «توليفة» تمكنها من اعادة الثقة للمجتمع في ادارة شؤون الدولة ومنع الفشل السياسي. لكن قادة المجلس العسكري تمكنوا من تجاوز الخلافات بشأن المسؤولين المدنيين وعينوا رئيسا انتقاليا مدنيا لاقى شعبية واسعة وتوافقا بين المعارضة والموالاة.

 الجزائر والدبلوماسية الناعمة

عقب الإنقلاب بأيام زار وزير الخارجية صبري بوقادوم مالي، والتقى قادة المجلس العسكري الحاكم، وكل الفاعلين في المشهد السياسي، بما فيهم المعارضة المالية، ثم زيارة ثانية قام بها في غضون أقل من شهر بعد الانقلاب، وهو الدبلوماسي الوحيد الذي يستقبل من قبل جميع الأطراف ويلقى الترحيب، نظرا للدور الايجابي الذي تقوم به الجزائر في مالي والمنطقة بشكل عام.
وفي هذا الصدد، يؤكد الأستاذ قرش سالم أن زيارة بوقادوم جاءت من أجل حث السلطة الجديدة في مالي الاسراع في العودة الى العمل بالدستور أولا تفاديا لإطالة عمر الأزمة، وثانيا لرفع الحرج عن الجزائر، بعدما طلب الانقلابيون عشية استيلائهم على السلطة دعم الحكومة الجزائرية في المسار التصحيحي للعودة للشرعية، وهو ما تكون الجزائر تفهمته وباركته بشروط لعلّ أهمها تفعيل اتفاق الجزائر 2015 وتضمن عدم اقصاء الشمال التسويات والحلول السياسية.
اللّجنة العسكرية في مالي تكون قد استجابت للمقترحات التي تقدّمت بها الجزائر التي حرصت على مبدأ العودة إلى الحياة الدستورية، القاضية بالإسراع بتعيين رئيس دولة ورئيس حكومة مدنيين.
واعتبر محللون إن اختيار نداو جاء «كحل وسطي» بصفته مدنيا، منذ تقاعده وعسكريا سابقا يحظى بثقة قادة التغيير «غير الدستوري» والمؤسسة العسكرية بشكل عام.
وقد كثفت الجزائر مؤخرا، من تحركاتها «الدبلوماسية الناعمة» من أجل مساعدة الأشقاء في مالي على ضمان العودة للحكم المدني، وفقا للشرعية الدستورية وبعيدة عن سياسة التلويح بالحصار المعلن من بعض الدول، مؤكدة على ضرورة «الحفاظ على الاستقرار في هذا البلد الشقيق والمجاور من خلال انتقال هادئ يسمح باستتباب النظام الدستوري ويكون في مستوى تطلعات الشعب المالي».
وبعد اتفاق المصالحة الذي ترعاه الجزائر محوريا في السلم بمالي، وهو ما أكده ممثلو تنسيقية حركات الأزواد وأرضية الحركات الموّقعين على اتفاق السلم والمصالحة بمالي المنبثق عن مسار الجزائر، حيث أبدوا حرصهم على التنفيذ الفعلي لاتفاق الجزائر الذي «يبقى السبيل الأمثل من أجل عودة دائمة للاستقرار، والإطار المناسب لمواجهة عديد التحدّيات التي تواجهها مالي.

النفوذ الغربي وصراع المصالح

باتت مالي في السنوات الأخيرة، أرضا للصراع بين القوى الغربية وعلى رأسها فرنسا المستعمر السابق وتركيا، بشكل بارز رغم وجود أطماع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن على أرض الواقع، قامت فرنسا في الشهور الأخيرة بتصعيد خطواتها المناوئة للتمدد التركي في جوار تركيا المباشر.
 ففي شرق المتوسط، تبنت فرنسا موقفًا سياسيًّا وعسكريًّا داعمًا لكل من اليونان وقبرص في نزاعهما مع تركيا على ترسيم الحدود البحرية، كما قدمت فرنسا دعمًا متزايدًا للأكراد في كل من سوريا والعراق، وهو ما اعتبرته تركيا مساسًا بأمنها القومي.
ومن جانبها، سعت تركيا للتضييق على فرنسا في إقليم الساحل الإفريقي على وجه الخصوص، وهو الإقليم الذي طالما تمتعت فيه فرنسا بأفضلية نتيجة خبرتها الاستعمارية الطويلة وعلاقاتها العميقة بالنخب السياسية والعسكرية والثقافية في دول الإقليم الذي تعتمد فرنسا عليه بصورة أساسية في تأمين العديد من مصالحها ذات الأهمية الكبرى، كمكافحة الإرهاب، وضبط تدفقات المهاجرين إلى أراضيها، وتوفير احتياجاتها من اليورانيوم لتشغيل محطاتها النووية.
فعلى الرغم من كون «محمود ديكو» أحد أهم المرّحبين بالانخراط العسكري الفرنسي في مواجهة التنظيمات الإرهابية، في عام 2013، إلا أنه عاد ليقود حراك جويلية 2020 مطالبًا بخروج القوات الفرنسية من البلاد، وهو المطلب الذي لاقى تأييدًا شعبيًّا واسعًا في ظل الخبرة الاستعمارية الطويلة لفرنسا في مالي، وفي ظل إخفاق القوات الفرنسية في مكافحة الإرهاب.
في هذا السياق المعقّد، لا يُعد إعلان فرنسا استمرار عملية برخان العسكرية في مالي، ولا تطمينات المجلس العسكري الحاكم بشأن مواصلة التعاون العسكري مع فرنسا، كافيين لتأكيد استمرار الحضور العسكري الفرنسي في مالي مستقبلًا.
تلقى قادة العسكر تدريبات شاملة في روسيا أثار فكرة الدور الروسي في المنطقة بشكل عام وفي مالي بشكل خاص وحامت شكوك حول دور موسكو في الانقلاب لأن آخر تدريب لقائد العسكر كان في روسيا.
إلا أن القوى الغربية الكبرى لا تريد مزيدا من التوترات في إفريقيا خاصة الساحل الافريقي الذي سبب تصاعد الجماعات الارهابية لاسيما تنظيم الدولة «داعش» والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي التي انضمت إلى «تنظيم الدولة» وتصاعد الهجمات الإرهابية في إفريقيا والدول الأوروبية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18388

العدد18388

السبت 24 أكتوير 2020
العدد18387

العدد18387

الجمعة 23 أكتوير 2020
العدد18386

العدد18386

الأربعاء 21 أكتوير 2020
العدد18385

العدد18385

الثلاثاء 20 أكتوير 2020