النّاقد والمخرج حبيب بوخليفة لـ “الشعب”

“مسرح الحلقة” انتهى فنيا ولكن يمكن توظيفه برؤية جديدة داخل البناء الدرامي

حاوره: علاء ــ م


يعتقد النّاقد والمخرج الدكتور حبيب بوخليفة الأستاذ بالمعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري بالعاصمة، بأنّ “القوال” ساهم إلى حد بعيد في الحفاظ على كيان الأمة من حيث النسب والحضارة والتاريخ، خلال فترة الاستعمار الفرنسي وما بعدها، إلا أنّه انتهى اليوم فنيا بتغير عقلية الجمهور الجزائري، الذي أصبح يرى أكثر ممّا يسمع، ومن ثم فقد أضحت تجربتي كل من عبد القادر علولة وولد عبد الرحمان كاكي المتعلّقتين بدمج هذا النمط في الأعمال المسرحية من الماضي، بالرغم من مساهمة “القوال” الفعالة في الحفاظ على الثقافة الشعبية الجزائرية.
«الشعب” التقت بالدكتور بوخليفة، وأجرت معه هذا الحوار.
❊ الشعب: بداية هل يمكن تبسيط مفهوم القوّال للقارئ؟
❊❊ حبيب بوخليفة: “القوّال” هو شكل من أشكال الفرجة المنتشرة بالمغرب العربي منذ العهد العثماني على غرار الحكواتي بالمشرق، وهو فن لا يزال موجودا ببعض الأسواق الجزائرية بالمناطق الصحراوية والداخلية، ويتلخّص فن القوال في شخصية تخلق المتعة والفرجة في الأسواق وليس مسرحا بالمفهوم الأرسطي، بحيث يتم سرد جملة من الحكايات والقصص على مستوى الأسواق والمقاهي الشعبية، ومواقع التجمعات الشعبية الأخرى كالأعراس مثلا. وهو مرتبط بشكل أدق بالمناطق الريفية مقارنة مع المناطق الحضرية، كما ترتبط ممارسة القوال بغياب وسائل الترفيه والتثقيف الأخرى كالتلفزيون والراديو والأنترنيت وغيرها.
إلاّ أنّ الذي تجب الإشارة إليه هنا هو كون ذات المهنة لم تكن تجارية بقدر كونها تثقيفية وشعبية، بحيث كان المتفرّجون ينفقون من أموالهم على القوال بغير ترغيب ودون إلزام كل حسب ما يقدر عليه مقابل الاستمتاع بالفرجة بالأسواق الشعبية.
أما فيما يتعلق بالمواضيع التي يتم تناولها من لدن القوال، فهي تختلف من منطقة إلى أخرى كما تختلف من زمن إلى آخر، ويسعى القوال في كل خرجاته إلى تقمّص شخصية مجمل الرتب الإدارية والاجتماعية السائدة في عصره من المواطن البسيط إلى غاية القائد الأعلى للمنطقة أو المرحلة. وإذا رجعنا قليلا إلى الوراء للحديث عن فترة  الاحتلال الفرنسي للجزائر، فقد سهر القوال في خرجاته عبر مختلف الأسواق على مدح وتمجيد التاريخ العربي الإسلامي، سعيا منه لربط المجتمع بماضيه وتاريخ أجداده مع دمج بعض عناصر الثقافة الأمازيغية.
❊ وما الفرق إذا ما بين القوّال والمونولوغ؟
❊❊ المونولوغ هو مسرحية ذات شخصية واحدة يمارس فن “الوان مان شو” مثل القوال تماما، إلا أنّ وجه الخلاف يكمن في كون “القوال” كان يحاكي محطات التاريخ العربي الاسلامي، وبطولات المنطقة بطريقة عفوية، وليس مثل المونولوغ الذي يلتزم بتحليل موضوع بعينه، و كان القوال يوظّف الآلات الموسيقية أحيانا، بحيث كان ينشط الحكايات بطريقة فنية وعفوية من خلال تجسيد تعابير شخصية من خلال الأدوات والآلات المستعملة.
❊ وهل يمكن الحديث اليوم عن “القوّال”؟
❊❊ القوال لا يزال موجودا ببعض المناطق الداخلية، على مستوى الأسواق والتجمعات الشعبية، وهذه الثقافة الشعبية يتم توريثها من جيل إلى جيل، إلاّ أنّه بشمال إفريقيا عموما وبالجزائر خصوصا فقد أضحى هذا النمط الفني الشعبي سائرا في طريق الزوال لأسباب عدّة تأتي في مقدمتها دخول التلفزيون والمذياع إلى البيوت، إضافة إلى بروز أوجه أخرى من الترفيه والتنمية الثقافية للمجتمع.
