الفضاء الرقمي .. جميع الحقوق غير محفوظة

حين يتخبّط الإبداع الأدبي في فوضى المواقع الالكترونية

معسكر : أم الخير.س

لم يعد ضحايا القرصنة والسرقة الأدبية يُعَدون على أصابع اليد كما يحدث بين تارة وأخرى لأدباء وكتاب بارزين يسرق منهم نتاجهم الأدبي ويقتبس منه ما يقتبس ليكون بذرة لصناعات أدبية أخرى، أو نسمع عن بعضهم أنهم مجرد لصوص أفكار ونشالين في بحر العلم والأدب لنسبهم نصوص غيرهم إلى أنفسهم.

 فالسرقة الأدبية ظاهرة عالمية ضحاياها كثيرين، اتخذت أبعادا غير متحكم فيها بفعل الاستعمالات الواسعة للتكنولوجيا والرقمنة، فأصبحت الشبكة العنكبوتية فعلا - شبكة - يتخبّط فيها الإبداع الأدبي والفكري والعلمي في فوضى غير معقولة وتترصد فيها الظاهرة كأحد الآفات التي تثقل الوسط الثقافي بالفكر المبدع وتوقعه في متاهات الابتذال والتصنع، إنما في جهة مقابلة نجد أن التطور التكنولوجي لم يغفل عن خطر اتساع مدّ الظاهرة وتطاولها على الفكر والإبداع البشري وسعى إلى حفظ ذلك ضمن تطبيقات معلوماتية تكشف المصادر الأصلية للنصوص الأدبية ومختلف الإبداعات الفكرية والعلمية من السرقة ،إضافة إلى مساعدة الباحثين في التمييز بين المملوك والمسروق، لكن إلى أي مدى تثبت هذه التطبيقات التي وضعها العلم تحت تصرف الفكر والثقافة نجاعتها أمام إصرار الكتّاب والأدباء على ركوب مخاطر ومساوئ التكنولوجيا وإصرار لصوص الفكر أكثر على السرقة، تساؤلات عدة تطرح للوصول إلى عمق الظاهرة لتشريحها وإيجاد حلول لها بداية من ضحايا الآفة الثقافية من كتاب مازالوا يستغلون مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات الالكترونية في عرض ما جادت به أقلامهم في حقل الأدب .
رندة مكاوي: وجدت نصوصي منشورة باسم شخص آخر لا أعرفه
 على غرار الكاتبة المتألقة رندة مكاوي، صاحبة المسيرة الأدبية المهمة في الكتابة القصصية، باعتبارها من بين الأسماء النسوية المتميزة في المشهد الأدبي وتظلّ كذلك من أبرز الكتاب الذين يستغلون مواقع التواصل الاجتماعي للكتابة والتدوين، وقالت رندة عن الظاهرة أنه حدث معها منذ وقت أن وجدت أحد قصصها منشورة باسم آخر في مجلة أدبية عربية وأنه يحدث كثيرا أن تجد رندة اقتباسات من ما تكتب مدونا لدى أشخاص على المواقع الافتراضية ولا تعري ذلك اهتماما بحكم أن ما يكتب لا بد أن يطرأ عليه التغيير قبل الطباعة والنشر، وأكدت الكاتبة والقاصة رندة مكاوي ببساطة الكلمة والروح المتسامحة أنها تشعر حيال من يسرق نصوصها وكلماتها أنه يخلد لإحساسها الذي يعتبر حافزا لكتاباتها وأنها تعي المعضلة الكامنة خلف ظاهرة السرقة الأدبية ولا رد لها عن ذلك إلا الكتابة بين السطور التي تعني أنها لوحدها من يحسن تقديم إضافات قيّمة لما كتب بحكم تجربتها واستنادا لبديهية الأسلوب الذي يتمتع به كل كاتب والذي يظلّ كذلك ذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين الحقيقة والزيف والاصطناع. وتعتبر الكاتبة رندة مكاوي اعتماد الأدباء والنخبة المثقفة على مواقع التوصل الاجتماعي في الكتابة نوع من المغامرة والثقة الزائدة بالنفس بالرغم من وقوعهم ضحايا للآفة الثقافية والفكرية رغبة منهم في إسماع صوتهم في وقت صارت فيه الشبكة العنكبوتية ذات فعالية أكثر من غيرها من الوسائل التقليدية في النشر، فضلا عن إتاحتها لحيز واسع من الحرية الفكرية.
