تاريخ الفنّ العريق في البليدة

قطار الشّعبي ركبه أساتذة ومعلّمون وورثه جيل شاب

لينة ياسمين

يعترف أهل الفن والغناء في البليدة أنّ تاريخ ظهور فن غنوة الشعبي إلى عاصمة المتيجة ومدينة الورود ومسقط رأس العشرات من جهابذة الفن والتمثيل، كان في النصف الأول من القرن الـ 20 الماضي، وشكّل الثلاثي المعروف بعصبة رشيد نوني وعبد القادر قسوم ومحمد طوبال يضاف إليهم المخضرم الفنان جمال بن صامت، قلاعا وأعمدة الشعبي على مدار عقود، غنّوا وأطربوا عشاق هذا اللون الغنائي بأجمل القصيد في المديح والغزل، لكن لماذا هذا التأخر في الظهور ومن هم أوائل فنّاني الشّعبي بمدينة الورود؟
ظهور الشّعبي في البليدة اقترن بانتشاره في العاصمة الجزائر
في دردشة مع الأستاذ والباحث والكاتب المهتم بالتراث الشعبي الجزائري والمغاربي محمد توزوت، اعترف لـ “الشعب” أنّ البليدة كانت ملهمة وقبلة لفني الملحون والبدوي. وكان غالبية الفنّانين يغترفون من القصائد الشّعرية في الملحون خاصة ويحوّلونها إلى ألبومات وأغان، عشقها جمهور واسع من أصحاب السّمع الفنّي الذواق.
ويعود حسبه تاريخ ظهور الشعبي في بداياته إلى تاريخ انتشاره بالجزائر العاصمة، ويستدل في كلامه إلى أنّ المعلّمين الأوائل والسابقين في هذا اللون الغنائي، أمثال الحاج المحفوظ محيي الدين زوج الرسامة العالمية الراحلة باية محيي الدين، وقبله محمد سيدي السعيد الذي قدم من العاصمة، كانت قبلتهما في التعلم هي العاصمة، وتضاف إليهما الرّاحلة فطومة البليدية، وهو ما يؤكّد أنّ الشّعبي قدم من تلك القبلة الشمالية، ثم توارثته الأجيال المتعاقبة وأبدع فيه بعض المغنّين وأحسنوا الآداء.
 حقيقة التّسمية المتواترة وأولى بوادر الظّهور بمدينة الورود
ويسترسل محدّثنا الأستاذ محمد توزوت، ويعترف
وهو يجلس زاهدا بين كتبه التي صفها وراءه في مكتبته العتيقة، التي اختارها أن يكون فيها كل يوم، أنّ حقيقة تسمية الشّعبي كما هو معروف قبل أن يتحوّل من تسميته “فن المديح” ومغنّيه “المداح”، تعود إلى الأستاذ سفير بودالي حينما اجتهد
وأصاب في تنظيم وتصنيف الأجواق الـ 5 المشهورة في زماننا، أين اهتدى خلال تنشيطه لحصة إذاعية مشهورة بعنوان “الحصص باللغة العربية والقبائلية” وتختصر بالفرنسية بـ “إلاك”. وضع جوق العصري والبدوي والقبائلي والأندلسي، وختمها بلون خامس أطلق عليه جوق “الشعبي”، ليصبح منذ العهد الاستعماري جوقا معترفا به ولديه سادته من المعلمين ورواده من التلاميذ. ومنذ ذلك التاريخ بدأت رسميا تتحدّد معالمه وامتد إلى المناطق الأخرى،
وأصبح كبار المعلمين يورثون ما لديهم من معارف
ويقصدهم التلاميذ من طالبي تعلم الشعبي، أو قيام المعلمين بالتنقل إلى البليدة ومناطق أخرى لفائدة التعليم وإلقاء القواعد الأساسية، أمثال الشيخ لكحل وغيره. وظهرت فكرة تأسيس الجمعيات والتي كانت ثورة فكرية وثقافية ورياضية ساهمت بقدر بالغ في الوصول والنهوض بعدة أفكار جديدة في الجزائر المستعمرة وقتها.
