عاشوراء في عيون الجزائريين

عادات تكرس التكافل الاجتماعي والأسري

فتيحة/ك

كانت وما تزال المناسبات الدينية فرصة ذهبية للكثير من افراد المجتمع للالتقاء

و تجديد الترابط الاخوي بين افراد العائلة ، وغالبا ما تكون العادات و التقاليد التي تميز المناسبة تكرس التكافل الاجتماعي... ولن تصنع عاشوراء الاسثناء لانها مناسبة ارتبط اسمها منذ اجيال عديدة بالزكاة و الصيام و “اللمة العائلية”......
في هذا الاستطلاع سالت “الشعب” المواطنين عما يميز ليلة التاسع من محرم و كيف يحتفلون بيوم انجى الله تعالى فيه  موسى من فرعون وأيده بمعجزة شق البحر.....
فرحة بانتصار موسى عليه السلام على فرعون
فتيحة بن زراري ، 50 سنة ، ام ماكثة بالبيت وجدناها تتسوق بساحة الشهداء أجابت عن سؤال “الشعب” قائلة:« لعاشوراء في الدين الإسلامي مكانة مميزة خاصة وان الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بصيامها لأنها تمثل اليوم الذي انتصر فيه  الحق على الباطل و أعلى الله تعالى فيه كلمته وانجي موسى عليه السلام وقومه من فرعون بمعجزة شق البحر ، لذلك أهم تقليد توارثته الأجيال عبر الزمن هو صيام ليلة التاسوعاء والعاشوراء أو العاشوراء والحادي عشر ، لذلك تكون وجبة الإفطار غنية بمختلف الأطباق التقليدية خاصة “التريدة” التي تحضر خصيصا لهذه الليلة أين تطهى بلحم أضحية العيد، كما تخضب الحناء أيدي الفتيات الصغيرات أما في الماضي فكانت الأمهات تخضب شعر بناتهنّ بها حتى يزداد طوله وكثافته.”
وأضافت فتيحة قائلة:« المناسبة مرتبطة بالصيام فمعانيه الروحية أعطتها طابعا خاصا كباقي المناسبات الدينية حيث تجتمع العائلة في بيت واحد لتكون فرصة ذهبية لتجديد العلاقات الأسرية ومنحها دفعة قوية لتكون أكثر صلابة ، أيضا هي فرصة ليجتمع الأحفاد ليتعرفوا أكثر على بعضهم البعض فالكل يعلم أن الروتين اليومي و التكنولوجيات الحديثة أضعفت العلاقات الاجتماعية وجعلتها هشة ، لذلك تكون المناسبات الدينية فرصة لإعطائها جرعة أوكسجين لتحيى من جديد.”
و استطردت فتيحة قائلة:« لعل أهم ما أحب في تلك الليلة تقليد جميل يتمثل في وضع اصغر الأحفاد في “جفنة”  نرمي عليه “التراز” الذي نشتريه مسبقا للاحتفال بعاشوراء ، ليوزع بعد ذلك على جميع أطفال العائلة بل وحتى شبابها لتكون أيامهم حلوة مليئة بالحب وتنبض بالحياة”
«العشور” زكاة تكرس العدالة الاجتماعية
موني جمّال، 60 سنة أكدت في حديثها إلى “الشعب” أن عاشوراء مناسبة دينية تعكس عاداتها تآزر المجتمع و تكافله قائلة:« عاشوراء ليس فقط للأكل و الشرب لأنها مناسبة  أكثر من ذلك بكثير ، فعندما كنت أعيش مع أهلي  كان  والدي دائما يتصدق بـ«العشور” في هذا اليوم ، فالزكاة معنى يضيف لهذا اليوم معاني إنسانية نبيلة ، وعندما يخرج الغني زكاته ليعطيها الفقراء فهو تحقيق لمبدأ التكافل والتضامن ، وهو أيضا صورة قوية لارتباط هذا الشعب بدينه و بأركانه الخمسة، فإلي جانب الصيام تعتبر الزكاة أهم ما نراه في يوم يرسخ لانتصار الحق على الباطل، الأمر الذي جعل الجزائريين ومنذ احتضانهم الإسلام يميزون هذا اليوم بعادات و تقاليد تعكس في مضمونها حب هذا الشعب له، فحتى الأطباق التي تحضر في هذه الليلة كلها معدة من القمح سواء كانت “كسكسي” او “رشتة” او “تريدة” او “تشخشوخة” ، فالمهم “ أن يكون في تلك الليلة “الفوار” تيمنا لسنة مباركة فيها من الخير الكثير ، لان مثل هذه الأطباق “زاكية” و يتضاعف حجمها بعد طهيها، لذلك تكون دائما أهم ما يميز المناسبات الدينية”.
و أكدت موني قائلة:« في السنوات الأخيرة عرفت العلاقات الاجتماعية بعض الفتور بسبب التسارع الذي تعرفه الحياة بصفة عامة ، فالكل يريد تحقيق أحلامه في اقصر وقت ممكن ، ما جعلهم ينسون في خضم ذلك العائلة والطاقة الايجابية التي تعطيها لكل فرد داخلها لان الإنسان بحاجة دائمة إلى جرعات حنان وحب ليستطيع الشعور بذاته وامتداده الإنساني داخل نسيج الأسرة ، فانا مثلا أم لثلاثة أبناء متزوجين منذ سنتين صارت زوجاتهم تفضلنّ البقاء في بيوتهنّ على المجيء إلى بيت أهل الزوج ، لأنهن متعبات ولا تستطعنّ غسل الصحون والأطباق أو المساعدة في تحضير وجبة العشاء ، بل وصل بواحدة منهنّ إلى الذهاب إلى أهلها مع أبنائها للاحتفال بعاشوراء أما زوجها فيأتي إلينا ليتناول وجبة العشاء ويغادر مسرعا حتى لا تغضب زوجته، هذا الشرخ الذي أحدثته مثل هذه السلوكيات سيكون له أثار مدمر على العائلة مستقبلا، فنحن كبرنا على “اللمة” و الأخوة ربما لأننا لم نكن نعرف بعد التكنولوجيا التي حولت الفرد إلى كائن يعيش في عالمه الخاص بعيدا عن الآخرين.”

