الخبير الطاقوي مهماه بوزيان:

الجزائر تمتلك مقومات بعث مشاريع رائدة في الطاقات المتجدّدة

حاورته: فضيلة بودريش

«أوبك» لا تحتاج إلى المزيد من التخفيض و الحلّ في احتواء فيروس «كورونا»

خصّ الدكتور مهماه بوزيان، الخبير الطاقوي «الشعب الاقتصادي»، بحوار حول وضع السوق النفطي في الفترة الراهنة بسبب تأثيرات فيروس كورونا على الطلب وتراجع الأسعار، وعاد ليتحدث بالتفصيل عن مبادرة «ديزارتيك»، مسلطا الضوء على إيجابياتها وسلبياتها، وما تبقى منها حاليا، في إطار التطلع لتعميق الاستثمار في مجال الطاقات المتجدّدة.

- الشعب: ماذا بقي من مشروع «ديزيرتيك» الذي كانت ستنجزه الجزائر مع الشريك الألماني ؟
 الدكتور مهماه بوزيان: خلال الحديث عن «ديزيرتيك»، ينبغي استحضار المفهوم الذي تأسس عليه هذا المشروع الذي أطلق عليه منذ بداياته صفة «المشروع الفرعوني»، فـ «ديزيرتيك»  توصيف لإمكانية المزاوجة بين حزامين، الحزام الشمالي (شمال حوض المتوسط) والحزام التكنولوجي Tech ) والحزام الجنوبي (جنوب المتوسط) يعني الحزام الصحراوي (الساحل الصحراوي Desert)، إلى هنا من الممكن اعتبار الدعوة لهذه المزاوجة عادية وبريئة، لكن سبر أغوار خلفية المشروع تجعلنا نقول بأنه تقف وراءه نظرة استعلائية تتغذى من نزعة «ما بعد الكولونيالية»، تلك النزعة التي تجعل من هذه الثنائية هدفا لضمّ الصحراء القاحلة المهملة غير المستغلة في نظر دول الشمال الصناعية الغنية المُتخمة من الرفاهية المفاخرة بقوتها التكنولوجية لتلبية حاجتهم الشرهة إلى الطاقة. إذا مشروع «ديزيرتيك» خرج تصميمه وأرضيته من «نادي روما» وهذا موثّق في كل أدبيات المشروع، هذا النادي الذي أصدر تقريره الشهير «وقف النمو» ثم «حدود النمو» في سنة 1972، وأصبح هذا التقرير بعد ذلك كأحد أهم المصادر في علم اقتصاديات السكان، وأدرج ضمن النظريات في هذا الحقل تحت مسمى (نموذج نادي روما)، وهو في حقيقة الأمر يعد النسخة المهذبة لنظرية مالتوس المنادية بضرورة الحدّ من النمو السكاني، لذلك جاء عمل نادي روما لتطبيق ذلك على دول العالم الثالث، هذا التقرير الذي أدرج في العروض الأولى لمبادرة ديزيرتيك. مع التذكير بتقاطع طروحات النادي مع توجهات «هنري كيسنجر» وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي، وتتماهى أيضا مع طروحات الداعين إلى ترحيل التلوث نحو دول الجنوب الإفريقية. وسأكتفي بإستحضار ما هو مدوّن في الأرضية المؤسسة لـ «مبادرة ديزيرتيك». فالمشروع لم يكن في الأساس مطروحا كشراكة ثنائية بين ألمانيا والجزائر (كما يروّج له، بل ذلك للأسف يعد تغليطا للرأي العام الوطني)، وليس واردا فيه أصلا أنه سيكون مشروعا بين الحكومة الألمانية والحكومة الجزائرية، لأنه ببساطة يقوم كمبادرة على جملة عناصر، أولها، يقوم على فكرة الشبكة، وتشبيك المحطات من المملكة المغربية مرورا بالجزائر ووصولا إلى الأراضي الفلسطينية والأردن ثم ليمتد إلى المملكة العربية السعودية، وثانيها، المبادرة