­­­­­الفنان عبد الحق بن معروف:

علينـــا أن لا نبكي علـــى الأطلال ونستثمر في أعمال المخرج ونثمنها

عنابة: هدى بوعطيح

أكد الفنان السينمائي والمسرحي عبد الحق بن معروف أن المخرج الكبير الراحل عمار العسكري أدخله السينما العالمية من أوسع أبوابها، ومكّنه من التمرس على تقنيات أكبر في السينما، جعلته يلتمس تقنيات أخرى في الإخراج والأداء الفني.
وقال بأن المخرج الراحل كان دائما يؤمن بأن السينما رسالة حضارية وثقافية وفنية يجب تقديمها للأجيال، مشيرا إلى أن عمار كان عسكري في معاملته من ناحية المواظبة والأدب والإيمان القوي والراسخ بالعمل الجاد، ومواكبة فريقه جعله ينجح في تقديم تحفة فنية للسينما الجزائرية تتحدث عن حقبة تاريخية كبيرة..
قال الفنان عبد الحق بن معروف في حديث لـ»الشعب» أنه كان يحلم بالمشاركة إلى جانب عمار العسكري، مشيرا إلى أنه في سنة 1976، كان فريق العمل الذي يديره المخرج الراحل يحضر لإنجاز عمل في نواحي عنابة، وكان آنذاك يبلغ من العمر 15 سنة، حيث اتصل به للمشاركة معه في أحد أفلامه، غير أنه أجابه بأنه ما يزال صغيرا وقال له «حين تكبر تعالى لأقدم لك دورا في أحد أفلامي».
وأضاف بن معروف أن الصدف تشاء أن يتصل به ذات يوم سي عمار ليسند له دور البطولة في فيلم «زهرة اللوتس» وهو دور الجنرال «لخضر لاندوشين»، مؤكدا بأن فرحة كبيرة غمرته لمشاركته في فيلم جزائري فيتنامي، والمساحة الأولى التي سيتم التصوير فيها ستكون بلد الفيتنام والذي كانوا يتغنون به وبأبطاله وهم صغار.
وأشار أنهم حين انطلقوا في مناقشة السيناريو أحس بصعوبة الدور، كونه فيلم تاريخي يبرز فترة تمّ تناسيها في المشهد الثقافي، وهي مشاركة الجزائريين في حرب الفيتنام، وفي بلد له تاريخ ودين مختلف وتربة أخرى وجنس آخر، مضيفا أنه كان سعيدا ومدهوشا في نفس الوقت أن يرى الجميع في الفيتنام يبتسم، وهي الذخيرة التي اعتمدت عليها ـ يقول الفنان ـ لأقوي نفسي في هذا العمل.
بن معروف أكد بأن عمله مع المخرج الراحل فتح له الباب على السينما العالمية، والتمرس على تقنيات أكبر في هذا المجال، كما أخذ بيده إلى فضاء إبداعي آخر وهو الفن السابع، بعد مشاركته في عدة أعمال تلفزيونية جزائرية شهيرة، كاشفا بأن هذه التجربة وترشيده من طرف العسكري جعلته يلتمس تقنيات أخرى في الإخراج والأداء الفني في مجال السينما، كونه ّأكثر دقة واحترافية وأكثر صعوبة، وتجواله من المسرح إلى السينما مغامرة يعتز بها.
يؤمن بما يبدعه وهاجسه الأجيال
«عمار العسكري في ميدان العمل صعب جدا»، هذا ما أكده الفنان بن معروف، مشيرا إلى أنه يؤمن بالشيء الذي يبدعه، حيث أنه ينغمس بكل حذافيره في إنتاجه الفني، ويؤمن أيضا بأن السينما رسالة حضارية وثقافية وفنية يجب تقديمها للأجيال، قائلا بأن الهاجس الأساسي في أعمال العسكري هم الأجيال.
وتحدث بن معروف عن عمار العسكري المجاهد الذي اختار المشاركة في حرب التحرير وهو صغير، وسافر وتعلم واقترب من عظماء هذه الفترة التاريخية، كما تتلمذ على يدّ كبار الساسة، ولهذا كان يؤمن بضرورة إعطاء المشعل للجيل الجديد بصفة سلسلة وإبداعية، وأضاف محدثنا أن عمار صارم في ميدان العمل ومستعد لإعادة المشهد عدة مرات إلى غاية الاقتناع به، مشيرا إلى أن المخرج الراحل جميل ويحب الجمال في أعماله ويتقن فن إدارة الممثل، وطريقته الصعبة تلزم الفنان على البحث والتعمق في الأداء السينمائي، كما أنه عسكري في معاملته من ناحية المواظبة والأدب والإيمان القوي والراسخ بالعمل الفني.