«بوقشة” طبقي المفضل في المناسبة

محمد بائع بساحة الشهداء ، سألناه عن الإقبال الذي تعرفه الأسواق في هذه الأيام فأجاب:« تقبل الكثير من النسوة على شراء الفواكه الجافة والحلويات لتحضر “التراز” بمناسبة عاشوراء ، فيما تفضل بعضهن اقتناءه محضرا من المحلات حيث يباع هذا الخليط حسب الرغبة وحسب المبلغ الذي يريده الزبون ، لذلك اقوم بتحضير كمية منه باللوز والجوز و الحلويات و الشيكولاطة و الحلقومة طبعا التي تعرف اقبالا كبيرا في السنوات الاخيرة خاصة في عاشوراء و المولد النبوي، بالاضافة الى “التراز” نجد النسوة يقبلن على شراء الاطباق التقليدية كالكسكس و “التشخشوخة” و “التريدة” ،«التليلتلي” دون ان ننسى الرشتة.”
و لاحظ قائلا:« يعكس الاقبال الذي تعرفه الاسواق الجزائرية في مختلف المناسبات الدينية تشبث المجتمع باصوله رغم كل شيئ ، فالعادات والتقاليد هي معلم مهم لهويتنا لانها مراة لجذورنا عبر التاريخ، وفخر يزيدنا اعتزازا جزائريتنا.”
و عن عاداتهم في عاشوراء قال:«الى جانب الطبق التقليدي الذي غالبا ما يكون تشخشوخة تحضر والدي وجبة خاصة لذيذة جدا لهذه المناسبة وهي طبق “بوقشة” الذي يحضر من الدقيق و التمر وامعاء اضحية العيد، فبعد ان تغسل الامعاء الغليظة و “الدوارة” تقوم امي بوضعها في الملح لليلة كاملة حتى لا تتعفن فيما بعد في اليوم الموالي اي ثاني ايام عيد الاضحى تقوم بنفخها وربطها ثم تعليقها تحت اشعة الشمس لتجف، وتبقة على ذلك الحال حتى ليلة التاسع من محرم اي “عشات عاشورا” ، اين توضع في الماء الساخن وتغسل من الملح ، ثم يحضر خليط من التمر المقطع الى قطع صغيرة و الدقيق المتوسط و الملح و زيت الزيتون، تملئ الامعاء بالخليط و توضع في الماء على النار ليطهى، اخيرتني والدتي انهم في الماضي كان الطبق يحضر صباحا لانه ياخذ وقت كبير لينضج ، لكن اليوم وبفضل قدر الطهي السريع اصبح الطبق يستوي في ساعتين فقط”.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019
العدد18072

العدد18072

الأحد 13 أكتوير 2019
العدد18071

العدد18071

السبت 12 أكتوير 2019
العدد18070

العدد18070

الجمعة 11 أكتوير 2019