لاعبون بصفة «لاعـب دولي» علــى الورق

قانــون «الفيفـــا» بتغيير الجنسية الرياضيـة.. مكـاسب للبعض وخسائــر لآخـرين

عمار حميسي

كان تاريخ 18 سبتمبر الماضي نقطة مضيئة للعديد من اللاعبين في العالم، بعد أن صادقت «الفيفا» على قانون يتيح تغيير الجنسية الرياضية، وفق شروط معينة، لكنها ليست تعجيزية أو صعبة، وهو ما يجعل بعض اللاعبين يستفيدون من فرصة تمثيل بلدهم الأم، بعد أن لعبوا لفترة قصيرة مع منتخبات المهجر.

منحت «الفيفا» الضوء الأخضر للاعبين الذين يقل سنهم عن 21 سنة بتمثيل منتخبات بلدانهم الأصلية، بعدما تواجدوا لفترة قصيرة جدا مع منتخبات المهجر وهو ما يعد انتصارا كبيرا لهذه الفئة الأخيرة التي كانت تعتبر نفسها مظلومة أمام «الحيل» المتبعة من بعض الاتحاديات والمنتخبات التي كانت ترهن المستقبل الدولي لبعض اللاعبين.
وضع الاتحاد الدولي بعض الشروط التي يجب التقيد بها للسماح للاعبين بتمثيل منتخبات بلدانهم الأصلية، منها انه يشترط على أي لاعب أن يكون قد لعب أقل من ثلاث مباريات ولم يشارك في منافسة دولية مثل كأس العالم أو كأس أوروبا، آسيا، إفريقيا، أمريكا الجنوبية وغيرها من البطولات المشابهة.
توّفر هذه الشروط لأي لاعب سيكون طرق نجاة من غياب الفرصة في تمثيل منتخب بلده الأصلي، وهو ما ينطبق على بعض اللاعبين في صورة المغربي منير الحدادي الذي عانى من إمكانية ضياع مشوار دولي حافل بالنسبة له بعد أن خرج من حسابات مدرب منتخب اسبانيا ولم يتم استدعاؤه، منذ 2017.
اعتبر بعض المتابعين أن «الفيفا» أنصفت أخيرا المنتخبات الصغيرة التي كانت لا تستفيد من المواهب الكروية التي تكوّنت لدى بلدان المهجر، إلا نادرا وفي الغالب كانت منتخبات المهجر تقوم بحرمان اللاعبين من التواجد مع منتخبات بلدانهم الأصلية باللجوء إلى حيلة استدعاء اللاعب للتواجد مع المنتخب، خلال مباراة واحدة وحتى مشاركته مع المنتخب في المباراة الأولى قد لا تتعدى دقائق.

سيناريو كمال مريم لن يتكرّر

وضع الاتحاد الدولي حدا لإمكانية تكرار ما حدث للاعب كمال مريم حيث فضل الاتحاد الفرنسي بالتنسيق مع المدرب استدعاء اللاعب للتواجد مع منتخب فرنسا من أجل قطع الطريق لتمثيله الألوان الوطنية، بعد أن اتصلت الاتحادية آنذاك به، إلا أن اللاعب لعب مع «الديكة» ثلاث مباريات فقط.
لعب مريم مباراتين وديتين مع منتخب فرنسا دخل فيهما كبديل الأولى أمام بولونيا حيث عوّض اللاعب لويس ساها في د65، أما المواجهة الودّية الثانية فقد كانت أمام السويد حيث دخل كبديل للاعب لودوفيك جولي في د68 وشارك مريم في مباراة رسمية واحدة، مع منتخب فرنسا أمام سويسرا في تصفيات مونديال 2006 عندما دخل كبديل للاعب فيكاس دوراسو في د58.
كانت مواجهة سويسرا أوّل وآخر مباراة رسمية تواجد فيها اللاعب، وهو ما حرمه بعدها بتمثيل المنتخب الوطني الذي كان قادرا على الاستفادة من خدماته، خلال تصفيات كأس إفريقيا 2008 و2010 وتصفيات المونديال أيضا، لكن قانون «الفيفا» الحالي لم يكن ساري المفعول آنذاك، وهو ما جعل اللاعب يفقد إمكانية شق مشوار دولي مميز مع جيل جديد من العناصر الجيدة في صورة عنتر يحيى، زياني وبوقرة، إضافة إلى بلحاج وغيرهم من اللاعبين.

