تعد مرجعا في التّكافل الاجتماعي

«الوزيعة» نموذج للم الشّمل والتّلاحم بين أبناء الشّعب الجزائري

جيجل: خالد ــ ع

من مظاهر التضامن والتكافل بربوع ولاية جيجل ما يعرف ب «الوزيعة » التي هي من أهم التقاليد التي كانت سائدة في المجتمع الجزائري ككل، إلا أنها في السنوات الأخيرة بدأت تتلاشى، وكانت وسيلة تضامنية يتساوى فيها جميع أبناء القرية أو منطقة معينة، ومن خلالها يتصدق الأغنياء من أبناء المنطقة على فقرائها بدون إحراج لهم، صيانة لكرامتهم ونشر الألفة بين جميع الأفراد.

والسهمة فيما معناها قيام أبناء القرية الصغيرة أو ما يسمى في بعض مناطق ولاية جيجل بـ «الجماعة»، بشراء بقرة أو عجل أو أكثر حسب عدد عائلات المنطقة المعنية، وذبحها وتقسيم اللحم إلى أسهم متساوية ويتم إجراء عملية القرعة وكل يأخذ سهمه، ومناسبات القيام بهذه العملية تتعدد منها عند بداية شهر الصيام، أو في منتصفه في بعض المناطق وفي الأعياد الدينية مثل عاشوراء أو في المولد النبوي الشريف أو حتى عند بداية جني الزيتون.
وتتجلى أسمى مظاهر التعايش والعيش في سلام قيام أبناء قرية بني يفرح للمرة الثانية في إنجاز معبر آخر على واد بوناسة، استغرقت مدة إنجازه 30 يوما، وبمبلغ مالي لا يزيد عن 30 مليون سنتيم، أعطي له اسم «الصمود»، وذلك تعبيرا منهم على ظروفهم الحياتية القاسية، ورغم ذلك فهم صامدون على أرض اجدادهم، ويتواصلون بإنجاز المعابر الشعبية، لربط ماضيهم بحاضرهم أملا في مستقبل أفضل.
وقد عرفت نفس المنطقة ببني يفرح ببلدية بني ياجس إنجاز «معبر التحدي والأمل» على وادي جن جن، والذي أنجز من قبل سكان المشتى وما جاورها وبأموالهم الخاصة. وعرف حفل تدشين الجسر حضور المئات من المواطنين رفقة عائلاتهم من كل أنحاء الولاية، ومن خارج الولاية لمشاركة أهالي بني يفرح فرحتهم، وتعد مناسبة هامة للم الشمل، ونشر المحبة بين مختلف سكان مناطق البلدية، وكان بحق معبر الأمل للعيش في كنف السلم والسلام.
وقد شكّل معبر الأمل الذي أنجز قرابة الثلاث سنوات الماضية، نموذجا حيا للتكافل الاجتماعي بين أبناء المنطقة الواحدة من بلدية بني ياجس الجبلية، فالمنطقة نائية ولا تتوفر على أبسط ضروريات الحياة كغيرها من المناطق الجبلية بالولاية، لتعود بذلك روح التآزر والتطوع من أجل خدمة الصالح العام، والاعتماد على النفس، وبذلك حقّق سكان البلدات والقرى المجاورة لوادي جنجن، من إنجاز المعبر الذي يقطع الوادي وينهي معاناة السكان مع أخطار اجتيازه، فبعد شهر من الأشغال المتواصلة والاعتماد الكلي على إمكانيات السكان البسيطة بما فيها الجانب المالي، تمّ تدشين المشروع الذي يربط الضفتين في حفل شعبي غير مسبوق، وحسب مصادر من بلدية بني ياجس، فإن المعبر الذي يمتد على طول 40 مترا، وبعرض واحد متر، كلّف السكان حوالي 100 مليون سنتيم، وشهرا من التطوع في الإنجاز الذي أفضى إلى معبر بمواصفات هندسية لا تختلف عن المشروعات التي تنجزها الشركات المختصة، وساهم فيه فنيون وعمال إضافة إلى تبرعات سكان البلدات المحيطة بالوادي.
وفي مبادرة أخرى تضامنية تطوعية على مستوى الولاية، قام مقاولون بتطوع لفتح طريق يفك الخناق عن الكورنيش الجيجلي، في عملية فتح وشق طريق اجتنابي بمنطقة أفوزار بالعوانة ولاية جيجل للقضاء نهائيا على الاختناق المروري الذي تسببه أشغال توسيع الطريق الوطني رقم 43، وذلك بمبادرة تطوعية من قبل أربعة مقاولين من الولاية، تضامنوا لتجنيب مستعملي الطريق قضاء وقت طويل من الانتظار، وأوضح حينها المتطوّعون من المقاولين بأن الفكرة جاءتهم بعد وقوفهم على المعاناة اليومية لعشرات السائقين، الذين ينتظرون مدة زمنية تفوق الساعة في معظم الأحيان للمرور عبر النقطة السوداء التي تجري بها اشغال التوسعة، ما دفعهم إلى التفكير في فتح طريق اجتنابي على بعد أمتار، بشق طريق عبر الجبل المحاذي للأشغال، ليتم القيام بالدراسة التقنية، وعرضها على مسؤولي الولاية الذين استحسنوا الفكرة.
وحسب أحد سكان بني يفرح الذي قال «التطوع أو التويزة بالمنطقة تسجّل حضورها في النشاطات اليومية والموسمية التي تفرض وضع اليد في اليد لتحقيق الهدف المسطر من قبل السكان، وإضفاء التكاثف في جميع الظروف»، وأكّد آخر على أن مظاهر «التويزة» تحمل الكثير من الصدق، بحكم أن العمل الجماعي يحمل في ثناياه معاني المتعة والراحة في النفوس، لأن الجميع لا يهمّهم سوى إنهاء العمل وتحقيق الهدف بنجاح بعيدا عن أي حسابات مهما كانت، خصوصا عندما تتزامن مع الشهر الفضيل».
وحسب القرويين فإن «التويزة» لا تقتصر على النشاطات الفلاحية والزراعية أو خلال شهر رمضان الكريم، وإنما تسجل حضورها في الأعياد والمناسبات الدينية، وفي أشغال بناء المساجد والمنازل وشق الطرقات، ومساعدة العرسان في الكثير من المتطلبات الضرورية، ناهيك أنّ ظاهرة «‘التويزة» تسجّل حضورها كذلك في الأحزان أيضا، من خلال التكفل الجماعي باقتناء الضروريات في حال حدوث مكروه أو فقدان قريب، وغيرها من المآسي التي يبقى أي طرف معرض لها، وهو ما يسمح بالتقليل من حجم الآلام ويخفّف من متاعب الضحية الذي يحس بالاطمئنان، في ظل تواجده بين إخوان ومقربين يمنحون له يد العون في كل الظروف والأوقات.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018