الروائي حكيم شيخ في المدرسة تُكتشفُ المواهب

النقاد عملة نادرة في زمن «الاكتظاظ الثقافي»

حاوره: أسامة إفراح

يعتبر الروائي والكاتب حكيم شيخ أن الشاب الجزائري يمتلك طبيعة إبداعية خلاقة، تحتاج إلى رعاية وبيئة تمكينية، وإستراتيجية محكمة تنمّي مواهبه وقدراته.. ويرى شيخ في هذا الحوار، أن المدرسة بمختلف أطوارها حقل خصب يمكننا من اكتشاف المواهب، وإن نحن أولينا العناية الكافية للمدرسة لكان في وسعنا إنجاز قاعدة متينة، ولصنعنا الإنسان المثقف بمعايير جودة عالية. كما يعرّج محدّثنا على غياب النقد، وتأثير الفضاء الافتراضي، ودور الأسماء المعروفة في سماء الإبداع ومكانتها في المجتمع.

- «الشعب»: يعتبر الشباب الثروة الأهم التي تزخر بها الجزائر.. كيف يمكن لقطاع الثقافة الاستفادة من هذا المكون الهام؟
 حكيم شيخ: الشاب الجزائري بطبيعته الإبداعية الخلاقة، وفي ظل الظروف التي يعيشها، في مناطق نائية بعيدة كل البعد عن الفعل الثقافي، يجعل منه مجرد هاو في أي مجال من المجالات، فصناعة المثقف الحقيقي، يستدعي تضافر جهود العديد من الهيئات بداية من رغبة المبدع الحقيقية المشتعلة لإثبات وجوده، إلى الجمعيات والنوادي الثقافية والهيئات الإعلامية ونحو ذلك، فإن أردنا حقا الاستفادة من هذه الثروة التي تشيخ يوما بعد يوم بدون ثمار، فعلينا تفعيل إستراتيجية على المدى القصير، المتوسط والبعيد، لنتمكن من بناء قاعدة متينة من الأدباء والكتاب والمثقفين الفاعلين، ولن يكون ذلك ممكنا طبعا ما لم ينل الموضوع عناية خاصة من الدولة.
- باعتبارك فاعلا في المنظومة التربوية.. هل تساهم هذه المنظومة في اكتشاف المواهب وتوجيهها نحو من يصقلها وينميها؟ وماذا تقترح في هذا الصدد؟
 بهذا السؤال تضع يدك على الجرح الذي نتمناه أن يطيب، فالينبوع الذي يروينا جميعا هو المنظومة التربوية التي تضم على الخصوص فئة الأطفال وأيضا الشباب، فمن هذا الحقل الخصب، يمكننا اكتشاف النوع في خضم الكم الهائل من المواهب على اختلاف توجهاتها، فلو أولينا العناية الكافية للمدرسة بأطوارها الثلاثة لتمكنا من إنجاز قاعدة متينة جدا ولصنعنا الإنسان المثقف بمعايير جودة عالية، فالمدرسة هي الوعاء الذي تتشكل فيه شخصياتنا ونرتبط فيه بهواياتنا ونمارس فيه طفولتنا ونغرس فيه فسائل أحلامنا، فمن المسرح المدرسي والمجموعة الصوتية، ومنافسات الرسم والكتابة والأشغال اليدوية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالذكاء والتناغم بين النفس والجسد، هنا فقط في هذا الوعاء يمكن للمبدع أن يولد وينمي إبداعه، لكن إذا وجد الوقت الكافي لذلك ووجدت النشاطات الإبداعية مكانتها في ظل الزخم الفظيع للمواد الأخرى والكم الهائل للمعلومات التي أصبحت تنهك المتعلم، وعوض أن يذهب إلى المدرسة بشغف ليتعلم ويستمتع، أصبح يذهب إلى المدرسة بحكم العادة والواجب والإجبار الأسري والاجتماعي فقط، وفي ظل هذا الوضع حتى وإن كانت لدينا مواهب، وتم اكتشافها، نطرح السؤال عن مصيرها، عن مستقبلها، عن العناية بها وتوجيهها وصقلها.  
لكن هناك مبادرات اعتبرها ارتجالية لكنها إيجابية ومشجعة إلى حد ما، كمبادرة «أقلام بلادي» التي تبنتها وزارة التربية الوطنية، والتي غابت هذه السنة لاعتبارات غير موضوعية. فمن المفروض أن تكون هيئة خاصة تعنى بالنشاطات الثقافية في جميع الأطوار التعليمية، وتمتد حتى الجامعة من أجل متابعة المواهب المكتشفة في الأطوار السابقة وتنميتها ومرافقتها، وإشراكها حتى في التوجيه المدرسي والجامعي لاختيار الاختصاصات المتناسبة مع التلميذ، خصوصا لو كان لدينا بنك معلومات ثري، نخزن فيه كافة المعلومات عن المتعلم من بداية تعليمه إلى تخرجه الجامعي.
