حشماوي محمد دكتور في الاقتصاد لـ « الشعب»

الاحتياطات المالية تغطي 27 شهرا من الاستيراد

اجرى الحوار: سعيد بن عياد

سجّل احتياطي الصّرف بالعملة الصّعبة تراجعا يثير الانشغال ويطرح التّساؤل في ظرف يتميز بتداعيات شديدة للصّدمة المالية الخارجية على الجهاز الاقتصادي.  ولتفكيك العقدة وتسليط الضّوء على الجوانب المفصلية للموضوع، يتناول هذا الحوار مع الأستاذ محمد حشماوي المتخصّص في الشأن الاقتصادي تطورات المؤشرات المالية وانعكاساتها على الأمن المالي، ويطرح البدائل الممكنة للتقليل من الانعكاسات المترتبة على انهيار أسعار المحروقات. ويقف المحاور بلغة هادئة ومتبصرة عند مسالة ترشيد النّفقات ومساهمة القطاع الوطني الخاص في الحفاظ على وتيرة النمو مسجلا ضرورة التصدي للسوق الموازية وضرورة جذب اهتمام الجالية الوطنية المقيمة بالخارج كقوة إضافية جديرة بالمشاركة بعقلانية وواقعية في المجهود الوطني للتصدي للأزمة.

❊ الشعب: كشف محافظ بنك الجزائر عن تراجع احتياطي الصرف إلى ١١٤ مليار دولار نهاية ٢٠١٦،  لماذا هذا التّراجع السّريع؟ وهل يوفّر الرّصيد القوة المالية لمواجهة هذا الظّرف؟
❊❊ الأستاذ محمد حشماوي: جاء تقرير محافظ بنك الجزائر ليؤكّد الاتجاهات التنازلية لبعض المؤشّرات الاقتصادية كالاحتياطات من العملة الصعبة التي انتقلت من ٢٠٠ مليار دولار سنة ٢٠١٤ إلى ١١٤ مليار دولار سنة ٢٠١٦ أي انخفاض بـ ٥٧ ٪ في ظرف سنتين مع تسجيل ارتفاع درجة هذا الانخفاض من سنة لأخرى، بحيث اتنخفضت هذه الاحتياطات بـ ٣٠ مليار دولار ما بين سنة ٢٠١٥ و٢٠١٦، بحيث بلغت ١١٤ مليار دولار سنة ٢٠١٦ مقابل ١٤٤ مليار سنة ٢٠١٥، وهذا يدل على الوتيرة المقلقة لهذا التراجع. ويرجع هذا التآكل إلى التأتير المزدوج لانخفاض أسعار المحروقات، وإلى الارتفاع الكبير للواردات وانخفاض الإيرادات من المحروقات بلغت ٥٠٪ ما بين سنتي، بحيث انتقلت من ٦٠ مليار دولار سنة ٢٠١٤ إلى ٣٠ مليار دولار سنة ٢٠١٦، في الوقت الذي انتقلت فيه قيمة الواردات إلى ٥٠ مليار دولار سنة ٢٠١٦ رغم بعض الإجراءات المتخذة لضبط وتأطير قطاع التجارة الخارجية.
والمقلق أيضا في هذه الوضعية المالية التي قدمها السيد المحافظ هو ضعف الآلة الانتاجية وعدم نجاعتها وتنافسيتها رغم كل ما رصد لها من أموال خلال السنوات الماضية، فالنتائج كانت عكسية بحيث نلاحظ ارتفاع النفقات العمومية مع انخفاض في معدلات النمو.
❊ إلى أيّ مدى يمكن اعتبار الأمن المالي للبلاد على درجة من الخطورة؟
❊❊ صحيح لقد أصبحت هذه الاتجاهات التّنازلية المستمرة للمؤشّرات الاقتصادية تخيف حسب الكثير من المحلّلين المتابعين للشّأن الاقتصادي خاصة عند الذين يرون الأمور من الزاوية المالية فقط، وبطريقة حسابية فالاحتياطات الحالية ستكفي لتغطية ٢٧ شهرا من الاستيراد، إلى افتراض أن قيمة الواردات ستبقى في حدود ٥٠ مليار دولار سنويا وبعدها ستتأزّم الأمور، لكن في اعتقادي ينبغي تحليل الأمور من عدة زوايا وليس من الزاوية المالية فقط. فالجزائر واعية بالظرف المالي والاقتصادي الصعب، وأخذت الكثير من التدابير والإجراءات لمواجهة هذا الظرف والخروج من هذه الضائقة بأقل التكاليف. فبالإضافة إلى التدابير المتعلقة بتنظيم التجارة الخارجية للضغط على الواردات وترفيه الصادرات اعتمدت الجزائر نموذجا إقتصاديا جديدا يهدف إلى ترشيد الانفاق العام مع الحفاظ على استمرار وتيرة النمو بالإبقاء على الاستمارات المولدة للقيمة المضافة مع إنشاء آليات جديدة للرفع من التحصيل الجبائي وتنويعه، وخلق منتوجات مالية جديدة لاستقطاب الأموال الموجودة خارج القنوات الرسمية للرفع من الادخار الوطني. كل هذه التدابير ترمي إلى إيجاد مصادر تمويلية جديدة للخزينة لمواجهة التحديات الاقتصادية والمالية المرتقبة.