واعتبر بن معروف مشاركته في «زهرة اللوتس» صعب للغاية، حيث العمل في بلد آخر أمام فنانين من الفيتنام، فرنسا وأستراليا، وهو ما يجعل الفنان ـ حسب المتحدث يطرح عدة تساؤلات ويراجع نفسه عدة مرات ويتملكه هاجس النجاح أو الفشل، لكنه قال «إن إدارة عمار العسكري للعمل الفني ومواكبة الفريق جعلهم ينجحون في تقديم تحفة فنية للسينما الجزائرية تتحدث عن حقبة تاريخية كبيرة»، وهو ما جعلهم كفنانين يشعرون بأن المسؤولية ليست فنية فحسب ولكن أدبية وحضارية أيضا، حيث كان بالنسبة لهم ثقلا كبيرا لأن التعامل مع أفلام الثورة التحريرية هو تعامل إنساني ووطني، «نشعر أننا نشارك في معركة الصورة والصوت وبأننا أمام مسؤولية، تمكّن المخرج الراحل عمار العسكري من ترسيخها في أذهاننا».
ابن البادية الذي يعشق عطر الصنوبر
«عمار العسكري ابن عنابة، وابن الجزائر وابن الإنسانية، طاف في عدة مستويات كما أنه مدافع على السينما الوطنية، ومن بين المدافعين الشرسين على وجود سينما عمومية، كان دائما يؤمن بأن الدولة يجب أن تكون لها سينما خاصة بها»، هذا ما قاله الفنان عن فقيد السينما الجزائرية، مؤكدا بأن ذلك بالنسبة له حماية لحقوق المواطنين والفنانين، فهو ـ حسب المتحدث ـ أحد أجواد هذا الوطن، حيث يجود بحبه وعاطفته للكل بدون تمييز أو تفرقة بين هذا وذاك، وأضاف بأن تشبعه بالأفكار الوطنية جعله إنسان قريب من المواطن، كما أن دفاعه وإدارته للشركة السينمائية الجزائرية «كاييك» سابقا وتواجده في نقابة ممتهني السينما الجزائرية، وترأسه لجمعية «أضواء السينمائية» جعله قريب من الفنان والوطن أيضا.
 وعن شخصية عمار العسكري بعيدا عن الصوت والصورة، نوّه بن معروف بخصال الفقيد الذي اعتبره إنسانا حنونا وصعب في نفس الوقت كونه صادق ورجل مواقف، كما أنه إنسان بسيط ومتواضع، مضيفا بأنه ابن البادية الذي يعشق عطر الصنوبر، صادق مع نفسه وليس له حواجز، هو إنسان قلبه ووجدانه من يتكلمان، كما أنه يريد أن يعيش كل أنية بعمقها وبصدقها وملحها.
وأشار الفنان عبد الحق بن معروف إلى أن نبرة صوته جزائرية، فحين يتكلم في أي بقعة من العالم تشعر بأنه ذلك الجزائري القوي، الصامد الذي بقي قويا إلى آخر يوم في حياته، وأضاف بأنه يفتخر في مساره الفني أنه كان له الحظ أن الله سنح له الفرصة أن يجالس هذه الشخصية ويكون ضمن طاقمها الفني.
سي عمار قدم تحفا فنية للسينما الجزائرية
وأشار الفنان عبد الحق بن معروف أن العسكري قدم تحفا ثمينة للسينما الجزائرية منها رائعة «دورية نحو الشرق» التي أصبحت من كلاسيكيات السينما الوطنية، مبرزا أنه تمنى لو شاركه أحلامه الأخرى لإنجاز أفلام حول عظماء الجزائر إلا أن القدر سبقه.
وقال بأن عمار العسكري يعد من العلماء الذين فقدتهم الجزائر، والذي ترك مدرسة وتعاليم ومعارف.. وطالب بن معروف عدم البكاء على الأطلال، بل الاستثمار في أعمال المخرج وتثمينها، على سبيل المثال إقامة جدارية في قريته تتضمن صورته وسيرته الذاتية ليقرأها كل من يدخل المدينة، ويقول شكرا لعين الباردة ولعنابة أنها أنجبت ابنا فذا، داعيا أيضا لتقديم أفلامه في وسائط فيديو للأطفال لمشاهدتها، وتأسيس جوائز باسم المخرج. وفي ختام حديثه، قال بن معروف إن الفنان المبدع لا يموت وهو يساهم في المحافظة على الذاكرة الوطنية «ومن ليست له ذاكرة سيمحى من الخريطة العالمية»، مشيرا إلى أنها رسالة عمار العسكري، حيث كان من خلال أعماله يناضل لأجل الذاكرة الوطنية.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18462

العدد 18462

الأربعاء 20 جانفي 2021
العدد 18461

العدد 18461

الثلاثاء 19 جانفي 2021
العدد 18460

العدد 18460

الإثنين 18 جانفي 2021
العدد 18459

العدد 18459

الأحد 17 جانفي 2021