البطلة العالمية في رياضـة المعاقين مونيا قاسمـي

الإرادة تصنع المعجـزات وتحـــوّل الإعاقـــة إلى قصـــة نجــــاح

باتنة: حمزة لموشي

يتطلب النجاح في رياضة المعاقين سنوات طويلة من العمل الشاق والصارم والجاد، مع هذه الفئة الاجتماعية المهمشة التي تعاني من نظرة قاسية من المجتمع، غير أن الإرادة تصنع المعجزات، وهو ما حصل فعلا مع البطلة العالمية في رياضة المعاقين مونيا قاسمي إبنة الاوراس الأشم.
 
لا تكاد تمر مناسبة لفئة المعوقين ببلادنا، إلا ونستذكر إنجازات هذه الفئة، التي أصبح الجميع يعترف بأنها، من المقاومين للفشل والمنتصرين على الإعاقة بفضل الإصـرار والإرادة الهائلة في تجاوز إصاباتهم وإعاقاتهم، ليس فقط لممارسة حياتهم بشكل طبيعي مثل الآخرين، بل للوصول إلى تحقيق الإنجازات التي لا يستطيع الأسوياء تحقيقها.
تعتبر الرياضية مونيا قاسمي، من بين أولئك الذين شرفوا الجزائر في مختلف المحافل الرياضية العالمية وتوجوا بالذهب في عدة مناسبات، حيث تتحدث ضيف «الشعب»، عن نفسها بالقول، أن الإعاقة الحقيقة ليست في مظهر الإنسان وجسده، بل في عقوله ونفسيته، ويبقى ما يميزنا ويوصلنا إلى النجاح والفشل هو الروح وقوة الإرادة وليس المظهر الخارجي.

أوراس التحدي للمعاقات حركيا.. مصنع الأبطال
مونيا قاسمي من مواليد 1990 من عائلة تتكون من 8 أفراد 6 بنات وولدين من أم معاقة حركية، تتحدث عن طفولتها بكثير من الحزن والأمل بسبب الفقر من جهة والتهميش، غير أنها قررت الخروج لمواجهة المجتمع القاسي بالانخراط في العديد من الجمعيات كجمعية أقرا لمحو الأمية سنة 2088، أين التقت بالسيدة قمير سليم رئيسة النادي «أوراس التحدي للمعاقات حركيا»، المنضوي تحت الرابطة الولائية لذوي العاهات، حيث شجعوها على الإنخراط في النادي، وهو ما حصل لتحقق بذلك حلمها في إيجاد فضاء لممارسة الرياضة التي تحبها كثيرا.
وتعتبر قاسمي، التي تعاني من إعاقة نصف الشلل الدماغي من بين أولئك المعاقين الذين خلدوا أسماءهم ودخلوا تاريخ الرياضة العالمية للمعاقين وكتب قصة نجاحها، بعد أن تحدوا الإعاقة، وحققوا النجاح وشرفوا الجزائر في العديد من المحافل العالمية والدولية، حيث تقول مونيا في تصريح لـ»الشعب»، أن مسيرتها مع رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة بدأت سنة 2008 مع اختصاص رمي الجلة، والقوس والصولجان، وجاءت بمحض الصدفة، مؤكدة أن التكوين لم يكن سهلا في رياضة تصعب حتى على الأصحاء وفي ظروف اجتماعية صعبة وغياب مرافقة من طرف المختصين، قبل أن تتعرف على المدرب الوطني بن موسى الشريف الذي ساعدها لتحقق النجاح وتبدأ قصة مونيا مع التتويجات العالمية مثمنة مجهودات مدربها، والمؤطرين الذين ضحوا معها لكي تصل إلى ذلك التتويج، وترفع راية الجزائر عاليا.
ويؤكد بدورها مدربها موسى بن الشريف لنا، أن كل من يعرف مونيا، يعرف مدى التزامها بمواعيد التدريب وحضورها الدائم لكل الحصص المبرمجة وشغفها وتحديها سواء في الحياة الاجتماعية أو الرياضية، رغم ما مرت به من ظروف صعبة، في بداية المشوار من نظرة السخرية والازدراء من طرف المجتمع قبل أن تكسر كل هذه الطابوهات وتغير النظرة إليها.