تقوم على تجنيد المجتمعات المدنية والعلمية والإعلامية والمؤسسات الصناعية الخاصة للانخراط في المشروع والترويج له، تهدف لتشكيل كتلة داخلية ضاغطة على حكوماتها، وثالثها، الشبكة الكهربائية العالية التوصيل التي سيتم إنشاؤها والممتدة فيما بين حدود الدول والعابرة للمتوسط، ستُنشأ لها هيئة إدارة وتسيير عليا «فوق الحكومات الوطنية»، هكذا سميت في الوثائق، بمعنى أن إدارة ضخ الكهرباء المنتجة من المصادر المتجدّدة على امتداد جغرافيا منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط لن تخضع لسلطة الحكومات الوطنية، بل تمنعها من التدخل فيها (!!!)، ورابعها الدفع للتطبيع مع اسرائيل وخامسا الإنضمام إلى «شبكة ديزيرتيك» حيث سيكون بمثابة تصديق على المقترح المغربي ضمن هذه المبادرة، وهو تشغيل محطة رياح على طول ساحل الصحراء الغربية، إنطلاقا من منطقة طرفايا ووصولا إلى نواقشوط على طول 1200 كلم، وبالتالي اعترافاً له من قبل مجتمعنا المدني والعلمي والإعلامي ورجال المال والأعمال والصناعيين لدينا على أحقيته في الأراضي الصحراوية، لذا لا يمكنني القبول بعضوية «ديزرتك» مهما كانت فضائله، حيث أن المشروع، كما هو موّضح في أدبياته التي تعرضه، يهدف إلى توفير 15 ٪ من حاجة أوروبا من الطاقة الكهربائية، وليس موجّه لنا شيء من ذلك، أي سيعرضون علينا فقط منحنا أتاوات ورسوم كحق طبيعي مقابل استغلالهم لصحرائنا لوضع محطات الطاقة الشمسية الحرارية لإنتاج الكهرباء وضخّها في الشبكة العابرة للمتوسط، كذلك لا يوجد أي إلتزام في أرضية المشروع لنقل التكنولوجيا للحزام الجنوبي، ولا يوجد أي إلتزام بخلق مناصب شغل نوعية لصالح دول الجنوب، مع العلم بأن الطاقة الشمسية الحرارية تعد الفرع الأقل خلقا لمناصب الشغل ضمن كلّ فروع الطاقات المتجدّدة في العالم بأسره، بينما ينبغي لنا المشاركة كفاعلين في الفضاء جنوب المتوسط في جمع 400 مليار أورو (560 مليار دولار آنذاك) لصالح إقامة المشروع. والمهم التذكير بعد كل هذا أنه بعد ثلاث سنوات فقط من إطلاق هذا المشروع، توقفت مسيرته لثلاثة أسباب رئيسية، أولها بداية الإنسحاب من المشروع، حيث انسحبت منه سنة 2012 شركتان ألمانيتان رائدتان ومؤسستان له وهما (سيمنس، و بوش صولار إنرجي)، نتيجة للضربة القاسمة التي وجهتها الصين لأسعار وأسواق الكهروضوئي، حيث اضطرت شركة «سيمنس» للانسحاب نهائيا من سوق الطاقة الشمسية. وثانيهما، عدم التمكن من بناء التركيبة المالية، وثالثهما، معارضة شخصيات علمية بارزة للمشروع وانتقادهم له، على سبيل الذكر «هيرمان شير» أب القوانين الألمانية لصالح الطاقات المتجدّدة، ورئيس «يوروصولار» وعمدة اللّوبي الأوروبي لشركات الطاقة الشمسية، والمؤسس للوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة بأبو ظبي في سنة 2009، وهي نفس سنة إطلاق مبادرة «ديزيرتيك»، والذي عارض المشروع من حيث طبيعة الفكرة ومضمونها وغياب الجدوى ورافع ضده في العديد من المناسبات.

