البروفيسور بعجي نور الدين يدعو إلى تأسيس معرفة استهلاكية

توجد حماية قانونية شاملة ودقيقة من كافة أشكال الغش والتلاعب في السوق

أجرى الحوار: سعيد بن عياد

يكشف البروفيسور بعجي نور الدين المتخصص في قانون الأعمال بكلية الحقوق بجامعة الجزائر1 أن التشريع الجزائري يخص المستهلك بحماية قانونية شاملة من خلال منظومة متكاملة ودقيقة تسلط عقوبات متدرجة عن كافة أشكال الغش والتلاعب في السوق، خاصة ما يمس المواد الغذائية المختلفة. ويدعو في هذا الحوار إلى تأسيس معرفة استهلاكية بدل الاكتفاء بشعار ثقافة استهلاكية، فالمعرفة الاستهلاكية تعني معرفة المستهلك تفاصيل ما يستهلك أو يستعمل وخاصة الجانب السلبي في المنتوج أو الخدمة ومعرفة الضرر المتوقع ثقافة الاستهلاك فتعني معرفة الجانب الأحسن في المنتوج فقط. لذلك كما يوضح فإن التشريع يحمي المستهلك إلى حد 30٪ في تعاملات السوق والمعرفة الاستهلاكية تغطي الجانب المتبقي، مما يضع المستهلك على درجة من المسؤولية في اقتناء سلعة أو استهلاك منتوج في ظل سوق تراجعت فيه قيم التجارة الاحترافية وتخلف فيها الضمير المهني لكثير من متعاملي الأسواق. وفيما يلي الحوار كاملا.