❊ ما هي البدائل التي يمكن الرّهان عليها للحصول على موارد إضافية تعوّض الفارق الذي تفقده الخزينة العامة بسبب انهيار أسعار المحروقات؟
❊❊ سبق وأن ذكرت بعض الإجراءات والتدابير المتخذة لمواجهة هذا الظرف الاقتصادي الصعب، والتي تضمّنها قانون المالية لسنة ٢٠١٧، والتي تعد بداية لتنفيذ ما جاء به النموذج الاقتصادي الجديد، لكن الملاحظ هو أن محتوى هذا النموذج تغلب عليه الجانب المالي عن الجانب الاقتصادي، بحيث اهتم هذا النموذج بالبحث عن إيرادات ومصادر مالية جديدة لمواجهة العجز خلال السنوات القادمة أي على المدى المتوسط انطلاقا من توقعات لا نتحكم في تحقيقها بخصوص سوق المحروقات، وتجاهل الاهتمام بنجاعة وفعالية المؤسّسة الاقتصادية رغم بعض التّحفيزات الجبائية والمالية التي استفادت منها هذه المؤسّسات، بحيث أنّ الفعالية والنّجاعة مرتبطتين بالحكامة الجيّدة والتّدبير الحسن والتّجديد المستمر والبحث العلمي والمعرفي، وخلق المناخ الملاءئم بالاستثمار المنتج البديل الوحيد والأوحد، القادر على خلق الثّروة والفائض الدّائم والمموّل الرئيسي لعملية التّنمية، والخروج من الدائرة المفرغة للاقتصاد الجزائري باعتماده على رحمة وبركة سوق المحروقات التي تأتي أحيانا وتغيب أحيان أخرى.
فالاعتماد على الانفاق العام في تمويل الاقتصاد أصبح لا يكفي بدون الاعتماد على الادارة الجيّدة لهذه الأموال وتوجيهها توجيها سلبيا، وتجربة السنوات الماضية تؤكّد ذلك بحيث أنّ ارتفاع الاستثمارات العمومية لم يؤدّي إلى ارتفاع معدلات النمو والفائض الاقتصادي بل بالعكس انخفضت معدلات النمو، وارتفع عجز الميزانية مع انخفاض أسعار البترول.
❊ تمّ اعتماد خيار ترشيد الإنفاق العام لمواجهة تراجع إيرادات العملة الصّعبة، كيف يمكن تفعيله لتفادي السّقوط في التقشّف؟
❊❊ في ظل هذه الوضعية الصّعبة لابد من أخذ الإجراءات الضرورية لمواجهتها، ومن بين الخيارات الموجودة خيار ترشيد الاستهلاك العام، فالاستهلاك يعني الانفاق العام بشقّيه الاجتماعي والاقتصادي وبتوجّهاته المختلفة أي استهلاك العائلات، استهلاك المؤسّسات الانتاجية واستهلاك الإدارات، فخيار ترشيد النّفقات لا شك أنّه سيساهم في الرفع من الادّخار العام الذي سيوجّه بدوره إلى تمويل الاقتصاد، لكن التّرشيد لن يكون مجديا إلاّ إذا حدّدت بدقّة ما هي النّفقات التي ينبغي الاستغناء عنها أو تقليصها بدون المساس بالتّوازنات الاقتصادية والاجتماعية. ففي ظل غياب المعلومة، الإحصاء الدّقيق والسّليم لتحديد حجم ووجهة هذه النّفقات، فإنّه من الصّعب تخفيضها لكن من الممكن ترشيدها بالاعتماد على التدبير الحسن والإدارة الجيّدة، وترسيخ ثقافة الاستهلاك العقلاني لدى العائلات، ومن ثم تجنت في التقشف القاتل للقدرة الشّرائية للشّرائح الاجتماعية ذات الدخل المحدود.
