توفّر مساحة رحبة لاكتساب المهارات وصقل المواهب

النوادي العلميّة.. حينما يكون للنجاح عنوان

أسامة إفراح

عديدة هي النقاط التي أثرناها رفقة ضيوفنا من طلاب جامعة بومرداس، الممثلين لثلاثة نوادٍ علمية هي «فضاء المعرفة»، «إلكترو» و«أوريكا».. حدّثنا هؤلاء بصراحتهم وعفويتهم عن فحوى النوادي العلمية الجامعية، التي ترمي إلى إخراج الطالب من النمطية والتفكير «المعلّب»، وحثّه على التفكير «خارج الصندوق»، واكتساب مهارات اتصالية ومعرفية تكون زادا له في المستقبل.. كما حدّثونا عن مصير ابتكارات الطلبة وأفكارهم، ومدى استغلالها في سوق العمل والتنمية الاقتصادية للبلاد، وعن أحلام هؤلاء، ومكانة الأدب والثقافة والإبداع في حياتهم.. ولمسنا لديهم فكرة مشتركة، وهي أن الأمل محرّكهم الرئيسي، وأنهم يدركون أن قوّتهم في اتحادهم، وأنه لا بديل لهم عن وطنهم.

لطالما كانت الجامعة الأرضية الخصبة للنخبة، والخزّان الذي لا ينضب للطاقات البشرية للأمّة.. ولكن جامعة بلا نشاطات خارج الإطار الأكاديمي البحت هي كمجتمع بلا ثقافة أو إبداع، أو كلوحة بلا ألوان: تؤدّي الغرض الآنيّ، وتقوم بالمهمّة في حينها، ولكنها لا تعبّد طرقات المستقبل.
اغتنمنا فرصة وجود طلبة نشطين على مستوى الجامعة في إطار النوادي العلمية والثقافية، محبّين للعمل التطوّعي الجماعي، لنسألهم عن طرائق التعبير عن مكنوناتهم وقدراتهم، سواءً فيما بينهم أو مع الآخر.

النوادي العلمية..  علاقة تكامل لا تنافر

سألنا ممثلي النوادي العلمية، التي نزلت ضيفة على «الشعب»، عن العلاقة التي تربط النوادي العلمية فيما بينها، وإن كانت علاقة تكامل أم تنافس أو ربما تنافر.
وأكّد سفيان عبد العزيز (رئيس نادي إلكترو) أن هذه النوادي الثلاثة تنشط تقريبا في نفس الفضاء، «لذا فيمكن اعتبارنا جيرانا، ونتعامل بهذه الروح».. كما أشار إلى أنه، مطلع كل سنة، تنظّم النوادي العلمية أبوابا مفتوحة في شكل أيام ترحيبية Welcome days، وبخصوص هذه الأيام، يقول محمد العتروسي (رئيس نادي أوريكا) إن الهدف منها هو التنسيق بين النوادي من جهة، والتعريف بها وتحفيز الطلبة الجدد على الانخراط فيها.
في هذا الصدد، يقول سفيان (إلكترو): «حينما رأيت مشاريع أنجزتها النوادي العلمية، على غرار طائرة بدون طيار مثلا، أحسست فعلا بأننا في بلد محترم ويملك طاقات».. في إشارة إلى قدرة النوادي العلمية بنشاطاتها على تحفيز الطالب.
من جهتها، ترى لطيفة صياد (طالبة صيدلة بجامعة تيزي وزو وعضو نادي فضاء المعرفة) أن أغلب المشاركين في التظاهرات العالمية الشبابية والعلمية هم من روّاد النوادي، فهذه الأخيرة تفتح لهم العديد من الأبواب والفرص حتى خارج الوطن.

الجامعة الصيفية..  تظاهرة أوسع لأثر أكبر

سبق وأن حدثنا أعضاء «فضاء المعرفة» عن مشروعهم الرامي إلى تنظيم جامعة صيفية. سألنا رئيس النادي، محمد الأمين دحو، عن الهدف من هذه التظاهرة وحجمها، وقال إنها تجمع النوادي العلمية من داخل الوطن ولم لا من خارجه أيضا: «مثلا «بتروليوم ورقلة» هو تجمع دولي شاركنا فيه على مدى 15 يوما، وشهد تنظيم تكوينات وورشات ومحاضرات في مختلف المجالات، تدور حول موضوع رئيسي للتظاهرة».. وأضاف محمد الأمين أن هذا الأمر يتطلب الكثير من التمويل والتحضير والفضاء والوقت والعناصر التي تسهر على التنظيم.. كما حدثنا ضيوفنا عن لقاء حول كيمياء العناصر شهر نوفمبر المقبل، سيضم ما بين 700 و800 مشارك، وهو دليل آخر على نشاط النوادي العلمية في مساحة أكبر بكثير ممّا يعتقده البعض.
ولعلّ من فوائد الجامعة الصيفية أيضا التبادلات بين الطلبة واكتساب الخبرة والتنظيم، وقد كانت أول طبعة للجامعة الصيفية سنة 2015، تلتها طبعة أخرى سنة 2016 ببجاية وثالثة سنة 2017 بقسنطينة.
في هذا السياق، تقول راضية زعموم (طالبة لغة إنجليزية وعضو نادي فضاء المعرفة): «أغلب الطلبة الجدد لديهم صورة نمطية عن الجامعة، ويتعقدون أنها مكان للدراسة فقط وبشكل حصري، لذا فإن الجامعة الصيفية تظاهرة أكبر تتعدى في حجمها التظاهرات الصغيرة التي تنظمها النوادي العلمية، وبالتالي فإن تأثيرها سيكون أكبر، ومن شأنها التعريف أكثر بالنوادي ونزع تلك الصورة النمطية الموجودة لدى الطالب».

