محن ومنـن سورة يوسف عليه السلام

بقلم الشيخ: عثمان عامر


جرت عادة الله تعالى مع خلقه أن يعقب المحن بالمنـن والذل بالعز. والفقر بالغنى. وبقدر ما تشتد المحن تأتي بعدها مواهب سـنـن الله تعالى في خلقه. ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولاراد لما قضي ولا معقب لما حكم به وأمضي.
ومن هنا كان ابتلاء الله تعالى لأنبيائه ورسله والمصطفين من عباده. لا لوانهم عليه. ولكن لرفعة شأنهم وعلو مرتبتهم. بل ربما زاد البلاء على الأنبياء عن غيرهم من البشر والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: إنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء.. رواه أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
ومعلوم أن الأنبياء لهم جانبان: جانب النبوة وهو موصول بالله وبالوحي. وجانب آخر يشاركون فيه غيرهم من البشر وهو الاحساس والمشاعر من فرح وحزن. قال تعالى مخاطباً نبيه ومصطفاه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد..}، (آية رقم 110) من سورة الكهف ويوسف الصديق رضي الله عنه كواحد من الأنبياء والمرسلين يبتلي ويختبر بعدة بلايا واختبارات فقد رماه إخوته في الجب. وبيع كما يباع العبيد وهو الكريم بن الكريم كما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم الكريم ـ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم رواه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما ويبتلي بعد ذلك بمراودة امرأة العزيز له عن نفسه ورفضه أن ينفذ لها رغبتها.
والمراودة من راد يرود إذا سعي في طلب شيء. والمراودة منازعة الغير في الإرادة فتريد غير ما يريد وتغالبه على إرادته وتثنيه عن تصميمه ورغبته. والفعل راود هذا يدل على استمرار المراودة.. ولعلّ امرأة العزيز راودته المرة بعد المرة وغيرت في أسلوب وطريقة المراودة: من التلميح إلى التصريح. ومن الإشارة إلى العبارة. ومن القول إلى الفعل.
ومن قدرتها وحدها إلى قدرتها ومعها غيرها من النسوة. وما كان منه عليه السلام إلا أن قال لها: {إنه ربي أحسن مثواي..}، (آية رقم 23 من سورة يوسف) أي إن زوجك سيدي الذي أكرم مثواي. وأحسن قراي. وأجزل عطائي وأحسن إيوائي. وأسكنني في المحل الأخصب. وضيفني الحلال الأطيب ورواني من الرحيق الأعذب. فلا ينبغي أن أخونه في غيبته وأعتدي على عرضه وكرامته. ولما لم يرضخ لتصميمها انتقلت إلى التهديد والوعيد {... ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين}، (آية رقم 32 من نفس السورة).
وهنا وجد يوسف عليه السلام نفسه مخيراً بين محنتين: محنة في دينه وهي أن يزني بهذه المرأة ويكون من الفاسقين. ومحنة في دنياه وهي أن يسجن ويكون من الصاغرين.. ودون تردد اختار الثانية. وآثر الباقية على الفانية وضحى بدنياه من أجل دينه. وبحريته من أجل عقيدته وقال قولته الخالدة. {رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه..}، (آية رقم 33 من نفس السورة). وكلمة أحب في هذه الآية السابقة لا تعني أنه أحب المعصية.. يقول أبو حيان: وأحب هنا ليست على بابها من التفضيل لأنه لم يحب ما يدعونه إليه قط. وإنما هذان شران فآثر أحد الشرين على الآخر. وإن كان في أحدهما مشقة. وفي الآخر لذة. ولكن ما يترتب على اللذة من معصية الله وسوء العاقبة.
ورأي الملك وأعوانه الآيات البينات على براءة يوسف عليه السلام إلا أنهم آثروا سجنه والتشهير به إرضاء لزوجة العزيز.
قال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما : في تأويل: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتي حين}، فأمر به فحمل على حمار وضرب بالطبل. ونودي عليه في سوق مصر إن يوسف العبراني أراد سيدته فهذا جزاؤه أن يسجن.. قال أبو صالح راوي الحديث ما ذكر ابن عباس هذا الحديث إلا بكي ص16 ج7 البحر المحيط وكانت محنة يوسف الأخيرة هي السجن فسجن سبع سنين بلا ذنب جناة ولا جرم اقترفه.
وكان صبره عليه السلام أرقى من صبر أبيه يعقوب عليهما السلام على ما بلي به من فراقه. وأرقى من صبر أيوب عليه السلام على ما بلي من ضر جسده وفراق أهله لأن هذا صبر اضطراري لا حيلة فيه علي حين صبر يوسف على السلام صبراً اختيارياً. وفي هذا المعني ينقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله قوله: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه. فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره. لا كسب له فيها. ليس للعبد فيها غير الصبر. وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس. لاسيما مع الأسباب التي تقوي معها دواعي الموافقة. ونداء الشهوة موجود فيه..
ومن هنا نرى أن اختيار البلاء وحبه لنيل رضا الله أشد أنواع الابتلاء.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018