دراسة حديثة تؤكّد:

الإسـلام أول من طبّــق حقوق المـواطنة

أكّد الدكتور علي محيي الدين القره داغي عضو المجلس الأوروبي للإفتاء، أنّ الأسرة المسلمة في الغرب تواجه مجموعة من التحديات من أهمها التحديات التشريعية، حيث تتحكم في الدول الغربية قوانينها المستمدة من تقاليدهم وأعرافهم وقيمهم التي تخالف في بعضها الشريعة الإسلامية الغراء ومبادئها، ومن هنا يكون التحدي أمام الأسرة المسلمة في الغرب خاصة في حالات التنازع بين الزوجين والميراث ونحوهما.

جاء ذلك في دراسة حديثة أعدها الدكتور القره داغي مؤخراً تحت عنوان: (الأسرة المسلمة في الغرب..بين الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية وإلزام القوانين الغربية).
 اضاف أنه على الرغم مما يقال عن الحريات المتنوعة في الغرب، وبالأخص الحرية الدينية فإن القوانين الغربية ملزمة للمسلمين وغيرهم حتى في أخص الخصوصيات الشخصية باعتبار أن تنفيذ القوانين هو من سيادة الدولة التي لا يجوز لها التنازل لأي قانون آخر، الأمر الذي يقابله في الإسلام السماح لغير المسلمين الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية أن يطبقوا على أنفسهم أحكامهم الخاصة بهم في كل شئونهم بل إن القرآن الكريم خير إمام المسلمين في الدولة الإسلامية بين تطبيق أحكام الله تعالى على غير المسلمين إذا أرادوا ذلك وبين تركهم ليحكم بعضهم على بعض حسب أعرافهم وقوانينهم.
 أما المتفق عليه كحرمة الزنا مثلاً فإن الإمام ينفذ حكم الله تعالى على مرتكبه، وقد أثبت ذلك الرسول الكريم ــ صلى الله عليه وسلم ــ لليهود في وثيقة المدينة (دستور الدولة الإسلامية الجديدة)، واعترف اليهود ببنود هذه الوثيقة بوجود سلطة قضائية عليا يكون لها المرجعية عند الاختلاف، ولكن لم يلزموا بالرجوع إليها إلا عندما يكون أحد أطراف التنازع أحد المسلمين أما ما سوى ذلك فهم مخيرون، ومنح هذه الحرية التي لم تصل إليها التشريعات الغربية التي يدعي أصحابها الحرية والديمقراطية. يعد فخراً للمسلمين لأن هذا دينهم الذي أقر التعايش السلمي، وحق المواطنة الكاملة لغيرهم بل تنازل عما يسمى في العصر الحاضر بالسيادة القانونية لأجل الحرية الدينية، وسمح لهم بأن يطبقوا شرائعهم ويزاولوا أشياء هي محرمة في نظره بل حمى خنازيرهم وخمورهم من الاعتداء عليها مع أنها من أشد المحرمات في الإسلام، وعذر من يتلفهما بالعقوبات الرادعة بل ذهب بعض الفقهاء منهم الحنفية إلى وجوب التعويض عنهما مع أنهما ليسا من الأموال في نظر الإسلام، ولكن لأجل احترام معتقدات هؤلاء.
 وأكدت الدراسة أن هذه هي حماية الحرية الدينية التي طبقت منذ عصر الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ وبنصوص القرآن الكريم، والتي طبقت منذ أكثر من أربعة عشر قرناً واليوم نعيش قرن الحريات والديمقراطيات والتقدم كما يقال، ولا تسمح القوانين لعشرات الملايين في أوروبا وأمريكا أن تطبق على أنفسها القوانين التي تخص خصوصياتها الأساسية، كما أنه من المحظورات إنشاء محاكم خاصة بهم، إذ أن ذلك أيضاً من السيادة التي لا يجوز التنازل عنها، الأمر الذي أوقع المسلمين الذين يعيشون في الغرب في حرج شديد وتناقض غريب بين مايؤمنون به ومايطبق عليهم من قوانين تتعارض مع شريعتهم.
 وطرح الدكتور القره داغي من خلال دراسته عدة حلول قسمها لحلول نظرية وأخرى عملية، حيث دعا إلى ضرورة السعي الحثيث لدى الدول الغربية للوصول إلى الاعتراف بالإسلام ديناً رسمياً له ولأتباعه من الحقوق للديانات الأخري واتباعهم خاصة وأن الإسلام هو الدين الثاني بعد المسيحية لدى هذه الدول، ويتعللون في ذلك بعدم وجود مرجعية موحدة للمسلمين في تلك البلدان، وهو ما طرحت الدراسة تصوراً له طالبت فيه بضرورة توحيد الأقليات الإسلامية لدي الغرب أو علي الأقل مجلس موحد للمراكز الإسلامية، مع توفير الدول الإسلامية لدعم سياسي ومادي لهم، واتفاق المسلمين على مجموعة أهداف عامة تؤدي للإندماج الايجابي دونما الذوبان، وأن تثبت وجودها الايجابي النافع لتلك البلاد وانشاء ما يسمى بمجلس العائلة لرعاية شئون القصر، ولكن بصلاحيتين حل المنازعات ورعاية شئون القصر ومراكز للتحكيم الرسمي واتفاق وجهاد المسلمين في كل بلد أو مدينة على تعيين قاضي لهم ثم اجتماعهم واختيار قاضي قضاة من بينهم ومطالبة الحكومات بتعيين قضاة مسلمين.
وأجاز الدكتور القره داغي احتكام المسلمين إلي المحاكم في البلاد غير الإسلامية استثناء بشروط، من بينها أن يستنفد صاحب الحق أو النزاع كل السبل الشرعية المتاحة أولاً، حيث يصل بذلك إلى حالة الضرورة خاصة وأن الشريعة الإسلامية حريصة كل الحرص علي تحقيق العدل ونشره وإقامته، إلى جانب ألا يكون الحكم الصادر من المحكمة متعارضاً مع حكم قطعي ومجمع عليه بين علماء الأمة، واستند في ذلك لرعاية مقاصد الشريعة من تحقيق المصالح ودرء المفاسد، هذا إلى جانب أن القرآن الكريم أمر بحفظ العهود حتى مع المشركين وكذا ورد في أحاديث المصطفى ــ صلى الله عليه وسلم ـ
ـوخلص الدكتور القره داغي إلى ضرورة بذل كل الجهود للوصول إلى حلول جذرية بما يؤدي للاستقرار والاندماج الإيجابي للأقليات المسلمة في الغرب، وفي سبيل ذلك فلا مانع من الاحتكام إلى المحاكم الغربية بمقدار الضرورة أو الحاجة الملحة التي تنزل منزل الضرورة إحقاقاً للحق ودرءاً للظلم، فإن صدر للمتنازع حكم مخالف لثوابت شرعنا فعليه أن يطبق شرع الله تعالى فقط، ولا يلتفت لهذا الحكم المخالف ما لم يكن هذا الحكم ملزماً له، حيث يكون ذلك بمثابة الإكراه حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله وضع وفي رواية تجاوز عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه».

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018