 الدكتور جلال بسكك: وضع ميثاق شرف لمحاربة السرقات الأدبية
أكد الأستاذ الجامعي بكلية الآداب واللغات بجامعة ابن خلدون في ولاية تيارت، الدكتور جلال بسكك، أن السرقات الأدبية لا تختلف عن السرقات المادية التي تطال الملكيات الخاصة للأشخاص، بل تزيد خطورتها كونها ممارسات إجرامية تستهدف البحث العلمي والأدبي وتشل قدرة العقل، باعتبار أن الكثير من الطلبة والباحثين صاروا يعتمدون على سرقة الأفكار ونقل النصوص وسلخها من محتواها ثم نسبها إلى أنفسهم، دون بذل جهد أو الأخذ بعين الاعتبار الإشارة إلى مرجع النص أو مصدر الفكرة، وهي الممارسات التي أسهم المد التكنولوجي والمعلوماتي في انتشارها واستفحالها في الحقل الثقافي، في غياب الردع القانوني وسبل الرقابة الأدبية، إضافة إلى الإهمال الذي يمارسه الأساتذة في مختلف الأطوار التعليمية والذي يصل إلى درجة الوصف بالتواطؤ مع ممارسي السرقات الأدبية.
وأشار الدكتور جلال بسكك، في حديث لـ»الشعب»، إلى وجود تواطؤ سافر للأساتذة الجامعيين، من خلال تساهلهم وتغاضيهم عن هذه الممارسات الخطيرة التي قد تتوارثها الأجيال في حال لم يتمّ تطهيرها واستئصالها من ذهنيات الطلبة والباحثين، الذين صاروا يعتمدون على البحث والنقل من المواقع الالكترونية في إعداد بحوثهم، مضيفا أن هذا التواطؤ يشمل الأولياء والمعلمين بالمدارس، بالتركيز على المشاريع العلمية أو الفكرية التي يطالب بها التلاميذ فيلجؤون إلى  إعداد بحوث منقولة بأخطائها وأفكارها المضرة في بعض الأحيان من المواقع الالكترونية دون تنقيح أو تطويع لهذه الأفكار، مما يصعب تصنيفها في خانة البحوث العلمية، كونها مفرغة من المحتوى المراد به استهداف تطوير العقل البشري للتلميذ والطالب والباحث كل على حدّ سواء.
ميثاق شرف في الجامعات والمؤسسات التربوية للحماية من السرقات الأدبية
أما عن حلول للواقع الفكري، يتربص به خطر استفحال ظاهرة السرقات الأدبية، فقال الدكتور جلال بسكك، أن الدولة ككيان له سيادته وأمة تتمتع بتاريخها العريق وتراثها المتجذر، عليها وضع ميثاق شرف بين كل الأطراف المعنية بالبحث العلمي في الجامعة وحتى المؤسسات التعليمية لمكافحة السرقات الأدبية وكشفها، باستغلال التكنولوجيا التي تضع برامج معلوماتية لمكافحة الظاهرة، فضلا عن حلول أخرى رادعة، وهي حلول قانونية بحتة، مادام القانون يحمي صاحب الحق وصاحب الملكية، موضحا أن هيئات البحث العلمي والجهات المشرفة على الديوان الوطني لحقوق المؤلف، عليها العمل أكثر لتحصين مجال الإبداع الأدبي وحمايته من السرقة، من خلال نشر ثقافة تأمين الملكيات الأدبية والتحسيس بالأخطار التي يتعرض لها المؤلفون والأدباء جراء السرقات الأدبية، التي استفحلت وتطورت بتطور التكنولوجيا إضافة إلى عامل ثراء اللغة ولجوء ممارسي السرقات الأدبية إلى طمس وإخفاء علامات السرقة الأدبية بالاقتباس والتحايل على الكلمات والنصوص.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018