مشروع جزائري ياباني واعد
- «الشعب»: بحكم أنه صار حتمية الإنخراط في ديناميكية عالية للطاقات المتجدّدة، هل توجد مشاريع يمكن للجزائر أن تنجزها بثقل مشروع «ديزيرتيك» ؟
  أعتقد بأن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه، إذا كنا نرغب فعلا في إقامة مشاريع رائدة في مجال الطاقات المتجدّدة..ما الذي يمكن أن نتعلمه من مبادرات التمويل الجماعي الفاشلة للطاقة المتجدّدة ؟ .. على خلفية أن التقييمات التي أجريت على أكثر المشاريع الطاقوية إثارة للإهتمام عالميا في مجال المصادر المتجدّدة، بيّنت بأنه بالنسبة لكل مشروع ناجح يوجد في المقابل مشروعان في المتوسط لا يتم تمويلهما، تختلف الأسباب الكامنة وراء مثل هذه الإخفاقات من مشروع إلى آخر، لكن ببساطة توجد ثلاثة أسباب شائعة للفشل، كوضع هدف تمويل طموح للغاية غير قابل للتحقيق، أو كون المشروع غير واقعي بما يجعل فكرة المشروع تبدو وكأنها خداعاً علميا وتكنولوجيا للداعمين المحتملين، كما أن التجارب المختلفة بيّنت بأن أموال الشركات الكبرى، على الرغم من سهولة الحصول عليها، فإنها تأتي عادة مع جداول أعمال خفية، لذلك تنزلق عادة بعض المشاريع العملاقة ضمن منظور أجندات جيواستراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الرواد الوطنيين يقاومون الانخراط فيها، خاصة مع إدراكهم أنها سترهن بلدانهم على مدى عقود كاملة، كما هو الحال مع «مبادرة ديزيرتيك» التي تضع لها سقفا لإكتمال تشبيك كامل الفضاء الجغرافي لشمال إفريقيا والشرق الأوسط مع أوروبا في آفاق 2050، ولنتصور بعد ذلك مكانة القرار الوطني ومصير سيادة الدول ضمن تدفقات هذه الشبكة ؟؟!!
وأيضا ينبغي لنا لفت الانتباه إلى وجود مشاريع أخرى واعدة في مجال الطاقة الشمسية بخلاف «ديزيرتيك»، أذكر على سبيل المثال مشروعين رائدين، وهما: مشروع البرنامج الجزائري الياباني «صحراء صولار بريدر أس أس بي» الذي تشرف عليه المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، والذي أُطلقت دراسة الجدوى له سنة 2011، لإنتاج الألواح الشمسية، من خلال استغلال الإحتياطي الهام من مادة السيليسيوم الخام الذي تحوز عليه الجزائر على محور التنس (الشلف) وسيدي بلعباس، وأيضا صناعة الكوابل الفائقة الموصلية التي سيتم بواسطتها نقل الطاقة الكهربائية المنتجة على الأراضي الجزائرية بكفاءة عالية إلى مسافات بعيدة عابرة للبحار والمحيط. هذا المشروع الذي عملت عليه 8 جامعات ومخابر بحث يابانية بالشراكة مع 4 مؤسسات جامعية وبحثية جزائرية سمح بتكوين 26 باحثا جزائريا. مع التذكير بأن الجزائر التي تمتلك مركز بحث علمي متخصص في الأبحاث المتقدمة للسيليسيوم سيمكنها استغلال الإحتياطي الهام من هذه مادة من مداخيل هامة من العملة الصعبة، خاصة أن أسعار السيليسيوم تضاعفت أكثر من 5 مرات في السوق الدولية في الفترة الأخيرة فقط. والمشروع الثاني الرائد هو مشروع «ميدهيصول» وهو مشروع لإنتاج الهيدروجين عن طريق الطاقة الشمسية في الصحراء الجزائرية ونقله في أنابيب عابرة للمتوسط نحو السوق الأوروبية، وقد أشرفنا على بعثه سنة 2005، كما أجرينا دراسة الجدوى التقنية له، لكنه للأسف توقف لحظة ميلاده، لأننا رفضنا عن قناعة راسخة انضمام باحثين و فنيين من الكيان الصهيوني لهذا المشروع. مع التذكير أنه في الدراسة العلمية والتقنية التي عرضت في لقاء القمة لـ (اقتصاديات العشرين) التي عقدت باليابان في جوان 2019، تمت التوصية بالتوجه إلى تطوير تكنولوجيات الهيدروجين الطاقوي وبأن مستقبل هذا التوجه يكمن في شمال إفريقيا، وهي توصية جاءت 15 سنة بعد دراستنا وعملنا البحثي الجزائري المحض.
لكن المهم في كلّ هذا، أنه ينبغي التأكيد بأن الجزائر تمتلك كل العناصر الكفيلة ببعث مشاريع هامة ورائدة في مجال الطاقات المتجدّدة، خاصة الطاقة الشمسية، مع وجود «محافظة الطاقات المتجدّدة والفعالية الطاقوية» التي تمثل إطارا تنظيميا واستراتيجيا لتنسيق الجهد الوطني في مجال تطوير منظومة الطاقات المتجدّدة مستقبلا، والأمر يحتاج فقط إلى تفعيل هذا الإطار، مع التوّجه إلى تجسيد المشاريع في إطار العلاقات الدولية الثنائية، دون أن نغفل على المقدرات العلمية والبحثية والبشرية التي تتوفر عليها الجزائر على مستوى مركز تنمية الطاقات المتجدّدة بمركزه الوطني ببوزريعة ووحداته العلمية الثلاث (تيبازة، غرداية، أدرار) والذي يعد جوهرة علمية تستحق كل العناية اللازمة والتكفل بإنشغالات الباحثيت المنتمين له، بغية النهوض بقطاع الطاقات المتجدّدة مستقبلا بإذن الله.