- بفرض أننا صقلنا المواهب الشابة ونميناها وطورناها.. هل تجد هذه المواهب متنفسا لها ومتسعا للتعبير عن إمكانياتها وقدراتها؟
  هذه الفرضية هي ما نبحث عنه على أرض الواقع، فإذا نجحنا حقا في تربية الطفل على الفعل الثقافي الجاد والمرموق، سنكون حتما أمام جيل ذواق للفن، وبمنحه الأهمية التي تليق به، وبالتالي نكون قد قضينا على التفاهة والهرج والمرج الذي تعيشه الساحة خصوصا أمام الحرية المترفة التي يتمتع بها المواطن على فضاءات التواصل الاجتماعي، النجاح في غرس البذور المنتقاة بعناية، ومتابعتها وسقيها والعناية بها حتما سيثمر نتائج ممتازة.
عندما نتوفر على أساتذة مختصين في كل مدرسة ونترك للطفل يتنفس الصعداء ويتعلم عن طريق اللعب والمتعة نتمكن من اكتشاف مواهبه الدفينة، هنا ترافقه لجنة ثقافية في كل مقاطعة تعنى بالمنافسات والنشاطات الثقافية وأمام ما يزخر به الوطن من أعياد ومناسبات ونظير الثراء الثقافي والإرث اللامادي الذي تتمتع به الجزائر نكون أمام فعل ثقافي مدرسي وجامعي من شأنه اكتساح الساحة الوطنية بما يتناسب مع موروثنا وعصرنته والانتقال به حتى إلى العالمية.
- ما موقع المجتمع المدني كالجمعيات والنوادي الثقافية من الاهتمام بالمواهب الشابة؟
  لا يقل دور المجتمع المدني عن دور المدرسة والجامعة أهمية في ما ذكرنا، فما يتعلمه الطفل في المدرسة ويكتسبه، يمكنه أن ينميه ويطوره ويمارسه خارج المدرسة، وهنا يعود الأمر إلى النشاطات التي تنظمها الجمعيات والنوادي وغيرها من الفاعلين الاجتماعيين، فإذا انقطع الطفل والشاب عن المدرسة أو الجامعة، فذلك لا بعني القطيعة مع النشاط الثقافي إذا قامت هذه الجمعيات بواجبها الثقافي المنوط بها، ناهيك عن الجامعات الصيفية والمخيمات وغيرها من الفضاءات التي كانت وما تزال حقا رفيقا ومشجعا على الإبداع.
- هل نجح المجتمع الافتراضي في ملء هذا الفراغ ومكّن المبدعين الشباب من إيجاد فضاءات للإبداع، أم أنه مجرد فضاء لتبادل المجاملات لا نقد فيه ولا تقويم؟
 المجتمع الافتراضي الفضاء الذي انتشل أغلب الشباب إن لم نقل كلهم، أصبح هو المتنفس المفضل لكل موهبة، تريد أن تخرج ما لديها إلى النور، بغض النظر عن ما يمكن أن نسمي ما تقوم به، فمن جهة أسهمت الفضاءات الافتراضية إلى حد كبير في منح المبدعين فضاء لنشر كل ما يخالجهم، لكن من جهة أخرى قد تؤدي بالذوق العام إلى الانحطاط والدونية، خصوصا أمام انتشار رهيب لبعض التطبيقات التي تبث فيديوهات على سبيل المثال لا الحصر، في غاية التفاهة، هنا نصبح أمام معضلة أخرى، فعوض أن نتوجه إلى الإفادة والاستفادة من خلال طرح موضوعي وجاد، ونقد بناء للإبداعات في مجالات مختلفة، نصبح أمام رداءة وسوقية وفراغ ثقافي رهيب، فعندما تغيب الرسالة من الموضوع، يصبح تافها ويخلو من القيمة الجمالية، وهو ما نحن عليه للأسف في الآونة الأخيرة.
