أستاذ التاريخ ولد أحمد عبد القادر لـ «الشعب»:

أعماله أرخت لمرحلة حاسمة من تاريــخ الجزائــر التحــرري

سوق اهراس: العيفة سمير

نقل واقع لا يعرفه الآخر فغيّر نظرة العالم تجاهنا

رحل عنا في هذا الشهر من العام الفارط قامة فنية وطنية من طينة الكبار، جمع بين الفن وحب الوطن، مجاهدا إلى جانب القضية التحريرية الوطنية، ومدافعا عنها بأعمال جسدت هذا الشعور الوطني الصادق، ترك العديد من الأعمال العالمية التي لا تزال شاهدة على إيمانه بالقضية الوطنية، قالت عنه زوجته، عمار العسكري عملاق السينما الجزائرية استطاع أن يقدم الثورة الجزائرية للجيل الحالي بطريقته الخاصة من منطلق ايمانه العميق بأن شعبا من دون ثقافة ولا موروث تاريخي لا يملك لا حاضرا ولا مستقبلا.
في هذه الذكرى الأولى لرحيله إرتاينا أن نبحث في البعد التاريخي لأفلام الراحل عمار العسكري، من منطلقات مهنية صرفة، ومن منطلقات تاريخية نعود بها ولو قليلا إلى الوراء لاستشراف فترة حاسمة طبعت أعماله، وطغت على منتوجه السنمائي الكبير، يقول استاذ التاريخ ولد احمد ان اعمال الراحل عمار العسكري تعتبر مرجعا تاريخيا للأجيال القادمة، وعين على فترة حاسمة من تاريخ النظال الشعبي الجزائري، تجسدت في أكبر أعماله «دورية نحو الشرق» عام 1974 وفيلم «المفيد» 1979 وفيلم  «أبواب الصمت» 1989، إلى آخر إعماله فيلم «زهرة اللوتس» 1999.
«الشعب»: كيف تجلى البعد التاريخي في أفلام الراحل عمار العسكري؟
«الأستاذ»: أن المتتبع لأعمال الراحل عمار العسكري وعلى رأي النقاد السينمائيين، فإن جل أعماله تبدأ من إيمان بقضية معينة يطرحها المخرج في سيناريو سينمائي واضح ويعمل على تجسيدها وفق مخارج سنمائية متكاملة، وهذا هو مكمن القوة في جل أعماله، أهمها فيلم دورية نحو الشرق، الفيلم الذي صور فيه الراحل جزءا مهما من تاريخ النظال الوطني مع المستعمر الفرنسي، الفيلم يروي مرحلة حاسمة من تاريخ الجزائر، أين تحاول مجموعة من الشباب الجزائري والتي تقمّص فيها المخرج دورا رياديا محاولا تجسيد أدّق التفاصيل في هذا الفيلم التاريخي الكبير والذي قيل عنه «السينما الجزائرية لم تنجب فيلما ينافس فيلم دورية نحو الشرق» وفعلا لقد كان عملا رائعا، جمع بين العديد من الأبعاد الثقافية التي تكشف الستار عن مرحلة حسّاسة جدا من تاريخ الجزائريين، محاولا نقل قيم وطنية تتمحور حول التضامن والتكاتف والتحدي لفئة من الشباب محاولين اجتياز خط موريس باتجاه الداخل لتموين الثورة الجزائرية.
كذلك الفيلم صور الشرق الجزائري الذي طالما كان منتفضا ضد الأوضاع الاستعمارية القائمة، مركزا على الأزياء واللباس الوطني الثوري الذي يكشف عن معاناة كبيرة تكبّدها الأجداد في سبيل التحرر والإستقلال. وهذا بحدّ ذاته شواهد تاريخية لا يمكن أن توصف بالروايات ولا بالشهادات ولا بالأقوال، لكن استطاع المخرج الراحل عمار العسكري بطينته الوطنية وإيمانه العميق بالقضية الجزائرية أن يجد لها مخارج سنمائية راقية ويقدمها بعدسة الكاميرا إلى الأجيال القادمة، الأجيال التي لم تعش هاته المرحلة، الأجيال التي لم تعرف المعاناة الكبيرة التي تكبدها الأجداد في سبيل نيل الحرية، وبالتالي يمكن أن تتخذ هاته الأعمال كمرجع تاريخي للمرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر التحرري .
