ترامب بين الإلتزامات الإنتخابية والمهام الرّئاسية

القرارات «المتسرّعة» كلّفت متاعب سياسية للطّاقم الجديد داخليا وخارجيا

جمال أوكيلي

 

الإدارة الأمريكية الجديدة تعمل بوتيرة سريعة جدّا للحسم في مسائل حسّاسة، وملفّات شائكة تراها من زاوية الالتزامات الإنتخابية التي تتطلّب الإيفاء بها بعد استلام ترامب مهامه مباشرة، في حين أنّ المنطق السياسي يستدعي التريث، لمعرفة التّفاعلات والتّداعيات لأي قضية يراد التعامل معها.
فبعد حوالي ١٢ يوما من الخطاب المرتجل الذي ألقاه ترامب بالبيت الأبيض، أبدى الملاحظون تخوّفاتهم من غياب أضواء المرور عند هذا الرجل ما بين الأخضر، البرتقالي والأحمر، ما جعله يتعرّض لكل هذه الاحتجاجات وحتى التّراجع عن بعضها إن حتّم الأمر ذلك قصد إعادة الإستقرار لمنظومة حكمه.

وفي هذا الشّأن، فإنّ الفريق المساعد لترامب يفتقد للتّجربة، فقد أعدّ ترسانة من الاقتراحات تحوّلت فيما بعد إلى إضفاء عليها الصّفة القانونية وقوة التطبيق، وهذا ما يسجّل على المراسيم التي تسقط كل يوم في قطاع معين.
وعليه فإنّ هذه الوتيرة السّريعة في إصلاح ما يجب إصلاحه كلّفت ترامب متاعب جمّة، وهو ما يزال لم يطّلع على خبايا وخفايا الآليات التي يسير بها النّظام السياسي في الولايات المتحدة، ففي فترة وجيزة جدّا اصطدم بالسّلطة القضائية على إثر اعتراض قاضية على قرار منع دخول الأشخاص من البلدان الـ ٧ المحدّدة بحوزتهم تأشيرات سليمة.
وهكذا يكون ترامب قد أسّس لسابقة سياسية لم تحدث في الحوليات الأمريكية منذ عقود من الزمن من تعاقب الرؤساء على البيت الأبيض، فبدلا من الاهتداء إلى خيار التّهدئة فضّل المواجهة عن طريق إصدار المزيد من المراسيم الإستفزازية ذات الطّابع القمعي، زيادة على استهداف جوانب من قضايا يعتبرها الجمهوريّون بغير الطّبيعية في استمرارها بالشّكل الحالي.
وكل ما يوقّع عليه الرّئيس الأمريكي اليوم من قرارات كانت معدة من قبل وجاهزة تنتظر الإمضاء عليها فقط، والشّروع للعمل بها فيما بعد، ولابد من القول بأنّها انتقام من حكم الدّيمقراطيّين باتجاه محو أثرهم من المشهد السياسي الأمريكي.
لذلك فإنّ ترامب يتصرّف على أساس أنّه ما زال رهينا لأدبيات الحملة الانتخابية التي أدارها في الولايات الأمريكية، ويعتقد جازما بأنّ ما قاله لجمهوره يجب أن يجد طريقه إلى التّطبيق مهما كان الأمر دون قراءة عواقب مثل هذا الحماس الفيّاض العابر الذي لا يخدمه بتاتا، إن تمادى في التمسك به.
ولابد من الإشارة هنا إلى أنّ التعهدات الانتخابية ليست قدرا محتوما على المترشّحين بمجرد الفوز بإمكانهم إعادة النّظر ومراجعة البعض من التوجهات التي يرونها محرجة وحتى مستحيلة، وهذا ما غاب عن طاقم ترامب الذي قرّر العمل بالوتيرة السّريعة كأنّ الأمر يتعلّق ببالون اختبار أطلقه لرصد ردود الفعل.
لذلك، فإنّ هذه السّلسلة القاسية من القرارات التي صدرت عن ترامب، تفادها الديمقراطيون عندما كانوا في السلطة، اعتقادا منهم بأنّها لا تخدم عهدتهم أبدا، ومن يجرؤ على تحريكها فما عليه إلا تحمل مسؤولية ذلك، وما ينجر عن ذلك من آثار سلبية، في السعي من أجل مرحلة حكم مستقرّة.
