دفاعا عن صفتها الجمالية النادرة

لسلامة اللغة العربية أثرٌ في حِفظ كِيان الأُمَّة الإسلامية

اللغة العربية تختنق، هذا شعوري كلما رأيتُ الناس يتداولون اللغات الأجنبيَّة في حديثهم بدلاً من العربية، حتى نسوا اللغة الأُم، وصار درسُ اللغة العربية في مدارسنا منهجًا دخيلاً على حياتنا اليومية الحضارية المتقدِّمة، فهل اللغة جزءٌ من الْهُويَّة؟! وهل يكون دفاعُنا عنها تعصُّبًا؟!
 صحيح إنها جزءٌ من إرثٍ ومن تراث وتاريخ، وليس سهلاً استبدالُها أبدًا، لكني لا أُدافع عن العربية بصفتها إرثًا أو جزءًا من تكوين أو هُوية، كما أنني لا أعادي الْهُويَّة العالمية، بل دفاعي عنها يعود لصفتها الجمالية النادرة، هذه اللغة السهلة المعقَّدة، لا أدري بإمكانك أن تحكمَ عليها من عِدَّة جِهات وزوايا، ستراها بحُكم مختلفٍ في كل مرَّة تعتقد أنَّك وصلتَ لحلِّ شفرتها، وفكِّ الطلاسم عنها، قاموسها الهائل حافل بالرموز والتعابير والمترادفات، يشير إلى تداخُل قديم لعِدَّة قُوَى غامضة، أسهمتْ في خَلْق لغتنا وبعثِها للحياة.
 فمن أحبَّ الله - تعالى - أحبَّ رسوله، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العربَ، ومَن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزَل أفضلُ الكتبِ على أفضل العجم والعرب، ومَن أحبَّ العربية عُني بها، وثابَر عليها، وصَرَف هِمَّته إليها، ومَن هداه الله للإسلام وشرَحَ صدرَه للإيمان، وآتاه حُسن سريرة فيه، اعتقد أن محمدًا خيرُ الرُّسل، والإسلام خير الْمِلل، والعرب خير الأُمم، والعربية خيرُ اللغات والألسنة، والإقبال على تفهُّمِها من الدِّيانة؛ إذ هي أداة العلم ومِفتاح التفقُّه في الدِّين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على الْمُروءة، وسائر أنواع المناقِب، كالينبوع للماء، والزند للنار.
 ولو لم يكنْ في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحُّر في جلائها ودقائقها، إلا قوَّة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، لكفى بهما فضلاً يَحسُن فيهما أثرُه، ويطيب في الدارين ثَمَرُه، فكيف وأيسر ما خصَّها الله به من ضروب الممادح يُكلُّ أقلام الكَتَبَة، ويتعبُ أنامِل الحَسَبة؟!
ولَمَّا شَرَّفها الله - تعالى عزَّ اسمُه - وعظَّمها، ورفَعَ خطرها وكرَّمها، وأوحى بها إلى خير خَلْقه، وجعلها لسانَ أمينه على وحْيه، وخلفائه في أرْضه، وأراد بقضائها ودوامها؛ حتى تكون في هذه العاجلة لخيار عباده، وفي تلك الآجلة لساكني جنانه ودار ثوابه، قيَّض لها حَفَظة وخَزَنة من خواصِّه من خيار الناس، وأعيان الفضل، وأنْجُم الأرض، تركوا في خدمتها الشهوات، وجابوا الفلوات، ونادموا لاقتنائها الدفاتر، وسامروا القماطر والمحابر، وكدُّوا في حَصْر لغاتها طباعهم، وأشهروا في تقييد شواردها أجفانَهم، وأجالوا في نظم قلائدها أفكارَهم، وأنفقوا على تخليد كُتبها أعمارَهم، فعَظُمَتِ الفائدة، وعمَّت المصلحة، وتوفَّرت العائدة، وكلما بدأتْ معارفها تتنكَّر أو كادت معالمها تتستَّر، أو عَرَض لها ما يُشبه الفَتْرَة، ردَّ الله - تعالى - لها الكرَّة، فأهبَّ ريحها ونَفَق سوقها بفردٍ من أفراد الدَّهْر، أديب ذي صدر رحيب، وقريحة ثاقبة، ودِراية صائبة، ونفْس سامية، ذي همَّة عالية، يحبُّ الأدب ويتعصَّب للعربية، فيجمع شملَها ويُكْرم أهلَها، ويحرِّك الخواطر الساكنة؛ لإعادة رونقها، ويستثير المحاسن الكامنة في صدور المتحلِّين بها.
 إنَّ لسلامة اللغة العربية أثرًا في حِفظ كِيان الأُمَّة الإسلامية، بل وعلى بقائها إسلامية فعْلاً، وكان أسلافُنا يعرفون ما لها من أثرٍ في المحافظة على ذلك، وقد بلَغ الحِرْص منهم في هذا المقام أن أصدرَ الوليد بن عبدالملك أمرًا بأن تكون الكتابة على الطراز؛ أي: الورق والنسيج باللغة العربية، ومَن يخالف ذلك، يقعْ تحت طائلة القانون.
 ويروى أنهَّ دخل عالِمٌ على أمير المؤمنين هارون الرشيد وهو متَّكئ، فقال له أمير المؤمنين: اجلسْ، فقال العالم: بل اقعدْ يا أمير المؤمنين، فقال هارون الرشيد: وما الفرق؟ قال: القعود من قيام، والجلوس من اتِّكاء؛ ولذا تقول الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فكان متَّكِئًا فجلس».
 وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرى أن الضَّعف في اللغة العربية شرٌّ من الضَّعف في التدريبات العسكرية، فكان إذا سار في الطريق، فكلُّه عين ترْقُب، وآذان تسمع وتعي، فيصلح وهو في الطريق ما يراه فاسِدًا، ويقوِّم ما كان مُعوجًّا، وهكذا لا يني يعمل ولو في منصرفه إلى مُستقرِّ راحتِه، مرَّ بقوم ذات يوم يرتمون فسمع أحدَهم يقول: أَسَبْتُ، يريد أَسَأْتُ، فبادرَه عمر بشجاعته الأدبيَّة مُقوِّمًا: «سوءُ اللحْن أسوأ من سوء الرَّمي».
 إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عربيٌّ، والقرآن عربيٌّ، ولسان أهل الجنة عربيٌّ، فأي مسلمٍ هذا الذي يتنكر للغة العربية؟! وباعتبارنا مسلمين، فلا شكّ أنَّ اللغة العربية فوق فصاحتها، فهي أشرفُ لغة؛ إذ نزل بها أشرف كتاب على أشرف رسول، في أشرف بلد، بَدءًا من أشرف شهر، كل ذلك واضح عند عمر، فيُصْدر تصريحًا على فَهم عميقٍ، فيقول للمسلمين في كلمة جامعة مانعة: تعلَّموا اللغة العربية؛ فإنَّها من دينكم، يربط - رضي الله عنه - بين المحافظة على اللغة العربية والعقيدة، ويجعلها من العناصر ذات الأَثَر البعيد في هذا الدين.
 إن الحرص على اللغة العربية مِن أمْنَع الحصون التي يُراد تحطيمُها وصَرْفُ المسلمين عنها بكافَّة الوسائل؛ لذا ينبغي أن نتمسَّك بها ونحافظَ عليها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18025

العدد 18025

السبت 17 أوث 2019
العدد 18024

العدد 18024

الجمعة 16 أوث 2019
العدد 18023

العدد 18023

الأربعاء 14 أوث 2019
العدد18022

العدد18022

الثلاثاء 13 أوث 2019