د . نعيمة سعدية:

أغلب المترجمين يعيشون حالة نفسية انبهارية بالآخر

باتنة: حمزة لموشي

تعتبر البروفيسور نعيمة سعدية أستاذة الأدب العربي بجامعة محمد خيضر ببسكرة، أن الترجمة نشاط إنساني، تنقل به المعارف والكشوف والعلوم، ليتحقق التطور الحضاري، والرقي الاجتماعي، عبر التعرف على مختلف الثقافات بأشكالها المتعددة وموضوعاتها المتنوعة، وهذا التعدد ــ حسبها ــ من الأشكال وهذا التنوع من الموضوعات، هو ما جعل من الثقافة المعبر الأساس عن طاقة المجتمعات في الإبداع.

أكّدت د ـ نعيمة سعدية في تصريح لـ «الشعب»، أن الترجمة الحقيقية هي حالة خاصة ومعمّقة لعملية التواصل والتلقي في أي فعل لغوي إنساني، وهي وسيلة تتيح للقارئ المترجم الإطلاع على ما كتب فيه الغير، فهي النافذة التي نستطيع من خلالها الإطلاع على ثقافة هؤلاء الغير والإلمام بمكنوناتها العلمية.
وتفصّل د ـ سعدية القول «أن الترجمة عملية معقدة غاية في التشابك لأنها تسهم في تقارب الشعوب وتبادل خبرات متنوعة على مستوى اللغة والثقافة والحمولة الفكرية، بل ونقل صورة هوية شعب إلى شعب آخر، ومن هذا تواجه الترجمة تحديات كبرى في الجزائر، حيث نجدها تعاني في تعاملها وممارستها إشكالية المصطلح وحرب المعاني فيه، وحرب الثقافات، ما يتوجب عليها أن تنفتح على المستحدثات المنهجية والمعرفية والثقافية، لتستطيع التحرر من القيود البنيوية والإيديولوجية الصارمة، الأمر الذي سينعكس على المؤلفات المترجمة المختلفة والمتنوعة، في شتى العلوم وكل التخصصات، لتدرك الهيئة العلمية للمؤلف المترجم حقيقة النص عند صاحبه ومن ثمة عندهم، ومنه عند القارئ الباحث.
وتوضّح د ـ سعدية أنّ المتأمّل في محيط دور النشر المخصّصة للترويج إلى الكتاب المترجم، أن الأمر لديهم نصب على عمدتين: الأول، وهي أن دور النشر رهينة المكاسب التجارية، في المقام الأول، إذ لا تعلو وطنيتهم، وإن صح التعبير محاولة إظهارها -عمدا - بوساطة نقل محاسن الوطن، فتأسّس الهدف على دوافع مادية، تبرز في غلاء سعر الكتاب المترجم، وسوء الترويج له.
ونشير هنا إلى أنّ خاصية الانتشار تتعلق بالحركية الدائمة للعناصر والمكوّنات، ويظهر ذلك بصورة أكثر وضوحا في عصرنا الحاضر بما قدّمته الترجمة من سرعة في نقل المعلومات والمعارف والمنتجات الفكرية والمادية للإنسان ونشرها، وكلّها تشكّل عناصر ومكوّنات ثقافية ومرجعيات فكرية وفلسفية.
والثاني حسب سعدية أنّ المترجمين أغلبهم يعيشون حالة نفسية (انبهارية) بالآخر، فيكون نقلهم للحدث أو ترجمته فيه تذمّر وسخط على الوضع السياسي الأدبي، أو عشق للآخر، بعيدا عن العقلانية، والمنهجية في نقل الأمور، مع بعض الاعتدال، فيعكس المترجم ذلك في التراكيب التي يختارها ويوزّعها في نص الترجمة، وغالبا ما تكون عبارات حمالة أوجه، تسكنها معاني عدّة، تنفتح على تأويلات لا حصر لها من القارئ، ليبدأ هذا الأخير رحلة التأويل للدلائل اللغوية التي لا تنتهي.
ففي نفسية المترجم المنبهرة بالآخر حسب محدثتنا، إذا كان المترجم جزائري في سلبية النظرة المسبقة إلى الجزائر للمترجم إذا كان أجنبيا، وهذا يبرز عدم الدقة في الترجمة لأنها تتطلب أن يكون المترجم متقنا لشيئين متقنا للغتين ومتقنا للعمل الذي سيترجمه، فترجمة نص إبداعي لا تكفي فيها قوة الترجمة فقط بل لا بد من فقه الإبداع ليترجم إبداعا في اللغة المنقول إليها؛ وإلا ستسهم الترجمة في تشويه تاريخ الجزائر وأدبها وسياستها، وفي تعريف الجزائر للأجنبي، والتسويق لصورة مغايرة للآخر، مع العلم بوجود أحكام مسبقة وخاطئة وأحيانا خطيرة عنا، وفي الحقيقة لابد أن ننوّه ببعض المغالطات أحيانا التي نجدها في الكتب الأجنبية المترجمة إلى اللغة العربية أو العكس، والتي تكون بصورة مغلوطة، والتي فيها نوع من التحوير والخروج عن معنى النص الأصلي، فالترجمة الحرفية تقضي على المعنى، ناهيك عن غياب المترجم المكوّن، مازلنا في حاجة إلى جهود كبيرة في هذا المجال.

