تجربة حياة

امرأة ووطن

فتيحة كلواز

هي عاملة نظافة عصرتها الحياة عصرا، فلم تترك لها سوى جسد ضعيف تربط ركبتيه لتتمكن من الوقوف لإعالة أبنائها، تجاعيد وجهها تكشف للناظر إليها معاناة طويلة ربما تشفق عليها أو تحاول مساعدتها، ولكن عندما تفتح كتاب أيامها تعرف أنها واحدة من الحراير اللواتي عشن في الظلّ على هامش المجتمع رغم أنهنّ ممن ساهمن في هذه المعجزة التي اصطلح على تسميتها ثورة القرن العشرين.

 حتى نتعرّف عليها عن قرب سنبدأ من الفصل الثاني لكتاب حياتها فصل كانت فيه بطلتنا زوجة وأما لعدد من الأطفال لا يقل عن السبعة، فرغم أنها من منطقة نائية وتعيش في أعالي الأطلس الجزائري إلا أنها آمنت بالجزائر المستقلة وكانت أول المشجعين لزوجها الذي حمل السلاح والتحق بجيش التحرير في سنة 1955، ومنذ تلك السنة لم تره، وحتى لا تتعرض للأذى هي وأطفالها تمّ نقلهم إلى العاصمة بعيدا عن ملاحقة الجيش الفرنسي.
 هناك نزعت عنها لباس المرأة وارتدت زي الرجل المسؤول عن تأمين لقمة العيش لأطفالها فكانت تتكسب من صناعة الصوف والطرز، حافظت على أطفالها وصانت شرفها ولم تشتكي يوما من وضعها بل كانت تردّد أمام أبنائها أن أبوهم بطل خرج من اجل الجزائر من اجل تأمين حياة كريمة لهم ولكل الشعب الجزائري، مرت السنوات وأعلن استقلال الجزائر واحتفلت مع أبنائها لأن زوجها وأبوهم البطل سيعود لتجتمع الأسرة كاملة.
أمنية انتظرت تحقيقها طويلا ولكن كان لمعان وبريق الأيام القادمة أكثر توهجا مما اعتقدت، فزوجها عند عودته وبعد شهور قليلة لحق الى جوار ربه تاركا وراءه زوجته وأولاده بلا معين، ما جعلها تواصل مسيرتها من اجل أبنائها، خاصة وأن زوجها قبل وفاته رفض أي منحة عما قدمه من بطولات في الثورة التحريرية فحسبه الدفاع عن عرض الجزائر واجب لا مزية فيه ولا أجر، المهم أن بطلتنا وجدت نفسها وحيدة بلا معيل خاصة وأنها تعيش في العاصمة بعيدا عن الأهل والأقارب، الأمر الذي اضطرها إلى البحث عن العمل فكانت عاملة نظافة خيارها الأفضل خاصة بعد فقدها للبصر في إحدى عينيها.
هكذا بدأ الفصل الثالث من كتاب حياتها برحلة الخدمة في البيوت والمؤسسات، فقط من أجل تأمين لقمة «حلالية» لأطفالها الذين حاولوا كثيرا الاستفادة من منحة المجاهدين، إلا أنها كانت دائما ترفض ذلك لأنها وصية زوجها الذي تمنى الموت شهيدا على أرض الوغى ولكن الله تعالى أراد غير ذلك، هي لا تبحث عن المال أو الشهرة تريد فقط من أطفالها أن يواصلوا مسيرة والدهم الذي جاهد بالسلاح من اجل الجزائر، أما هم فيجاهدون بالقلم من اجل بناء هذا الوطن، الأمر بالنسبة لها واضح ولا يقبل المساومة لذلك عملت على تعليم أبنائها الذين تحصّلوا جميعهم على شهادات جامعية.
كان نجاح أبنائها سعادتها الكبيرة خاصة وأنهم لم يخجلوا من أمهم المنظفة لأنها كانت دائما بالنسبة لهم امرأة من طينة الكبار لم ترضى بالاحتلال فكانت سند زوجها في جهاده ولم ترضى باستجداء واستعطاف الناس فعملت بكبرياء منظفة فقط حتى لا يذل أبناؤها، بقيت تعمل ولم تقبل الزواج بأي ممن تقدموا لها فقط لتربي أبنائها على ذكرى رجل كان دائما بطل في عينيها، ليكون رابع فصول حياتها كما كانت الأخرى سطور تروي يوميات امراة جزائرية في الثورة التحريرية.
في كثير من الأحيان عندما أسألها عما عاشته في الثورة التحريرية تقول أنها كانت من المحظوظات، لأنها لم تتعرض للاغتصاب أو التحرش من طرف الجنود الفرنسيين أو الحركى بعد «تهريبها» وأطفالها إلى العاصمة، فالمرأة الجزائرية في تلك الفترة كانت وسيلة يستعملها المستعمر لإذلال الجزائريين لأنه وبكل بساطة لم يستوعب أن الجزائر أكبر من أي شيء آخر في عيونهم.
 هنّ نساء عشنّ في الظل بعيدا عن أعين الإعلام والصحافة، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة، لأنهن نساء الحرية كانت بالنسبة لهن حلمهن الأكبر الذي تحقق، لم تبحث عن الفيلات والمنازل والمنح، لم تلهث خلف الشهرة رغم أنهن شاركن في صناعة تاريخ الجزائر، هن سيدات من طينة الكبار، طينة لالا فاطمة نسومر وغيرها العطاء والتضحية عندهن بلا ثمن.     
 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18391

العدد18391

الثلاثاء 27 أكتوير 2020
العدد18390

العدد18390

الإثنين 26 أكتوير 2020
العدد18389

العدد18389

الأحد 25 أكتوير 2020
العدد18388

العدد18388

السبت 24 أكتوير 2020