«الشعب»: ما هو التعريف الدقيق للمستهلك في نظر رجل القانون؟
البروفيسور بعجي نور الدين: يعرفه القانون 03-09 المؤرخ في 25 فيفري 2009 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش انه «هو كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني بمقابل أو مجانا سلعة أو خدمة موجهة للاستعمال النهائي من اجل تلبية حاجاته الشخصية أو تلبية حاجة شخص آخر أو حيوان متكفل به». لذلك فإن من يقتني سلعة للبيع لا يعد مستهلكا ويقصد بالنهائي انه يستهلكها، وإذا باعها يتحول إلى مخالف للقانون عند حدوث ضرر مادي ناجم عن تلك السلعة أو الخدمة كون الشخص النهائي يصبح ضحية. ويجبر القانون كل المتدخلين في عملية تقديم سلعة أو منتوج بالبيع أو بالعرض (منتج، تاجر، حرفي، مقدم خدمة مثل التبريد، إلخ) بجملة من الالتزامات المحددة تشمل: 1- الالتزام بأمن المنتوجات. 2- الالتزام بمطابقة المنتوجات. 3-الالتزام بخدمة ما بعد البيع. 4. الالتزام بإعلام المستهلك عن طريق وضع الوسم المتضمن لجميع البيانات الخاصة بالمنتوج. وأشير مثلا إلى ما حصل مؤخرا حول الدجاج بشأن سلامته مما يستوجب وضع وسم يحدد كل المعلومات بما فيها طريقة ذبح الحيوان والوسائل المعتمدة في إعداده للبيع.
ماهي طبيعة المسؤولية التي تترتب في حالة حدوث ضرر ناجم عن استهلاك سلعة أو خدمة؟
في هذا الشأن وضع المشرع 5 مستويات للمسؤولية ذات الطابع الجزائي التي تنجم عن خطورة ضرر ناتج عن سلعة مغشوشة أو خدمة سيئة. ويشدد القانون في حالة الضرر الناجم عن المواد الغذائية الموجهة للامسان أو الحيوان أو المواد الطبيعية والمشروبات والمنتجات الفلاحية المخصصة للاستهلاك. يخص المستوى الأول من المسؤولية السلع غير الغذائية والطبية والفلاحية بنص المادة 429 من قانون العقوبات بالحبس من شهرين إلى 3 سنوات لكل متدخل في عملية بيع أو تقديم سلعة للمستهلك عن طريق الخداع أو محاولة الخداع في طبيعة السلعة أو الخدمة، الصفات الجوهرية، التركيبة، نسبة المقومات لكل سلعة، النوع، المصدر (المنشأ)، الكمية والهوية. المستوى الثاني (م.430 ق.ع) يشدد فيه العقوبة للأفعال الواردة في المستوى الأول برفع مدة الحبس إلى 5 سنوات إذا تمت الجريمة بالوزن أو الكيل أو بواسطة طرق احتيالية أو وسائل ترمي إلى التغليط في التحليل والمقدار أو الوزن أو الكيل أو عن طريق بيانات كاذبة ترمي إلى الاعتقاد بوجود عملية مراقبة سابقة لم تحصل أصلا. مثل تهريب الحقن التي تستعمل في تسمين الأغنام وقد ظهرت سابقا في مواسم عيد الأضحى بتعرض لحوم كباش للتلف.
 المستوى الثالث (م.431 ق ع) وتشمل المواد الموجهة لتغذية الإنسان أو الحيوان أو مواد طبية أو مشروبات أو منتوجات فلاحية تخلف ضررا للمستهلك فترتفع عقوبة الحبس إلى 5 سنوات بفعل الغش في العرض للبيع أو البيع لمواد مغشوشة أو الحث على استعمالها بمختلف وسائل الدعاية. والمستوى الرابع لهرم المسؤولية يشدد العقوبة أكثر من 5 إلى 10 سنوات سجنا (م. 432 ق ع) إذا ألحقت المواد الغذائية والطبيعية المغشوشة أو الفاسدة بالمستهلك مرضا أو عجزا عن العمل وكان المورد أو البائع للسلعة على علم بأنها مغشوشة أو فاسدة أو سامة. وإذا حصل جراء ذلك للمستهلك مرض غير قابل للشفاء أو فقد أحد أعضاء جسده (كأن تؤدي مواد طبية إلى فقدان البصر) أو إصابته عاهة مستديمة ترتفع العقوبة من 10 إلى 20 سنة سجنا. وفي حالة الوفاة تنص المادة على تشديد العقوبة للمتسبب بالسجن المؤبد. وأما المستوى الخامس (م. 433 ق ع) تنص على عقوبة شهرين إلى 3 سنوات لكل من يحوز دون سبب شرعي مواد غير صالحة لتغذية الإنسان أو الحيوان أو مواد يعلم أنها مغشوشة أو فاسدة أو مواد طبية مغشوشة أو يستعمل في الغش موازين ومكاييل خاطئة أو آلات غير مطابقة للوزن. وأخيرا المستوى السادس (م.434 ق ع) تكرس أقصى العقوبات في المواد السابقة بحيث كل متصرف أو محاسب قام بالغش أو عمل على غش في مواد أو أشياء عهدت إليه قصد حراستها أو تحت رقابته أو وزع عمدا أو عمل على توزيع مادة لحوم حيوانات مصابة بأمراض معدية أو مواد غذائية أو سوائل فاسدة  أومتلفة.
لكن أين موقع الجودة في السوق حاليا خاصة وان المنافسة مفتوحة محليا وخارجيا، مما يعرض المستهلك لمخاطر تستوجب معالجتها مسبقا؟
عرفت المنظمة الدولية للتقييس والجودة على أنها مدى قدرة مواصفات منتوج أو خدمة على التطابق مع المواصفات المطلوبة وتتخذ عدة صفات مثل جودة سيئة، جيدة أو ممتازة. وتعتمد عملية التقييم على عوامل قابلة للقياس مثل الطول، العرض، الوزن، النسب (المعدلات)، خواص المواد، السعر والاستخدام وغيره. وتقوم الجودة على معايير كما حددها الخبير الأمريكي فيليب كروسي من خلال فلسفته لإدارة الجودة الشاملة على 4 دعائم هي:
1-جودة المنتوج بأن يكون مطابقا للمواصفات التي يطلبها المستهلك. 2-نظام الجودة وهو وقاية المنتوج أو الخدمة من أي خطأ.
3-أن يكون معيار الجودة صفر خطأ.
4-تقاس جودة المنتوج بمدى عدم مطابقته أو مطابقته للمتطلبات.
 لذلك إذا غابت الجودة فإن السوق تنهار وتفقد تنافسيتها. أن تحرير التجارة الدولية يتطلب وضع نظام موحد مقبول من الجميع من اجل تقييم جودة المنتجات والخدمات المتبادلة بين الدول. وقد وضعت هذا النظام منظمة المواصفات الدولية وهي وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة ومقرها بجنيف تعمل في مجال توحيد القياس العالمي لمختلف السلع والمنتوجات والمواد وهي التي وضعت مؤخرا أسس وضوابط ومقاييس لعلامة الجودة ضمن برنامج شامل للجودة لتكون وسيلة للترويج في مجال التصنيع والتجارة الدولية. وتطورت الجودة من طبعتها الأولى في 1987(9001) إلى نظام تسيير الجودة وأهم مبدأ فيها وجوب تعريف بالكتابة ما نصنع أو ننتج ونصنع وننتج ما نكتبه ثم فحص ما كتب وتم تصنيعه. في المواد الغذائية يوجد نظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة للتأكد من سلامتها وهو نظام رقابي يهتم بسلامة الغذاء عن طريق تحديد مصادر الخطر في كل مراحل الإنتاج والتصنيع الغذائي بداية من المادة الخام إلى أن تصل إلى المستهلك مرورا بالإعداد والتصنيع والحفظ والنقل والتداول.
وماذا عن الجودة في منظومة التعليم العالي التي تؤسّس لمناخ يستوعب اقتصاد المعرفة؟
تعني الجودة في التعليم العالي الخصائص والسمات التي تضمن إخراج أفراد متعلمين ومؤهلين بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل والمجتمع وكافة المؤسسات الأخرى في الداخل والخارج والتي من شأنها زيادة رفعة الدولة. ولتحقيق هذه الجودة يتطلب الأمر توجيه كافة الموارد البشرية والسياسات المختلفة والبنية التحتية لخلق ظروف مناسبة من شأنها إعداد الفرد الواعي والمتعلم. ويمكن إجمال معايير الجودة في التعليم العالي فيما يلي:
 1-تغطية المنهج العلمي لكافة الموضوعات الأساسية اللازمة لتعليم تخصص ما وملاءمتها لواقع الحياة المعاش بما يتناسب مع احتياجات السوق.
 2-اعتماد المنهج العلمي على مراجع علمية ذات مستوى عال وتكون موثوقة وأصيلة وجعل سعرها مناسبا لظروف اغلب الطلاب.
 3-اختيار أعضاء الهيئة التدريسية بعناية دقيقة وفقا لشروط وصفات معينة منها المستوى العلمي والخلقي والحس الوطني وتقبل النقد البناء وروح الإبداع لتنمية مهارات الطلاب وتحضيرهم وتنمية روح البحث والتفكير لديهم بعيدا عن أسلوب التلقين وعدم إعمال العقل.
4- إتباع أسلوب التقييم الذي يتم من خلاله تقييم الطلاب على قدرة التحليل والتفكير النقدي بعيدا عن الحفظ.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018