إنشاء مراكز متخصّصة

أما من حيث الجوانب الأخرى السياسية والدينية، فالعيب في الأجنبي الذي صار يسمع ويتقصَّى أخبارنا من أماكن لا هدف لها إلا تغذية وتنمية أفكاره وأحكامه السلبية المسبقة، ومنه تتولّد لدينا عملية تهميش للمحاسن وإقصاء للإبداعات،الأمر الذي يعمل ويعمد إلى الترويج له، ويعدّ الإعلام والكتاب عند الأجنبي من أهم الينابيع التي يستقي منها الأخبار بل ويقع أحيانا في تصديقها وإن خالفت منطقه.
وهنا نشير تضيف الدكتورة سعدية إلى حلقة مفقودة ولا تكتمل إلا بالقراءة، وما دمنا لا نقرأ لا نستطيع أن نترجم، وحين نغض الطرف عن هاتين العملتين وننظر على الأقل للكتاب الجزائريين الذين كتبوا بغير لغتهم نرى نصوصهم قمة في الإبداع.
وتأمل المختصة في علم اللسانيات بذل المزيد من الجهود التي تهدف إلى التنقيب في الدلالات للغوية والمكونات المفهومية لبعض المصطلحات والمفاهيم حول الدين، الفن والمجتمع، وإلى تشخيص ضروب العلاقات التي تربط هذه المكونات، بما يكشف المفاهيم الدقيقة له، سواء أكان في تجذره عن أصول معينة في حقول معرفية محددة، أم في انزياحاته الدلالية التي لحقت به، انطلاقا من المفهوم الاصطلاحي للكلمة، وصولا إلى مجمل مكوناتها النفسية والعقلية والأخلاقية والمنطقية والاجتماعية.

 الدّراسات لا تتعدّى الجانب النّظري

كما أنّ الدراسات في المؤسّسات المتخصّصة ــ حسب سعدية ــ لا تتعدى الجانب النظري، ولابد من تفعيلها تطبيقيا كإنشاء مراكز متخصصة في الترجمة، يلتقي فيها الباحثون من كل التخصصات، لوضع المصطلحات المترجمة الممكن اعتمادها، وسنّ قوانين اعتماد المصطلحات التي ترجمت بجهود الجمعيات البحثية المنتظمة في المؤسسات الحكومية وحتى الخاصة، وذلك بإصدار قوانين اعتماد هذه المصطلحات المتوصل إليها، في المؤسسات الحكومية كالجامعية والطبية والإعلام الآلي والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والعلمية بمختلف التخصصات، خدمة للغة العربية، حتى لا تبقى جهودا فردية تسكن رفوف المكتبات بعيدا عن الطابع العملي والبراغماتي.
ولتحقيق ذلك تضيف د ـ سعدية نحتاج إلى صرامة عمل، روح جماعة، قوة تخطيط وجرأة تطبيق وتنفيذ، للتخلص من فوضى العمل في هذا المجال، برؤية محددة وواضحة، فكريا، فلسفيا، اقتصاديا وإيديولوجيا، بهدف إحداث توجيه خاص، تخدم تلك الرؤية أو تتواءم مع أهدافها، لأن الترجمة عندنا تشكو من عديد من الأمراض كالتكديس بدل التنظيم، والجمع بدل البناء، والتقليد عوض الاجتهاد، والفردية بدل الجماعية، والارتجال بدل التخطيط، والفوضى عوض النظام، وغير ذلك من المظاهر المرضية التي تعرقل سيرها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18178

العدد18178

الأحد 16 فيفري 2020
العدد18177

العدد18177

السبت 15 فيفري 2020
العدد18176

العدد18176

الجمعة 14 فيفري 2020
العدد18175

العدد18175

الأربعاء 12 فيفري 2020