انتعاش سوق المكسرات والفواكه الجافة

غياب الإنتاج المحلي وضعف المنافسة يخدم كبار المستوردين

سعيد / ب

توفّر سوق المواد الغذائية خاصة في رمضان ومختلف الأعياد والمواسم فرصا كبيرة لشتى أنواع المكسرات والفواكه الجافة التي يرتفع عليها الطلب وتنتعش تجارتها فيما يجد المستوردون ضالتهم لتحقيق مزيد من الربح مستفيدين من مناخ تجاري نشيط بفضل تحسن المؤشرات الكلية مثلما تعكسها معدلات المعيشة والقدرة الشرائية لولا الغلاء الفاحش الذي يفرضه معشر التجّار في غياب منظومة فعالة للرقابة والضبط واختلال آليات التسويق.
وإلى جانب فرع البقوليات من عدس وحمص، لا يزال فرع الفواكه الجافة ومختلف المكسرات مثل اللوز والجوز والتين الجاف والزبيب والفستق والفول السوداني وغيرها من المنتجات التي يمكن لقطاع الفلاحة الاستثمار فيها متأخرا من منظور اقتصادي بينما يتواصل استيرادها من أسواق أجنبية بفاتورة مرتفعة تؤول لفائدة كبار بارونات الاستيراد الذين يستغلون واقع السوق فيفرضون أسعارا جنونية لا يتمن منها سوى أصحاب الدخل الكبير.  
وإضافة إلى خصوبة التربة، فإن المناخ المحلي يشجع على مثل هذه الزراعة التي كانت في الماضي متطورة بل كانت مناطق جغرافية متنوعة مخصصة لكل نوع يلائم تربتها ومناخها قبل أن تضيع تلك الثروة نتيجة عوامل عديدة منها تلك المتعلقة بالتسيب الذي طال العقار الفلاحي طيلة عقود وانكسار اليد العاملة المتخصصة وهجرة الأرض الزراعية من أصحابها.
غير أن إطلاق برامج التنمية الريفية التي أعادت الاعتبار لغرس الأشجار المثمرة والتوجه إلى الزراعة الجبلية أظهر مدى الإمكانيات الموجودة لإدراج زراعة الفواكه الجافة والمكسرات في المنظومة الفلاحية. ويتطلّب الدفع بهذا المسار إرساء إستراتيجية مندمجة تتعدى الإطار التقليدي بعد تقييم مدى تحقيق الأهداف المسطرة للفروع الفلاحية المختلفة من حيث تلبية الطلب الداخلي والقدرات للتصدير بالمعنى الاقتصادي الحقيقي وليس بمجرد عمليات ظرفية.
وفي هذا الإطار من الضروري تعميق الانفتاح على الصناعة من خلال توجيه إنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة تعنى بهذا الفرع من مرافقة في الإنتاج وتحويل للمواد وتعبئة للتصدير، بحيث أن الصناعة الغذائية بكافة جوانبها تقف اليوم أمام فرص للنمو وتحقيق الربح ليس في السوق الداخلية إنما في أسواق خارجية. ولا تتوقّف السلطات العمومية العليا عن الدعوة للمستثمرين ورجال المال المحليين والأجانب للاستثمار في الفلاحة بكل أنواعها وخاصة في فرع البقوليات والفواكه الجافة والمكسرات.
ومن الطبيعي ينبغي من المفيد أن تنخرط مراكز البحث الزراعي ومعاهد القطاع في الدفع بعجلة الاستثمار المتنوع الذي يتطابق مع مؤشرات الاقتصاد الوطني في الشقّ الفلاحي من حيث الاستجابة لحاجيات السوق ومتطلبات التصدير، وبالتالي التقليل من فاتورة الاستيراد علما أنه لا يمكن منع دخول مثل هذه المواد لارتباطها بالنمط المعيشي حتى ولو تم التقليص منها.
وقد كشف رمضان مجددا مدى الفجوة التي تعاني منها سوق الفواكه الجافة والمكسّرات التي يهيمن على تجارتها عدد محدود من المستوردين وكبار التجّار الذين يتحكمون في السوق ويتلاعبون بالأسعار بداعي أنها مواد غير ضرورية بينما هي كذلك بالنظر للقيمة الغذائية في غياب وجود مرصد للاستيراد يكشف بانتظام مؤشرات الأسعار لدى بلد الإنتاج وأسواق التصدير ومن ثمّة يمكن ضبط هوامش الربح بالنسبة لكل الحلقات المتدخلة في التسويق.
وفي ضوء هذا المشهد القائم بكل ما يثيره من تساؤلات ويظهره من تناقضات، فإن القطاع الفلاحي هو الطرف الكفيل بأن يقدم الإجابات يليه قطاع الصناعة الغذائية الذي لا يزال على مستوى صناعة المشروبات من خلال استيراد المدخلات والمواد الأولية المصنعة لتحويلها إلى مواد ذات كلفة خاصة من حيث إدراج السكر والحليب المدعمين من الدولة، بينما يتطلب الوضع اليوم تحولهم إلى الاستثمار في الفرع الذي يشهد انتعاشا غير مسبوق.
لقد حان الوقت لأن يلتفت كل قطاع للآخر ضمن رؤية اقتصادية وطنية متكاملة ينجز فيها كل طرف مهمته بالمعايير المطلوبة ونحو هدف واحد يتمثل في كسب رهان بناء اقتصاد إنتاجي ومتنوع بحيث يتحمّل الجميع جانبا من المسؤولية في رفع التحدي الذي لا مفرّ من تجاوزه في المدى القصير باقتصاد النفقات وترشيدها والتقليص من الاستيراد كلما أمكن إنتاج البديل محليا وهو أمر ممكن إذا ما حرص المتعاملون على انجاز المعادلة والحفاظ على توازن عناصرها.
ويبقى كبار المستوردين لهذه المواد من وجهات محددة أول المستفيدين من غياب الإنتاج المحلي بالمعنى الاقتصادي السليم وضعف المنافسة.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019
العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019