الحدادي أمام فرصة دخول التاريخ

ينتظر أن يدخل اللاعب منير الحدادي التاريخ من أوسع الأبواب، عندما يكون أوّل لاعب يستفيد من قانون تغيير الجنسية الرياضية الذي صادقت عليه «الفيفا» في الكونغرس 70 لها الذي انعقد عن بعد في 18 سبتمبر الماضي حيث سيكون اللاعب أمام فرصة الدفاع عن ألوان منتخب بلده الأم المغرب.
لعب منير الحدادي مع كل المنتخبات السِنية الاسبانية بحكم انه ولد في إسبانيا وتكوّن في فريق برشلونة، لكن الأمر اختلف عندما وصل إلى المنتخب الأول حيث لعب مباراة رسمية واحدة أمام مقدونيا في تصفيات كأس أوروبا دخلها كلاعب بديل للمهاجم دييغو كوستا في د77 ومنها لم يتم استدعاؤه إلى المنتخب الأول.
سئم منير الحدادي من وضعيته وعبر عن ندمه من الدفاع عن ألوان منتخب اسبانيا عوض منتخب بلده الأم المغرب الذي كان سيفتح أمامه أبواب التألق في مختلف المنافسات، إلا انه فضل اسبانيا ودفع الثمن غاليا حيث خسر لقب «لاعب دولي» الذي حظي به لفترة قصيرة فقط بعدما كان يوصف باللاعب الدولي الاسباني حذفت منه صفة الدولي واحتفظ بصفة اللاعب الاسباني فقط.
طرق الحدادي جميع الأبواب لإعادة الأمور إلى نصابها والدفاع عن ألوان منتخب المغرب، لكن القوانين لم تكن لصالحه خاصة أن «الفيفا» كانت واضحة في الأمر، وكان من المستحيل على اللاعب التراجع عن تمثيل إسبانيا لصالح المغرب، وهو ما جعله يفقد الأمل في التواجد ضمن منتخب بلده الأصلي.
ذهب الحدادي إلى المحكمة الرياضية الدولية من أجل تقديم طلب الدفاع عن ألوان المغرب، لكن طلبه قوبل بالرفض، وهو ما شكل صدمة قوّية له مما أثر حتى على مستواه الفني مع فريقه اشبيلية، بعدما فقد مكانته كأساسي في الفريق بسبب تراجع مستواه، بعد تأثره نفسيا بما حدث له.
منتخب المغرب سيتدعم بنسبة كبيرة خلال الفترة المقبلة بخدمات منير الحدادي الذي قدّم كل الوثائق اللازمة من أجل تغيير الجنسية الرياضية من الدفاع عن ألوان إسبانيا إلى الدفاع عن ألوان المغرب، وهو ما سيتحقق أخيرا حيث تنتظر الجماهير المغربية حدوث هذا الأمر بفارغ الصبر.

تعزيز قوّة قانون «الباهاماس»

يساهم قرار «الفيفا» الجديد بتغيير الجنسية الرياضية للاعبين في تعزيز قوّة قانون «الباهاماس» الذي ساهم في تحقيق طفرة كروية لدى العديد من الدول على غرار الجزائر، كوت ديفوار، الكاميرون والسنغال، إضافة إلى المغرب، وهو ما جعل هذه المنتخبات وأخرى تعود إلى الواجهة الإقليمية والدولية من خلال المواظبة على التواجد في المحافل الدولية مثل كأس العالم.
طالبت العديد من الاتحاديات بإلغاء قانون «الباهاماس» في ظل فقدانها للعديد من اللاعبين الذين اختاروا منتخبات بلدانهم الأصلية وليس منتخبات المهجر حيث جاء قانون تغيير الجنسية الذي صادقت عليه «الفيفا» متمما لقانون «الباهاماس» الذي منح قوة أكبر للعديد من المنتخبات التي عادت إلى الواجهة بفضل هذا القانون الذي منح بعض القوة لمنتخبات استفادت من عودة بعض اللاعبين في قرارهم بتمثيل منتخبات بلدانهم الأصلية.
ضغطت العديد من الاتحاديات على «الفيفا» من أجل تعزيز قوّة قانون «الباهاماس» بقانون تغيير الجنسية الرياضية، وهذا بعد أن لاحظت أن هناك اتحاديات تستعمل الحيل لمنع بعض اللاعبين لأسباب أو لأخرى من تمثيل منتخبات بلدانهم الأصلية، رغم أنهم ليسوا في حاجة إلى خدماتهم بسبب وفرة اللاعبين الجيّدين.
الصراع على اللاعبين بلغ أشدّه والمواهب أصبحت تسيل لعاب العديد من المنتخبات التي ترى أن تواجد بعض اللاعبين واستقطابهم سيساهم في تعزيز قوّة منتخباتهم الوطنية ويمنحهم القوّة اللازمة التي تسمح لهم بتحقيق الأهداف الرياضية التي يصبون إليها خاصة المشاركة الدورية في المونديال الذي يمنح كل اتحاد دخلا ماليا كبيرا، بفضل «منحة المشاركة» التي تناهز 8 ملايين أورو.