❊ وماذا عن تجربة الرّاحل ولد عبد الرحمان كاكي مع “القوّال”؟
❊❊ لقد اجتهد ولد عبد الرحمان كاكي  في توظيف التراث الثقافي الشعبي من خلال القوال والشعر الملحون، ولا ننسى بأنّ “كاكي” ترعرع بحي شعبي بمستغانم، في منطقة تعتبر قلعة حصينة للشّعر الملحون، وبعد احتكاكه بالتجربة المسرحية الأرسطية الحديثة من خلال المثقّفين والفنانين الفرنسيين، وكذا لقائه مع الفنان عبد الحليم جيلالي الذي يعتبر مؤسسا للمسرح الحديث بمستغانم، فقد عمل على ربط المسرح بمفهومه الأرسطي الحديث بالتراث الشعبي المتجذّر، والذي لم يكن يخل من ثقافة القوال.
وارتباط “كاكي” الوثيق بالتراث الشعبي مكّنه من تجاوز الرؤية الأوربية الحديثة في المسرح، من خلال توظيف عناصر الفن الشعبي بتجسيد شخصيات الفلاح والريفي وغيرها، على عكس مؤلفين آخرين كانوا يعتمدون على شخصيات من المدينة. ولتركيب تلك الشخصية كان لزاما الرجوع إلى التراث الشعبي، كما اجتهد “كاكي” في البحث عن هوية المسرح الجزائري الذي ارتبط بمفهوم كون المسرح الارسطي يعتبر ثقافة فرنسية، وظلّ هذا المفهوم قائما لعقود من الزمن، ومن ثم فقد وظّف “كاكي” القوال للتأثير على الرأي العام الوطني بضرورة تبني المسرح بمفهومه الحديث، واستطاع ولد عبد الرحمان كاكي بذلك أن يمزج ما بين التراث الشعبي والمسرح الحديث، باعتباره تأثر بالعديد من رجال المسرح الكبار ببلاد أوروبا، ناهيك عن كونه عايش تطور التراث الشعبي بمنطقته، إلاّ أنّه اعتمد بالدرجة الأولى على القوال المداح في الكتابة كما في الإخراج، بحيث اجتهد في ترويض الكلمة لجعلها تتحرك وتتناغم مع حاجيات المتلقي، الذي يعتمد في ذلك على السمع والحركة، وبالنسبة إليه فالكلمة المتحركة هي التي تولّد المتعة المسرحية وليس الفعل، معنى هذا أنّ “كاكي” كان واعيا بالفارق الموجود بين النظري والتطبيق، فالتخلّف والانحطاط في العالم الإسلامي له عدّة أسباب داخلية وخارجية قديمة وحديثة، ولكنها لم تمنع الطريق إلى الفعل المسرحي، كما حاول من خلال عدة تجارب اكتشاف الأنا الاجتماعي، انطلاقا من التراث الشعبي.
❊ وما هي أهم أعماله التي تترجم هذا المسار؟
❊❊ بدأ “كاكي” أولا بترجمة عدة أعمال فنية كـ “الطير الأزرق” لـ “كارلوس قودزي” و«الراوية الصلعاء” و«الحاج إبراهيم” و«الدكتور منير”، ثم خاض تجربة التأليف المسرحي وفقا لمقتضيات الأرسطية بدءا بمسرحية “دم الحب”، التي تعتبر أول مسرحية له تعتمد على مبادئ الكتابة الدرامية، بحيث حاول إبراز الإحساس بالحب في مجتمع يرفض الحديث عن هذا الموضوع، وهي مسرحية تقترب من النوع التراجيدي.
❊ وبالنّسبة للرّاحل عبد القادر علولة، هل سار على نفس نهج “كاكي”؟
❊❊ عبد القادر علولة لم يختلف كثيرا عن “كاكي”، فهما يلتقيان في نقطة مشتركة تعنى بالبحث في الموروث الشعبي أو الثقافة الشعبية الاحتفالية، وكان عبد القادر علولة قد بدأ مشواره منذ عهد الثورة التحريرية بمنطقة الغزوات غرب وهران بأعمال فنية لها صلة بالمسرح الروماني أو الإغريقي، إلا أنّه تفطن بعد الاستقلال إلى أن الجزائري لابد له من أن يثبت هويته من خلال الممارسة المسرحية، فاندمج مع فرقة جبهة التحرير الوطني التي رجعت من تونس بعد الاستقلال كممثل أولا، ليتحول إلى مخرج لاحقا. وعكف على الاشتغال على النصوص الدرامية الحديثة، ثمّ انتقل إلى الكتابة وأدرك حينها بأنّ المتفرّج لابد من أن يشعر بهويته، فاستنجد بالقوال خلافا عن “كاكي” الذي اعتمد على الشعر الملحون والآلات الموسيقية المختلفة.