احتواء فيروس كورونا يوقف تأثر الأسواق  

-  ما هي قراءاتكم للتأثيرات السلبية لوباء فيروس كورونا على سوق النفط العالمية ؟
 لبناء عناصر موضوعية تساعد على التنبؤ، يمكن الإستعانة بما يخبرنا به «وباء السارس»، منذ ما يقرب من 17 عامًا (2002-2003) حول التأثير المحتمل لفيروس كورونا الصيني على سوق النفط وأسواق مختلف الخامات من المعادن، فقد شهد اندلاع السارس آنذاك تسجيل إصابة أكثر من 8 آلاف حالة في 26 دولة وما يقرب من 800 حالة وفاة، لكن التأثير الإجمالي لتفشي الفيروس آنذاك كان متواضعا وقصير الأجل على الاقتصاد العالمي، وكذلك على قطاع السلع الأساسية، لذلك نجد أنه مع بدايات تفشي الوباء وتفاقم حالة الهلع في العشرة أيام الثالثة من الشهر الماضي، كان تقييم أثر «فيروس كورونا الجديد» متواضعا جدا، حيث كانت التقييمات في جلّها تتجه إلى التوقع بأن يكون هذا المرض أقل فتكا وأفضل احتواء مقارنة مع الاضطراب الاقتصادي الكبير المتعلق بالسارس والذي تبين في النهاية أنه مؤقت، حيث انخفضت آنذاك أسعار النفط بحوالي 20  ٪، لكن عندما تباطأت وتيرة الحالات الجديدة المبلغ عنها، في نهاية المطاف بعد تفشي الوباء لمدة دامت 5 أشهر تقريبًا، تراجع مستوى الخوف المرتفع، ثم أعقب ذلك تعافيًّا سريعا في النشاط الإقليمي ككل. لكننا اليوم مع بروز 3 عوامل بارزة ميّزت فيروس كورونا عن السارس والأنواع الأخرى من الأوبئة أولاً، حجم الحجر الصحي الواسع في جميع أنحاء الصين وثانيا، تجاوز عدد الضحايا في فترة قصيرة لضعف ما تركه السارس من خسائر بشرية، وثالثا حجم توقف حركة النقل والتنقل نحو الصين واتساع موجة مقاطعة التوجه نحوها وغلق الحدود معها وتراجع التعاملات التجارية مع الصين وتوسع ذلك، بما يجعلنا نتوقع أن يكون الأثر أكبر وسريعا عما كان عليه الوضع مع فيروس السارس، وسنشهد مزيدا من التباطؤ في الإنتاج الصناعي داخل الصين، وسيمتد أثر ذلك ليكبح دوران الآلات الصناعية خارج الصين، حيث نتوقع توقفا كليًّا لصناعة النسيج والألياف الصناعية الصينية، مع تسجيل تراجع في الطلب على المعادن الأساسية كالنحاس والزنك، خاصة وأن الصين تمثل حوالي نصف الطلب العالمي على معدن النحاس، وهذا سيؤثر بشكل محسوس على مستويات الطلب على النفط والغاز، بما سيؤدي إلى تضخم فائض المعروض في أسواق خامات الطاقة