قبل أيام، احتفلنا بذكرى معركة سوق أهراس الكبرى، والتي جسّدت عملية عبور السلاح والذخيرة عبر خط موريس وشال، هل ترى أنه كانت هناك روابط في ذهن المخرج بين فيلم دورية نحو الشرق وهاته المعركة الكبرى؟
 أنا كأستاذ تاريخ لا أستبعد أن المخرج الكبير عمار العسكري لم يتأثر بوقائع معركة سوق أهراس الكبرى، أو أم المعارك وادي الشوك، فالراحل هو مجاهد ورجل وطني قبل أن يكون مخرجا سينمائيا، ومعركة سوق أهراس الكبرى واحدة من أهم المعارك التي خاضها الجزائريون ضد المستعمر الفرنسي، أين رفع التحدي إلى المواجهة المباشرة وصدام مباشر بين المجاهدين الذين قطعوا خط شال وموريس بصدد تمرير السلاح والذخيرة إلى المناطق الداخلية، أين واجهوا الآلة الإستعمارية التي تفطنت لهذا العبور،أين لم يبق من مخرج أمام المجاهدين سوى المواجهة المسلحة، المعركة التي تكبد فيها العدو الفرنسي خسائر فادحة رغم فتحه لجميع خطوط الإمدادات العسكرية برا وجوا،مخلفا أزيد من 1200 جندي فرنسي قتيلا وهو عدد لم تتكبّده القوات الإستعمارية في أي مواجهة مع جيش التحرير الوطني، فكيف لا يمكن أن تكون هاته المعركة الكبرى مصدر إلهام للمخرج المجاهد عمار العكسري، كما أن المناطق التي تمّ بها تصوير فيلم دورية نحو الشرق هي نفس المناطق تقريبا التي دارت بها معركة وادي الشوق من سوق أهراس الحدود الجزائرية التونسية إلى جبال الدهوارة بأعالي ولاية قالمة .
ماذا تقول للجزائريين في حقّ الراحل في الذكرى الأولى لرحيله؟
لا يسعني إلا أن أقول رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه، فما أحوج الجزائر اليوم إلى رجال من طينة عمار العسكري، رحل الفقيد في زمن شحت وتراجعت فيه السينما الجزائرية، رحل الفقيد ولم يترك من بعده من يخلفه وزنا وثقلا، نحن بحاجة إلى أعمال من وزن أعمال المخرج الكبير عمار العسكري، أعمال تدافع عن قضية وطنية، وتجسّد نظالا وطنيا وتسعى إلى إبرازه، العديد من القضايا الوطنية مازالت بحاجة إلى أعمال لإبرازها والدفاع عنها والعمل على ترسيخها، لقد مرت الجزائر منذ الاستقلال بالعديد من المحطات التاريخية المفصلية، كان من المفروض أن تجسّد في أعمال كبيرة ولا تترك طي النسيان، كذلك العديد من المحطات التاريخية أهملت برحيل شهادات من عايشوها وبالتالي هاته خسارة كبيرة للاأجبال القادمة، كان من المفروض أن توثّق هاته المحطات في أعمال سينمائية حتى لا تطوى وتنسى.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18462

العدد 18462

الأربعاء 20 جانفي 2021
العدد 18461

العدد 18461

الثلاثاء 19 جانفي 2021
العدد 18460

العدد 18460

الإثنين 18 جانفي 2021
العدد 18459

العدد 18459

الأحد 17 جانفي 2021