ويعتقد عبد القادر علولة في هذا الأمر بأنّه لابد للعين أن تسمع ولابد للأذن أن ترى، وتلك كانت خلاصة تجربته في المسرح، بحيث انتقل عقب ذلك إلى المخيال الشعبي الجزائري من خلال توظيف عناصر التراث الشعبي. وقد تجلّى ذلك في أعماله الفنية “العلق” و«الخبزة” ثم “حضن سليم” و«حوت يأكل حوت” قبل تجسيد ثلاثيته الشهيرة “الأجواد ـ اللثام ـ الأقوال” التي اعتمدت على فكرة كون العمل المسرحي يجب أن يرتبط ارتباطا وثيقا بالمحيط الثقافي والاجتماعي، مؤكّدا من خلال أعماله على أنّ الفعل يقف على الكلمة المنطوقة، وليس على الصورة المتحركة في صراع الشخصيات المتناقضة الأهداف.
وتأكّد من خلال هذه الأعمال الابتعاد نسبيا عن الشكل الأرسطي، مع تأكيد الشكل الملحمي بتوظيف عناصر التراث الشعبي الجزائري، والبحث في العلاقة بين الفضاء الروحي والمادي المسرحي والجمهور، ومن ثم فقد أصبح البعد الوطني الجزائري يتجلى بكل وضوح في أعمال  عبد القادر علولة.
❊ معنى هذا أنّ عبد القادر علولة تمكّن من التّأسيس لمسرح جزائري متميّز؟
❊❊ تجربة عبد القادر علولة انتهت عمليا سنة 1993، حينما حصل لقاء بيننا بالمسرح الوطني وأكّدت له بأنّ السرد المستسقى من “القوال” لا يمكنه بناء المسرح الدرامي، فاعترف بأنّه حاول وضع أسس تجربة مسرحية جزائرية، ولعل الأجيال القادمة ستواصل المسار، إلا أنّه عاد من جديد إلى المسرح الدرامي بمسرحية “أرلوكان خادم السيدين” لـ “كارلوس قودزي”، بعد أن اقتنع بأنّ المسرح يبقى دائما ذو صبغة درامية، ولابد فيه من الصراع والشخصيات، فالمسرح ليس سردا ولكنه ينطلق في أسسه من الصراع والبناء الدرامي.
❊ هل تقصدون من خلال حديثكم بأنّ القوّال لا مكان له في كواليس المسرح المعاصر ببلادنا؟
❊❊ ما لا خلاف فيه أنّ القوال مجود بمختلف المجتمعات البدائية، والآن مجتمعنا في الجزائر تغيّر، والمتفرج بحاجة إلى الحركة والفعل والصورة ورموز جديدة، لأن الأجيال التي عاشت فترة “علولة” وما قبله لا تماثل تماما الجيل الحالي الذي أضحى يداعب الأنترنيت ووسائل اتّصالية ضخمة ومعقّدة، وتغيّرت بذلك البنية العقلية للفرد الجزائري فأصبح هو أيضا يشكّل جزء من الحضارة الحديثة، ومن ثمّ فلابد أن نفكّر الآن في بناء المسرح الدرامي الذي يخترق الزمان.
❊ وما تعليقكم حول تجربة “القوّال” في الجزائر؟
❊❊ أعتقد أنّه بإمكاننا إحياء هذه الثقافة الشعبية، ولكنه لابد من ربطها بصورة جديدة ورؤية جديدة وجمالية جديدة، تقتضي دمج الثقافة الشعبية داخل البناء الدرامي، وذلك بتوفير مشاهد للقوال داخل بناء مسرحي درامي.
وأنا أعتقد بأن المسرح اللحمي انتهى زمانه الآن، بالرغم من كون بعض المسرحيين الجزائريين لا يزالون يروجون له، ولابد من أن ننتقل إلى الحركة والفعل، باعتبار الكلمة التي تعتبر رمزا للقوال تبقى جزءا بسيطا من البناء الدرامي المتكامل الذي يعتمد عدّة مقتضيات أخرى. وأعتبر تجربة كل من عبد القادر علولة وولد عبد الرحمان كاكي منشطين للفعل المسرحي الجزائري وخاضا تجربة رائدة في ذلك، ولكن هذه التجربة انتهت عمليا، ولم تعد ترتبط بالتركيبة العقلية للإنسان اليوم، والذي أصبح لا يستمع كثيرا بقدر ما يرى لذلك، فإن الرؤية والصراع والصورة والفعل هي كلها عناصر لابد من توظيفها في الأعمال المسرحية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18298

العدد18298

الثلاثاء 07 جويلية 2020
العدد18297

العدد18297

الإثنين 06 جويلية 2020
العدد18296

العدد18296

الأحد 05 جويلية 2020
العدد18295

العدد18295

السبت 04 جويلية 2020