وفاء زوج

نجاع سعد

دخل للبيت فوجدها مع الغسيل والأولاد وشغل البيت، مشى قليلا في الرواق ثم انحرف لغرفته المنزوية في آخر الرواق، وارتمى على سريره وهو يحدق بسقف الغرفة ويتمتم...أأتركها أم لا؟ ربما ستغيّر من تصرفاتها إتجاهي. كان يتكلم بينه وبين نفسه وكيف يصلح الفجوة العميقة بينه وبين زوجته، فجأة دخلت هي للغرفة مسرعة، أخذت ملابسه وخرجت على عجل، كانت شفتاه تتحرك لكنه لا يتكلم، حاول أن يستدرجها بكلمة لكنها كانت أسرع منه بمغادرتها للغرفة، تنهّد تنهيدة طويلة وأخرج من جيبه رسالة تركها فوق السّرير وغادر البيت من الجهة الخلفية، كانت تهمس في أذن إبنها وهي تقول له: «إذهب لترى أباك أظنّه متعبا». يطرق الولد برأسه ثم ينصرف نحو الغرفة: «أمي...أمي...أبي غير موجود»، تنهض الأم مسرعة للغرفة تدخل فلا تجده...لكن وقعت عينها على تلك الرسالة التي كان فحواها الآتي:
زوجتي العزيزة والغالية كم فرحت وأنت تُزفّين إليّ وأنا أعتزّ بك وباقترانك بي، وأنا الذي لم تساورني النّدامة ولا حتى الحزن على الزواج بك، لقد كانت نفسيتي مطمئنة جدّا حين تزوّجتك وكم كنت سعيدا بذلك لأنّني وجدت فيك أثر الرسول ــ صلى الله عليه وسلّم ــ وهو يقول: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير اللّـه لأمرت الزّوجة أن تسجد لزوجها». لقد أبشرت بنصيب وافر من طاعتك لي ومودتك ومحبتك، كما عهدتك تحبّين الحوار وتستمعين له ولا تقاطعيني حتى أكمل حديثي...وجدت فيك كل شيء جميل...لكنني لم أعد أحصل على كل ما ذكرته بعدما انقلبت الموازين رأسا على عقب، وكلما كنت أريد أن أسترسل معك في الحديث وجدتك غاضبة نافرة لكل ما يدور حولك، لهذا عدت من جديد لأراسلك كما كنت أفعل وأنا في الخدمة الوطنية علّني أحرّك فيك حياّ قد مات من زمن، جئتك معتذرا عن هجراني للبيت أوقاتا طويلة، جئتك مسافرا عائدا من غربته، جئتك لأجدك الوطن الذي يأويني من السهرات والغيابات المتكررة، جئتك آسفا يا منهل الجود ويا بحر العطا، فقد خلق الله الأخطاء وخلق الأعذار أيضا، وخلقت التوبة وخلقت معها القلوب الصافية، جئتك معتذرا عن أخطائي، أريدك عروسا كما عرفتك، مطيعة كما عرفتك، زوجة وأما وبنتا أريدك، وأنا مستعد أن أعود لسالف أيامي......
مودتي ومحبتي: زوجك.
قرأتها الزّوجة وأخذت قلما وكتبت على ظهر الرّسالة «كن مخلصا وسيأويك الوطن...الوطن يناديك»، وجلست مبتسمة والسّرور يعلو محياها وهي تقول لإبنها: «تعالى يا ولدي خذ هذه الورقة لأبيك»، وصلت الرسالة للزوج فابتسم وهو يضرب مقدمة أنفه بالرسالة ويقول: «ربحنا الحرب يا ولدي ربحنا الحرب..».
كان أثر الرّسالة على الزّوجة بليغا جدّا، حيث أعاد تلك الثّقة المفقودة بين الزوجين، لكن الزوجة كانت تفهم زوجها لأقصى الحدود.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18301

العدد18301

السبت 11 جويلية 2020
العدد18300

العدد18300

الجمعة 10 جويلية 2020
العدد18299

العدد18299

الأربعاء 08 جويلية 2020
العدد18298

العدد18298

الثلاثاء 07 جويلية 2020