فرنسا تسمح في قانون احتفاليتها المئوية بتأسيس الجمعيات الغنائية والثقافية
يعود الباحث في التراث الشعبي محمد توزوت الى سنة 1930، ويقول في تأكيد أنّ فرنسا بعد أن سنّت قانونا يسمح بتأسيس الجمعيات، مثل جمعية العلماء المسلمين عام 1931، نادي الاتحاد الرياضي البليدي وجمعية الودادية الثقافية في 1932  
والمهتمة بالفن الأندلسي مع مرور السنين (كانت تجمع بين المسرح والغناء والتجويد والانشاد)، بدأ تنظيم حفلات وإحياء سهرات أشهر البيوت في مدينة الورود، والتي كانت في الغالب بحي الديورات العتيق أو قصبة البليدة، وبحي الجون المشتق عن اسم
«اللاّجئون من مضطهدي الأندلس”. وكان من يحيي تلك السهرات والحفلات الحاج محمد العنقى، أين أسمع جمهوره العاشق الولهان للفن الجديد، أعذب الغنوات في قصائد رائعة ما تزال الذاكرة البليدية تحفظها وتحتفظ بها، وتحولت بحق إلى مدرسة في هذا اللون الغنائي، وأصبح لديها موقع ووزن بين الجمعيات ويرتادها كبار المغنين، وعرفت أسماء من معدن نفيس أمثال مريزق صماد، الطاس، الشريف بوزرار ومحمد الحواجي في سنوات الـ 50، لتأتي أجيال ما بعد الاستقلال وتستمر في التألق والنّجومية.
سنوات العصر الذّهبي للشّعبي كانت ما بعد  1962  
زاد حصول الجزائر على حريتها واستعادتها لاستقلالها في تألق نجوم في غنوة الشعبي بمدينة الورد والياسمين، وظهر ثلاثي أو في بعض الأوقات رباعي يقول الباحث توزوت، ازدهر فيه الغناء في لون الشعبي على أيدي الراحل رشيد نوني ومحمد طوبال وعبدالقادر قسوم و جمال بن صامت (هذا الأخير انسحب مجبرا لالتزامه المهني وعاد بعد تقاعده).
وبلغ هذا اللون أيام عزّه وذروته على أيديهم، إلى أن باغتهم الموت واختطفهم وهم في أوّج عطائهم الفنّي، ليأتي جيل جديد حاول وما يزال يحافظ على إرث الاجداد والآباء.
محبوب باتي ومحمد طوبال ظاهرتان أدهشتا الكثير  
يقول الأستاذ توزوت محمد أنّ محمد طوبال شكّل حلقة في تاريخ البليدة وبين أصحاب الفن من ممتهني فن الغناء، كونه كان محسوبا على أصحاب الغنوة في فن الأندلسي. ويقول عنه أنه كان “ماهرا”، وأبدع في محاولات مع كبار الملحنين على غرار المخضرم الراحل محبوب باتي ـ لحّن لأكثر ما يزيد عن الـ 50 مطربا ـ لكنه لم ينل نصيبه من الاعتراف بالقدر الكافي مثل البقية المعروفة، لكن التاريخ أنصفه بعد رحيله وأصبح معروفا أكثر. ويختم في حديثه الهادئ إلى أنّ الجيل الجديد ظهرت فيه أسماء شابة أمثال سيدي علي بن قرقورة،  اسماعيل زيباك وأسماء أخرى كثيرة، لكن يعود ويعترف بأنّ “نوني، طوبال، بن صامت وقسوم “ كانوا حقّا قلاعا في سماء غنوة الشعبي بالجزائر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18265

العدد18265

السبت 30 ماي 2020
العدد18264

العدد18264

الجمعة 29 ماي 2020
العدد18263

العدد18263

الأربعاء 27 ماي 2020
العدد18262

العدد18262

الثلاثاء 26 ماي 2020