واحة التكوين..  وسراب سوق العمل

سألنا ضيوفنا عن مكانة أهداف أخرى، على غرار التكوين والتواصل مع الفاعلين في عالم الشغل، في قلب أهداف تظاهرة مثل الجامعة الصيفية، أو غيرها من المعارض والتظاهرات المفتوحة على الجمهور. واعتبرت صفاء بوجلطي (طالبة التاريخ والمكلفة بالاتصال بنادي فضاء المعرفة)، بأن «التكوين جزء من التنسيق فيما بيننا كنوادٍ»، أما راضية (فضاء المعرفة) فقالت: «إننا نكوّن ونتكوّن، والأمر ليس حكرا علينا فقط»، وراضية نفسُها تقدّم دروسا في اللغة الإنجليزية على مستوى النادي.
عن إمكانية أن توفّر التظاهرات العلمية للنوادي حلقة وصل بين الطالب المبدع والفاعلين في عالم الشغل، يقول محمد لمين، إن الكثير من التجمّعات واللقاءات تتضمّن فعلا منافسات ومسابقات تتمحور حول الإبداع والاختراعات واختيار المشاريع الناجحة.
بالمقابل، تقول لطيفة صياد: «لا أؤمن كثيرا بهذه الفكرة، خاصة وأن الشركات والمؤسسات تأتي أحيانا للمشاركة من أجل المشاركة وملء فضاء في التظاهرات فقط، ولكن في واقع الأمر لا يحدث شيء ملموس». وأعطت لطيفة مثالا بتكوين حضرته سابقا، حول إطلاق الستارت آب (الشركات الناشئة)، وكان من المفترض أن يعمل المنظمون على مساعدة أصحاب المشاريع الخمسة الناجحة في توفير التمويل اللازم، ولكن هذا لم يحدث.. وفي نفس الاتجاه يذهب فارس صالحي (نادي إلكترو) الذي يروي كيف يضيّع القطاع الاقتصادي فرصا وابتكارات أصحابها من شباب الجامعات وكان يمكن الاستفادة منها.. ولاحظ ضيوفنا أن ما نراه في الإعلام من أن سوق العمل تعد بالاهتمام بالطلبة حاملي المشاريع المبتكرة، هو مجرّد عملية تسويق لا غير.
من جهته، يعتبر محمد الأمين العتروسي (أوريكا) أن الهدف الأهم من الجامعة الصيفية هو الشبكية وربط العلاقات Net working، وبخروج الطالب إلى عالم العمل سيجد أن اتصالاته ستساعده كثيرا بطريقة أو بأخرى، على الأقل من حيث المعلومة، كما سيتعلم الطالب مهارات في النوادي ومن خلال الاحتكاك بطلبة آخرين، من بينها القدرة على الإقناع.

الكتاب..  عالم مترامي الأطراف

تكامل جليّ، ليس فقط في التخصصات وإنما في مجالات النشاط، لمسناه لدى ضيوفنا.. فإلى جانب اللقاءات العلمية والتكوينات والورشات، يعكف نادي «أوريكا» على تشجيع المطالعة خارج مجال التخصص، ويميل إلى عوالم مختلفة كالأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس.
يؤكد محمد الأمين العتروسي أن الهدف من تأسيس نادي «أوريكا» هو الخروج من النمطية التي يعاني منها الطالب، كما أنه «لا يتساوى من يقرأ الكتاب ومن لا يقرأ».
وأعطى العتروسي مثالا بأشخاص لم يكونوا يقرؤون خارج مجال تخصصهم العلمي، ولكن مع الوقت صاروا يترددون على نشاطات النادي، ويهتمون بقراءة كتب متنوعة المشارب.. «وفي نادينا نعمل على أن يعرض أحدنا كتابا قرأه، وعلى تبادل الكتب فيما بيننا تشجيعا للمطالعة»، يقول ضيفنا، ويضيف: «من بين أهداف نشاطاتنا أيضا دعوة المشاركين إلى إعمال التفكير، حيث نستضيف أشخاصا متمكنين في مجالهم، يلقي مداخلة ويعطي أفكارا، وعلى من حضر التظاهرة أن يبحث في الموضوع ويعمّق أفكاره».
أما سفيان (نادي إلكترو) فصارحنا بالقول: «لم أكن أظن أنني أحتاج المطالعة خارج تخصصي، وكنت أكتفي بالدراسة والعودة إلى المنزل، ولكن بفضل النوادي العلمية اكتشفت آفاقا أخرى.. النادي العلمي يدفعك إلى اكتشاف أقصى حدودك ليس فقط في مجال تخصصك بل في مختلف المجالات». واختتمت صفاء بوجلطي (فضاء المعرفة) النقاش حول موضوع المطالعة في الأوساط الطلابية، وخارجها، بالتأكيد على أن حبّ الكتاب أقوى من كلّ العقبات: «من يحبّ القراءة سيقرأ مهما كانت الظروف».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019
العدد 18047

العدد 18047

السبت 14 سبتمبر 2019