الحلم في الحصول على سكن اجتماعي لم يتحقق رغم الوعود
وتعاني قاسمي من مرض نصف الشلل الدماغي الذي يفقدها التركيز في حركاتها، غير أن ممارستها للرياضة باستمرار جعلها تتغلب على هذه الإعاقة وتمارس اليوم حياتها بصفة عادية بل تبدع في الكثير من الأشياء، حسب محيطها والمقربين منها، كما ان المشرفين على تدريبها وبالتنسيق مع بعض الوزارات تمكنوا من مساعدها على الحصول على منصب عمل قار بوكالة «كناك « باتنة لتعيل نفسها وعائلته، غير ان مشكل السكن لا يزال يؤرقها ويحول دون تمتعها بحياة كريمة رغم الوعود التي قطعها كل المسؤولين المتعاقبين على تسيير ولاية باتنة.
وعن حياتها الخاصة بالمنزل، فمونيا طباخة ماهرة، تبدع في طهي العديد من الأطباق التي تحبها على غرار تحضير فطور الصباح باعتبارها أول من يستيقظ بالمنزل،  وكذا الكسرة بنوعيها وتعشق تحضير طبق اللوبيا والعدس، كما أنها تشارك أهلها أفراحهم وهمومهم وترعى أمها المريضة قدر المستطاع وغيرها.
وبخصوص انطلاقتها في عالم التتويج عالميا، أكدت قاسمي أنها بدأت مشوارها في المسابقات الوطنية التي تفوقت فيها، لتكون أول مشاركة أجنبية لها بالألعاب الإفريقية بالمزمبيق سنة 2009، ثم شاركت في التجمع الدولي بدبي وحققت نتائج جيدة أهلتها لاقتطاع تأشيرة المشاركة في الألعاب الاولمبية بلندن سنة 2012 أين أفتكت أول ميدالية ذهبية للجزائر، ثم توالت التتويجات العالمية، حيث نجحت قاسمي سنة 2013 في افتكاك البطولة الأولمبية بفرنسا على ميداليتن ذهبية وفضية، ثم 2015 ببطولة قطر وتحصلت على ميداليتن أهلتها للمشاركة في البطولة الاولمبية بريو دي جانيرو والحصول على ميداليتن فضيتين ثم مشاركتها الأخيرة بدبي وحصولها على ميداليتن وتحضر حاليا للمشاركة في البطولة العالمية بطوكيو سنة 2020.

دعوة لممارسة الرياضات التي لا تمنعها الإعاقة
ويوضح مدربها ان مونيا رغم الإعاقة وبعد المسافة بين منزلها ومركز التدريب، إلا أنها نجحت في مسيرتها، حيث تخضع منذ انضمامها للفريق إلى تدريبات يومية لتحسين المستوى، مشيرا إلى أن صناعة بطل يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتضحيات، وهو مع تحقق مع قاسمي، غير ان أن التدريب الرياضي لوحده لا يكفي لصناعة بطل، بل يتطلّب الأمر عناية من نوع خاص يتداخل فيها الاجتماعي بالرياضي وكذا التأهيل التربوي والبدني والنفسي، لتمكينها من تحسين لياقتها البدنية وتنمية إحساسها بدورها في المجتمع الذي تعيش فيه.
وتكلمت مونيا عن معاناة شريحة المعاقين المهمة والمهملة ببلادنا، على غرار الرعاية الصحية الجادة من قبل الدولة وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة الطبية والرياضية وغياب المرافق الضرورية والبنى التحتية التي تأخذ في الاعتبار جميع ما يحتاجه المعوقون في البناء والترميم من تسهيلات كونهم شريحة واسعة ضمن المجتمع.
وفضلت قاسمي ان توجه نداء إلى السلطات المعنية المسؤولة عن الشأن الرياضي ببلادنا بأن تهتم أكثر بالرياضيين خاصة فئة المعاقين بالمناطق الداخلية الداخلية، وأن توفر لهم الدعم اللازم لأن هناك العديد من الطاقات التي ذبلت بسبب غياب الدعم والاهتمام.
وعن رسالتها لهذه الفئة في يومها العالمي دعت إلى التمسك بالأمل والثقة بالنفس والانضباط لتحقيق الذات، من خلال التركيز على الأشياء التي لا تكون الإعاقة سببا في عدم فعلها، لأن الإعاقة الحقيقية والصعبة هي تلك التي تمتد من الجسد إلى الروح.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18415

العدد18415

الأربعاء 25 نوفمبر 2020
العدد18414

العدد18414

الثلاثاء 24 نوفمبر 2020
العدد18413

العدد18413

الإثنين 23 نوفمبر 2020
العدد 18412

العدد 18412

الأحد 22 نوفمبر 2020