العالمية، وهذا سيجبر سعر برميل النفط إلى التراجع أكثر، رغم كل المخاوف بشأن انقطاع الإمدادات في كلّ من ليبيا وإيران والعراق. لذلك نجد بأن أسعار النفط كانت يوم الجمعة 7 فيفري 2020 في طريقها لأطول فترة من الانخفاضات الأسبوعية، منذ نوفمبر 2018، بعد أن سجلت أسعار النفط الخام تراجعا مؤلما بنسبة 15 ٪، في شهر جانفي ككل، بما يُعد أكبر انخفاض شهري، منذ عام 1991، في أجواء يواصل فيها العالم عدّ الإصابات، ويواصل معها فيروس كورونا حصد المزيد من الأرواح، وتواصل الدول المزيد من إجراءات تضييق السفر ومضاعفة قيود التنقل إلى الصين، يعمّقها إعلان منظمة الصّحة العالمية عن حالة طوارئ صحية عالمية.
لذلك أعتقد أنه من المرجح أن يتسبب تفشي فيروس كورونا في أسوأ «صدمة طلب لأسواق النفط» منذ الأزمة المالية في 2008-2009، حيث مع بدايات هذا الشهر سُجل انخفاض في الطلب الصيني على النفط بنسبة 20 ٪ مقارنة بالطلب المعتاد لهذا الموسم، بما يساوي حوالي 3 ملايين برميل يوميًا وهو أكبر صدمة مفاجئة للطلب العالمي على النفط منذ 11 سبتمبر، كما ظهرت تقارير تفيد بأن شركات التكرير الصينية، ومنها مصافي التكرير المستقلة في مقاطعة شاندونغ الصينية في الشرق التي تقوم بخفض قدرات تشغيلها وسط ضعف الطلب على الوقود، وبالفعل نجد تخفيضاتها تتراوح بين 30 و 50 ٪، وقد وصلت للعمل الآن بأقل من نصف طاقتها التكريرية، كما خفّضت مصافي شركة البترول والكيماويات الصينية (سينوبك) أكبر مصفاة للتكرير في آسيا، حيث وصل حجم تخفيضات إنتاجها اليومي نحو 600 ألف برميل في شهر فيفري الحالي، في وقت تسعى فيه مختلف شركات تجارة السلع الأساسية وشركات النفط الكبرى إلى البحث عن مشترين فوريين للنفط الخام خارج الصين. كما أنه يسجل تراجعا ملحوظاً في الطلب على وقود الطائرات (الوقود النفاث) بسبب توقف شركات الطيران العالمية عن الاشتغال على الخطوط نحو الصين. في مثل هذه الأجواء من المتوقع أن يتسبب التباطؤ الاقتصادي الناجم عن تفشي المرض في خفض الاستهلاك العالمي بمقدار يتراوح بين (300 ألف إلى 500 ألف برميل يوميا) لكامل العام الحالي 2020، حيث نجد كلّ المكاتب الإستشارية العالمية للطاقة سارعت لنشر مراجعات سلبية لتوقعاتها السنوية لنمو الطلب على النفط في الصين لعام 2020، وبالتالي بالنسبة لحالة السوق النفطية العالمية.