❊ ألا يمكن للقطاع الوطني الخاص المساهمة في تمويل الاستثمار المنتج للثّروة، يبدو أنّه متردّد في وقت يشكّل الخطر المالي تهديدا للاقتصاد بكافة شركائه؟
❊❊ ظلّ القطاع الخاص يراوح مكانه منذ الاستقلال إلى غاية أواخر القرن الماضي لكن مع بداية الألفية الثالثة واعتماد السياسة المقاولاتية والانفتاح على القطاع الخاص الوطني والأجنبي تعزّزت مكانة ودور هذا القطاع بالواقع الاقتصادي الجديد أصبح لا يميّز بين القطاع العام والقطاع الخاص.
فبالموازاة مع إصلاح القطاع العام أولت السّلطات أهمية بالغة للقطاع الخاص، وبالأخص قطاع المؤسسات الصّغيرة والمتوسّطة، فمنذ صدور قانون ٢٠٠١ المتضمّن القانون التّوجيهي لهذه المؤسّسات، عرفت هذه الأخيرة تطوّرا مستمرّا من حيث العدد والمرافقة المالية والتّأهيلية، واستفادت هذه المؤسّسات من عدة إجراءات تحفيزية كالاعفاء الضّريبي وأسعار الفائدة الميسرة...، لكن رغم هذا الاهتمام والارادة السياسية، فباستثناء بعض المؤسّسات القليلة التي نجحت في تموين السوق الوطني جزئيا، وساهمت في عملية التصدير للأسواق الخارجية أحيانا، فباستثناء هذه المؤسّسات بقيت أغلب المؤسسات الأخرى خاصة تلك التي أنشئت في إطار الوكالات تراوح مكانها، وشكلت عبئا على الدولة بدل أن تساعدها، ودعوة وزير المالية أصحاب هذه المؤسّسات للتقرب من البنوك لإعادة جدولة ديونها يدل على ذلك. ولهذا ينبغي إعادة وضع المؤسسة في سياقها ومحيطها الحقيقي للنهوض بها، ودفعها إلى لعب دورها في خلق الثروة والمساهمة في مواجهة الظرف الاقتصادي الحالي. وللنهوض بهذه المؤسسة ينبغي أولا تقييم نتائج السياسات السابقة واستخلاص أسباب النجاح وأسباب الاخفاق لتعزيز الأولى ومعالجة الثانية، والانطلاق من جديد باستراتيجية طويلة المدى للنهوض بالقطاع الخاص والعام لتنويع الاقتصاد الجزائري اعتمادا على الامكانات المحلية بغية مد حاجيات السوق الوطنية في مرحلة أولى، والتوجه إلى التصدير في مرحلة ثانية لتنويع مصادرنا المالية، والتقليص من الاعتماد على مصادر المحروقات ومشتقاتها.
ولتعزيز هذا المسعى جاء قانون ٢٠١٦ المعدل والمتمّم لقانون ٢٠٠١ المتضمّن القانون التوجيهي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لإعطاء دينامية جديدة لهذه الكيانات، وذلك بإعادة تعريف المؤسسة الصغيرة المتوسطة لتكييفها من الواقع الاقتصادي الجديد لإدراج بعض المؤسسات التي تحوز على ٤٩ ٪ من الرأس المالي أو تلك المدرجة في البورصة للاستفادة من أحكام هذا القانون. وينص القانون أيضا على عدة إجراءات تحفيزية للمناولة لإعطاء حركية أكثر للصناعات الناشئة بتوفير المدخلات الضرورية لإنتاجها.
ولأول مرة ينص القانون على إنشاء صندوق الانطلاق Fonds d’ amorçage
للمؤسّسات المصغّرة les startups  لتحويل المصاريف الأولية لهذه المؤسّسات.
كل هذه الإجراءات تهدف إلى إعطاء المؤسسة مكانتها الحقيقية لكن القانون لوحده لا يكفي إن لم تكن هناك مرافقة مستمرّة لهذه المؤسسات من مرحلة التّأسيس إلى مرحلة تقييم النّتائج.