ويتوقّع الملاحظون أن تعود الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة إلى مسارها الطّبيعي شريطة أن يتم التخلي عن تلك الإجراءات الصّادمة والمثبطة في آن واحد، لأنّه منطقيا لا يمكن لفريق ترامب العمل في هذه الظروف غير المساعدة على أي تقدّم مرجوّ في هذا الإطار، وهذا لا يتماشى أبدا مع ما يرغب فيه الأمريكيون في أول عهدة للجمهوريّين، كالمظاهرات والاحتجاجات وغيرها التي لا تترك فرصة لظهور نوايا هذا الحكم الجديد.
وحتى الآن، فإنّ الأولويات غير واضحة لدى ترامب من أين يبدأ من الداخل أو الخارج؟ إلى غاية يومنا هذا فإنّ الصّورة غير واضحة بتاتا كل يوم يصدر مرسوما، أو تصريحا بخصوص مسألة معيّنة تثير مشاعر الناس نظرا لما ورد فيها من تطاول عليهم كحرمانهم من دخول أراضي الولايات المتّحدة.
المساهمات المالية في الميزان
والأدهى والأمر هنا هو المساس بأداء المساهمات الأمريكية في المنظّمات الدولية، ففي هذا الإطار فإنّ إدارة ترامب تجتهد اجتهادا نادرا من أجل الكشف مستقبلا على مرسومين ينصّان على تقليص أو إلغاء المساهمة المالية الأمريكية في عدّة وكالات تابعة للأمم المتحدة، وإعادة النّظر في العديد من المعاهدات، وتبعا لذلك، فإنّ الأمر يتعلّق بتشكيل لجنة مكلّفة بدراسة حجم التّخفيضات، ووقف المساهمة المالية لأي جهة لا تستوفي المعايير المنصوص عليها. ويتساءل المحللّون هنا عن الجهة التي منحت صفة عضو كامل للسّلطة الوطنية الفلسطينية أو منظّمة التحرير الفلسطينية، أو مخالفة العقوبات ضد إيران وكوريا الشّمالية، والعمل من جهة أخرى بتقليص نسبة المساهمة بـ ٤٠٪.
وكل الشّخصيات التي عيّنها ترامب في مناصب سياسية عليا بالأمم المتحدة ودوائر أخرى، تعهّدت بأن تطبّق هذه التّدابير حرفيا، وهذا ما يلاحظ على مستوى المنتظم الدولي اليوم، فلماذا تمّ ذكر السّلطة الفلسطينية؟ لابد من القول هنا بأنّ الأوساط الصّهيونية من جماعات الضغط «أيباك» هي التي تقف وراء هذا التأثير المباشر في صناعة القرار الأمريكي في عهد ترامب.
وهذا تهديد مباشر للأمم المتحدة من أجل الكف عن مرافقة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنحها مقعد دائم بدلا من ملاحظ كون المساهمة المالية الأمريكية ذات تأثير بالغ، وهذا باعتراف الجميع.
وتتحرّك حاليا المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة في كل الاتجاهات من أجل اتّخاذ جميع التدابير لوقف مساهمات بلادها في تلك المنظّمات وفق نسب محدّدة في هذا الإطار، اعتقادا منها أنّها تذهب إلى جهات لا تتوافق مع سياسة الولايات المتّحدة الخارجية، وإلا كيف يفسّر ذكر السّلطة الفلسطينية على أنّها استفادت من هذا الوضع بمساعدة تلك المنظّمات؟
وتناسى هؤلاء بأنّ ما أسماه هذا المرسوم بـ «العضو الكامل» في هذه الفضاءات منها اليونيسكو مؤخرا، ما هو إلاّ تتويج لنضال قيادة هذا الشّعب والمجموعة الدولية وفق القوانين والنّظم المعمول بها، وليس هناك أي تحايل في هذا الإطار، فما هذه «الهيستيريا» للإدارة الأمريكية في تكسير كل شيء مرة واحدة، وكأنّ من مرّوا على البيت الأبيض أخطأوا في تسيير شؤون البلد داخليا وخارجيا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018