لكن هذا ليس معمما على الكل، فهناك أيضا من يحاول الارتقاء بإبداعاته في هذه الفضاءات، ويمارس هوايات وفنون راقية وكتابات جادة ومرموقة تستحق العناية والنقد، إلا أن النقد هنا يبقى غائبا نسبيا إن لم نقد شبه منعدم، خصوصا وأن المنتديات والمواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تعتبر اللايكات والتعليقات عملة متداولة في ما بين الأشخاص، فهناك من يعلق على سبيل المجاملة لا على أساس النقد أو حتى التشجيع، في ظل انتظار تعليق مقابل على منشوره الجديد، لهذا لا يمكننا اعتبار ذبك معيارا حقيقيا للنقد في ظل غياب النقد الحقيقي من المختصين كل في مجاله، لكن من جهة أخرى قد تفرض الموهبة الفذة ذاتها من خلال إبداعها وتطغى على الجميع فالفن الحقيقي والإبداع الراقي ينفذ في كل القلوب وهو ما يفسر نجوما حاليين قدموا من منصات التواصل الاجتماعي.
^ على ذكر النقد.. هل يهتم النقاد، على قلّتهم، بالشباب، أم أنهم يصبون تركيزهم على الأسماء التي نالت نصيبا من الشهرة؟
^^ النقاد، العملة النادرة في زمن الاكتظاظ الثقافي، فجأة وجدنا أنفسنا أمام مجتمع أكثر من نصفه يمارس الإبداع كل على طريقته على منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت أسلوب حياة بحد ذاته لا جزءً منها، هنا يصبح الناقد في حد ذاته مبدعا إن أراد ذلك، فأمام الزخم الكبير الذي نشهده، قليل من النقاد يمارسون نقدهم بحياد، ويمدون أيديهم للشباب الصاعد عن طريق النقد البناء، الذي يقوم ويصلح ويطور، لكن المزعج في الأمر أن نجد النقاد يتهافتون على الكبار متناسين أن الصغار هم من يحتاجون حقا للنقد ليكبروا بسلاسة، فالناقد الذي يعتبر نفسه ذكيا ينقد الكبار ليراه الناس كبيرا، لكن الناقد الحقيقي هو من يصنع الكبار.
- هل ترى أن الأسماء «الثقيلة» مدّت يد المساعدة للمواهب الصاعدة؟
 الأسماء الثقيلة، الشهرة، الفنان، المبدع... ذلك القدوة أو الذي نتمنى كلنا أن نعيش مثله، تجده في واقعه المر يعاني في صمت رهيب، ويعيش ظروفا اجتماعية جد قاسية، فالشهرة في مجتمعنا والفنان والكاتب والأديب والرسام والمبدع والفنان بشكل عام، لا يعيش الحياة التي يعيشها أمثاله من الفنانين في المجتمعات الأخرى، ومن هنا علينا إعادة الاعتبار إلى المبدع من منظور جديد ومنحه المكانة التي تليق به، ففي حين تجد كاتب يعمل ويكدح لطبع كتابه بماله الخاص لتنوير المجتمع، تجد في الجهة المقابلة مجرد «تفاهة» تنال التشجيع والجوائز المالية من بعض المسؤولين، علينا حقا أن نعيد التفكير من جديد وبشكل عميق جدا في ما نقوم به وما نشجعه وما نهمشه، لنبني الغد الذي سنشده الجميع، أما عن الكبار الذين يشجعون المبتدئين ففي مجتمعنا الكثير منهم، لكن لنصارح أنفسنا فهناك أيضا أسماء ثقيلة جدا لكنها ما تزال لديها العقدة من المنافي الصاعد، فعوض أن تعتبره الخلف وترافقه للأسف الشديد تعتبره المنافس الذي يجب أن تقص جناحيه.
- هل تؤمن بصناعة النجوم؟ وإن كان الأمر كذلك فهل يمكن للتسويق المحض أن يعوض الموهبة؟
 صناعة النجوم، أمر موجود شئنا أم أبينا، فعلى سبيل المثال مدرسة ألحان وشباب صنعت نجوما حقيقيين وصلوا إلى العالمية، لكننا مازلنا أمام صناعة محدودة تهتم فقط بالغناء وهو قطرة في بحر الفن والإبداع.. لكن التسويق، وإن كان فعالا وبتقنيات عالية، قد ينجح في بداياته لكن سرعان ما يغيب من اعتمد عليه دون موهبة عن الساحة، فالفن الحقيقي يبقى حيا في قلوب البشر على مر الزمان، ولعل العزاء في ذلك هو فطرة الإنسان المتعلقة بالجمال. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18299

العدد18299

الأربعاء 08 جويلية 2020
العدد18298

العدد18298

الثلاثاء 07 جويلية 2020
العدد18297

العدد18297

الإثنين 06 جويلية 2020
العدد18296

العدد18296

الأحد 05 جويلية 2020