❊ في نفس الاتجاه كيف يمكن للبنوك أن ترفع من درجة اليقظة للحد من تهريب العملة الصّعبة؟ لماذا لا تتحوّل إلى طرف فاعل في مقدّمة جبهة ما يوصف بـ «جدار المقاومة الاقتصادية»؟
❊ صحيح أنّ ظاهرة تهريب الأموال تعاظمت في السنوات الأخيرة بسبب عجز القوانين والإجراءات المتّخذة لتحديد قطاع البنوك، وتعزيز قدرتها على استقتطاب هذه الأموال وإدراجها في القنوات الرّسمية لضعف تحفيزات الادّخار ورداءة الخدمات البنكية، إضافة إلى التعقيدات التي يعرفها مناخ الأعمال والتي تقف في وجه استثمار هذه الأموال في الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وتأخذ هذه الظاهرة أشكالا مبعثرة، فمن تضخيم الفواتير إلى تهريب العملة والاستثمار في الأسواق الوازية حتى أصبحت هذه السوق المعيار الحقيقي لقياس قيمة العملة أو أسعار السلع، ومحاربة هذه الظّاهرة لن تكون فقط بالقوانين الرّدعية وإنما بالقضاء على التعقيدات في المعاملات التجارية والمالية بالقطاع الرسمي، وتحديث قطاع البنوك وخلق جو من الثقة بين القطاع الرسمي والقطاع الموازي لاستدراج هذا الأخير للعمل مع القنوات الرسمية.
❊ ما هي التوقّعات المحتملة في حالة انخفاض الاحتياطي إلى أقل من ١٠٠ مليار دولار، وهو ما أبدى الوزير الأول حرصا على تفاديه؟
❊❊ حسب التّقرير لبنك الجزائر فقد وصل العجز سنة ٢٠١٥ إلى ٨ ، ١٥ من الناتج الداخلي الخام، ولمواجهة هذا العجز تم اللجوء إلى صندوق ضبط الإيرادات الذي انخفض بدوره بـ ٥٣ ٪ خلال سنة واحدة. ومن المتوقّع أن يصل إلى الصفر خلال سنة ٢٠٠٧ مع إلغاء حقّه حتى في الاحتفاظ بالرصيد الإجباري المقدر بـ ٧٤٠ مليار دينار.
وفي حالة هبوط الاحتياطي إلى أقل من ١٠٠ مليار وانخفاض إيرادات صندوق الضّبط إلى الصفر، سيزداد الضّغط على أصحاب القرار ويدفعهم إلى اللجوء للاستدانة الخارجية والداخلية، ويتوقف حجم وفترات هذه الاستدانة على قدرة المؤسسة الانتاجية من تموين السوق الوطنية وتنويع المصادر التّمويلية.
❊ بلا شك تشكّل السّوق الموازية للعملة فجوة ترهق وتعيق كافة إجراءات التّرشيد، إلى متى تبقى هذه الظّاهرة غير السّليمة؟ ولماذ لا تؤسّس شبابيك الصّرف المعتمدة؟
❊❊ يتغذّى وينمو السّوق الموازي من الاختلالات التي تشوب مفاص الاقتصاد الرّسمي، فالتدخل في النّشاط الاقتصادي والحماية التجارية وتحديد الأسعار والمبالغة في الضّرائب والرسوم وتعقيدات المعاملات التّجارية، كلّها تساهم في تنامي السوق الموازي بتقويم قواعد حرية السوق الرسمي وعجزه على تلبية الحاجيات الضرورية، من السلع والعملات للعائدات والمؤسسات، فالبنوك مثلا أصبحت غير قادرة على تلبية كل الاحتياجات من العملة الصعبة والآلة الانتاجية عاجزة عن تموين السوق بالسلع، الأمر الذي زاد من توسّع السوق الموازي رغم الاجراءات والمحاولات التي قامت بها السلطات لاستدراج هذا السوق إلى التعامل مع القنوات الرسمية كإجراء توضيف أمواله بالبنوك بدون مساءلة، وإجراء القرض السندي إلا أن النتائج كانت غير مرضية لغياب الثقة من السوقين.
❊ لا تزال الجالية المقيمة بالخارج بعيدة عن إطار المساهمة في تنمية القدرات الوطنية بالعملة الصّعبة خلافا لبلدان ناجحة في هذا المجال، كيف يمكن إثارة اهتمام المغتربين بعيدا عن الشّعارات؟
❊❊ الفارق الكبير بين سعر الصّرف في السوق الموازي والسّوق الرسمي استقطب الجالية الجزائرية في الخارج إلى التعامل مع السوق الموازي بدل السوق الرّسمي.
ويضاف إلى هذا الفارق في أسعار الصرف، التّعقيدات البيروقراطية لدى البنوك عند التحويلات، وغيابها المطلق في الأماكن المتواجدة بها هذه الجالية، وباعتقادي أن الاعتماد على الأدمغة الجزائرية بالخارج سيكون أفضل، لقدرتها على المساهمة بنقل معارفها وخياراتها للجزائر، والمساعدة على خلق الثروة لأنّ خلق هذه الأخيرة أصبح يعتمد أساسا على المعرفة في الاقتصادات الحديثة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018