الكشّافون تحت المجهر وعمل كبير ينتظرهم

ينتظر الكشّافون على مستوى الاتحاديات والمنتخبات الوطنية عمل كبير خلال الفترة المقبلة في ظل زيادة هامش حرية الاختيار بالنسبة للاعبين الذين يمتلكون جنسيتين أو أكثر، وهذا من خلال منح إشارة معينة إلى مدربي المنتخبات الذين يشرفون عليهم بضرورة منح الفرصة للاعب معين، لأنه متواجد في دائرة الاختيار وضمانه يجب أن يكون مبكرا لقطع الطريق عليه من إمكانية قيامه بتغيير الجنسية الرياضية، مستندا إلى قانون «الفيفا» الجديد.
بروز اللاعبين الموهوبين يكون من فئة الأصاغر وحينها، يتم وضعه تحت المجهر من طرف الكشافين الذين يراقبون تطور مستواه وبنيته الجسدية من سنة إلى أخرى لغاية وصوله لمستوى يؤهله للتواجد مع المنتخب الأول وحينها يتم تنبيه المدرب الوطني إلى ضرورة منح الفرصة للاعب الفلاني حتى لا يضيع مستقبلا، وهذا بالنظر إلى تواجد العديد من الخيارات أمامه.
من الأمثلة البارزة لهذا الأمر اللاعب الكندي ألفونسو ديفيز الذي لعب مع منتخب كندا الأول، منذ أن كان سنه 17 سنة ورغم انه لم يتجاوز 19 سنة، إلا أنه لعب لحد الآن 17 مباراة كأساسي مع منتخب كندا وشارك أربع مرات في بطولة الكأس الذهبية التي تجمع منتخبات «الكونكاكاف»، وهي منافسة معتمدة لدى «الفيفا» حيث يشارك المتوّج بها في كأس العالم للقارات.
ألفونسو ديفيز يمتلك العديد من الخيارات، لكنه لا يستطيع الآن تغيير الجنسية الرياضية بحكم أنه لعب أكثر من ثلاث مباريات دولية وشارك في منافسات إقليمية حيث كان ديفيز يستطيع اللّعب لمنتخب بلده الأم ليبيريا، إضافة إلى منتخب كندا التي ذهب إليها لاجئا مع والديه دون نسيان منتخب ألمانيا بحكم انه يلعب لفريق بايرن ميونيخ، منذ سنوات لكنه لن يستفيد من الشروط المتواجدة ومشواره الدولي أصبح مرتبطا بمنتخب كندا.
نجاح كشافو منتخب كندا في استقطاب لاعب من طينة ألفونسو ديفيز أمر يحسب لهم بحكم أن اللاعب أصبح في الفترة الحالية أفضل مدافع أيسر في العالم وقيمته السوقية تجاوزت 50 مليون آورو، حيث يعد من اللاعبين الذين ينتظر أن يكونوا من نجوم اللّعبة في الفترة الحالية، وخلال السنوات المقبلة ومنتخب كندا بعد البايرن، هو المستفيد الأول من تطور مستوى اللاعب في الفترة السابقة.

الصراع مستمر..

الصراع لن يتوّقف بين الاتحاديات للضغط على «الفيفا» بإصدار قوانين تخدم مصلحتها وتضعف مصلحة اتحاديات أخرى، وهو ما يجعل البعض يعتبر القانون الذي صدر بخصوص تغيير الجنسية الرياضية مكسبا للبعض، وهنا من يعتبره خسارة له بحكم انه سيضيع فرصة الاستفادة من لاعبين آخرين.
رغبة «الفيفا» بالحفاظ على التوازن بين الاتحاديات في المجال الرياضي سيصطدم بأنانية البعض الذي يريد الاستحواذ على كل شيء لوحده، رغم انه ليس بحاجته حيث هناك العديد من الاتحاديات والمنتخبات من تمتلك الكثير من اللاعبين المميزين، لكنها تقوم «بحرب شعواء» للظفر بلاعب وثنيه عن اختيار منتخب بلده الأم رغم أنها ليست في حاجة إلى خدماته من الناحية الفنية.
الفترة المقبلة قد تعرف صدور قوانين أخرى تخدم مصلحة طرف على آخر، وهذا انعكاس لاستمرار الصراع الرياضي والكروي، من بوابة «الفيفا» التي تمتلك حق التشريع وسن القوانين، وهو العامل الذي يسمح لها باللعب على عدة جبهات لصالحها حتى لا تغضب الجميع ولا ترضي الجميع بالنظر إلى التحدّيات التي تنتظرها في المستقبل، وهو ما يجعلها بحاجة إلى دعم البعض.
العمل مستمر في الخفاء وما وراء الجدران حيث رغم أن هناك طرف تفوق على آخر في هذه الفترة، لكن الأمور لم تحسم بعد لكن هناك طرف ثالث لا يقل قوة عن الأطراف الأخرى، وهم وكلاء اللاعبين الذين يلعبون هم أيضا دورا كبيرا في تغيير فكر وهدف اللاعب من تمثيل منتخب معين ودفعه لتمثيل منتخب آخر بحجة المكاسب الرياضية والمالية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18388

العدد18388

السبت 24 أكتوير 2020
العدد18387

العدد18387

الجمعة 23 أكتوير 2020
العدد18386

العدد18386

الأربعاء 21 أكتوير 2020
العدد18385

العدد18385

الثلاثاء 20 أكتوير 2020