الطلب على النفط سينتعش خلال الصيف

-  ما هو المنتظر من «أوبك +» في لقائها الذي جرى تقديمه؟ وهل من المتوّقع أن تُعاود أسعار النفط الإنتعاش، خلال الثلاثي الثاني من هذه السنة؟
  مقترحي منذ الانهيار المريع لأسعار برميل النفط، دعوة أسرة أوبك وبعدها المجموعة الموّسعة «أوبك+» بضرورة إجراء تخفيضات عميقة في مستويات إنتاجهم كدول وكمجموعة، وكنت أعيب على «أوبك» بطء وتيرة استجابتها لديناميكية الأسواق، وتركها لخام النفط حتى يطفو على سطح التداولات ثم تتحرك لإجراء تخفيضات، أقول إذا كنت قبل اليوم من المطالبين بمزيد من التخفيضات كحلّ لمواجهة تراجع أسعار برميل خام النفط، لإعتقادي بأن كل كمية يتم سحبها طوعا ستكون بمثابة تجفيف لبقع الزيت المنسكب في الأسواق بما يدفع برميل النفط إلى الانزلاق والتهاوي ويزيد من كآبة الأسواق النفطية والمزيد من تضرر نفسيتها، فإنني هذه المرة لا أشاطر فكرة «إجراء المزيد من التخفيضات» في إجتماع «أوبك +» الذي جرى تقديمه عن موعده المقرر سابقا في شهر مارس، وأقول أنني لا أقاسم اللّجنة الفنية لتحالف «أوبك +» رأيها فيما تضمنته التوصيات التي خلصت إليها في إجتماعها نهاية الأسبوع المنصرم، كونها أوصت إلى «خفض إضافي في حدود 600 ألف برميل يوميا، كإستجابة لتراجع الطلب على النفط بسبب تفشي فيروس كورونا». في هذا الوقت بالذات وفي هذه الظروف لا أرى جدوى من القيام بالمزيد من التخفيضات، أولاً، حتى لا نقع في فخ ملاحقة مسارات مجهولة النهاية، حيث كلّ مرة نلجأ إلى مزيد من التخفيض، لكن هذه التخفيضات لم تستطع دعم سعر برميل خام النفط والدفع به إلى مستوى ما فوق  70 دولارا. ثانياً، أعتقد أنه يتعيّن علينا هذه المرة المقاومة والتعايش مع سعر برميل منخفض حتى تنكشف مآلات «جائحة وباء فيروس كورونا المميت» الذي ضرب الأسواق بقوة، لأنه في اعتقادي أن الأسواق بحاجة الآن إلى تطمينات وليس إلى بث المزيد من الهلع، والإقتصاد العالمي اليوم هو بحاجة أكثر لعوامل تغذي استقرار الأسواق حتى وإن تراجع سعر برميل النفط، فالحفاظ على المستويات الحالية من الإنتاج مع تكريس روح الإلتزام الصارم بمستوياتها سيكون أثره أقوى من أي إجراء يقوم على مزيد من التخفيضات يصحبه تشكيك في مدى الإلتزام، أو إستمرار التململ لدى عدد من الأعضاء على غرار روسيا مثلا، هذا ما يخيف الأسواق أكثر، وسيزيد من هشاشة أسعار برميل النفط. وثالثاً، أعتقد أنه حتى وإن دفعت قوة التخفيضات سعر النفط إلى الإرتفاع سريعا، فسيبقى التخوّف كذلك من تهاويه سريعا في حالة حدوث أي اختلال يؤدي إلى تدفقات إضافية في الإمدادات مستقبلا داخل «أوبك +» أو خارجها. ورابعاً، أعتقد أنه يتوجب على أكبر منتج داخل أوبك، ألا وهو المملكة العربية السعودية أن تتنازل في مثل هذه الظروف عن هدف الوصول بالأسعار إلى مستوى السعر المرجعي الذي بنت عليه موازنتها لهذا العام، وهو 80 دولارًا لبرميل برنت الخام القياسي العالمي. لأنه إذا قمنا بتبني السيناريو الأكثر تفاؤلا والقائل بأن احتواء المرض القاتل سيتحقق مع بدايات الربع الثاني من هذا العام، فمن المحتمل أن نشهد فيما تبقى من الربع الأول لهذا العام 2020 انخفاضا في الطلب الصيني على النفط بأكثر من 500 ألف برميل في اليوم، مقارنةً بالربع الرابع من العام الماضي 2019، ثم سيعقب ذلك انتعاشا قويا في الطلب مع بدايات فصل الصيف، قياساً بما شهده العالم بعد احتواء وباء السارس في عام 2003. وحتى مع هذا التفاؤل في الاحتواء والتحكم والانتعاش، ينبغي لنا أن نستعد إلى تراجع إجمالي للطلب السنوي على النفط في الصين لهذا العام بأكثر من 200 ألف برميل يوميا كمتوسط عام، وهذا ما يدعونا إلى التهيؤ للتعايش مع سعر برميل منخفض لن يبتعد كثيرا عن فوهة التجويف السعري (58-62 دولارا للبرميل) الذي بقي يحتجزه خلال أغلب فترات السنة الماضية 2019.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18213

العدد18213

السبت 28 مارس 2020
العدد18212

العدد18212

الجمعة 27 مارس 2020
العدد18211

العدد18211

الأربعاء 25 مارس 2020
العدد18210

العدد18210

الثلاثاء 24 مارس 2020