أوصاف مهنية وانسانية في مقام الفقيد

انضباط، حكمة، أخلاق واحترام الآخر

جمال أوكيلي

المعلّقون الرياضيّون «حياة كفاح»


لم تخرج تلك الأوصاف عن قوة دلالاتها والمتوجهة الى شخص الراحل ـ «الرمز»، الشخصية البارزة والمحترمة، الحكيم، الخلوق، الكتوم، المنضبط، وغيرها من النعوت ذات الطابع المهني والانساني، التي التصقت بصلاح، أسهب فيها رفقاؤه من  بعيد او قريب اعترافا بخصاله التي كانت مثلا يضرب به.
لحظات مؤثرة فعلا استحضر فيها كل من تداول على المنصة  للادلاء بشهاداته حول مناقب من غادرنا  بكل صدق وعفوية لمواقف تارة حزينة مثل التي ذكرها عيسى مدني، والتي جاءت على لسان مراد بوطاجين وطرّافي ومحسن سليماني وأخرى محطات طريفة جدا ترجمت روح الدعابة والتواصل مع الآخر بالشكل اللائق الذي حقا يعبر عن تعلق الرجل بالمهنة وحرصه على الانسان ليكون مستوى المهام المخولة له.
هذا ما حاولت الوقفة التي خصصت أمس له أن تثيره بجريدة«الشعب» مع كل الذين ساروا على درب الكلمة المسؤولة الصانعة للمهنية الحقة والاحترافية المأمولة والمرجوة أن تكون فارضة لنفسها مهما كانت الظروف.هي أصوات اذاعية خالدة هكذا يجدر  بنا وصف من كنا نسمعهم خلف الراديو، لا  نعرف وجوههم لكن أصواتهم طبعت شخصياتهم الفذة نظرا لكفاءاتهم المهنية ومهارتهم الفائقة في نقل للمستمع تلك التفاصيل الدقيقة عن وقائع مباريات كرة القدم لفرق عتيدة لها باع طويل في ممارسة هذه  النوع من الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وكأنك في مدرجات الملعب يعفونك من مشقة الذهاب.

لقد مرّوا من هنا...

استمتاع لا مثيل له وأنت تنتقل من القناة الأولى بالعربية الى الثالثة بالفرنسية ثم الى المحطات الجهوية من محمد صلاح ورشيد قرابة وربيع دعاس الى محمد مرزوقي ( العاصمة قسنطينة، وهران) وهذا قبل التحاقهما بالتلفزيون بالجسور المعلقة والباهية، فيما بعد، دون نسيان فيصل حفاف، فؤاد بن طالب ولخضر حمدة، ونور الدين بوزيان كان معلقا فريدا توجه الى اذاعة مونتي كارلو بفرنسا ليستقر هناك بصفة دائمة وهناك كوكبة أخرى عبارة عن جنود الخفاء لا نعرفها بحكم التزاماتها  اليومية بقاعة التحرير وارتباطاتها  التي لا تسمح لها بأن تكون في الميدان، وإن استفسرت اليوم عن هؤلاء يقولون لك لقد مروا من هنا جلهم بلغوا سن التقاعد وقرروا المغادرة لنيل قسطهم من الراحة والتكفل بعائلاتهم بعد أن قضوا جل أوقاتهم في مهمات بداخل وخارج الوطن بامكانيات عمل بسيطة جدا لا تتعدى «الناقرا»، وهي آلة تسجيل بالأشرطة ذات الوزن الثقيل متعبة جدا في حملها زيادة على حقيبة من الجلد الأسود موجود  بداخلها الميكروفون ولواحقه.
ناهيك عن ظروف العمل القاسية أحيانا في ملاعبنا كـ ٢٠ أوت بولوغين، القبة، الحراش، دون الحديث عن القسم الجهوي كل التعاليق الرياضية كانت تمر عبر مصالح البريد والمواصلات أي الارسال المباشر عبر الكوابل زيادة عن تسجيل الانقطاعات او غياب الأعوان ووجود الأماكن المخصصة للصحافيين محجوزة من قبل أشخاص غرباء لا صلة لهم بهذا العمل، كما يمنع أحيانا الكثير منهم الدخول من طرف الحراس الذين لا يعترفون بالبطاقة ويطالبون مقابل ذلك وثيقة التكليف بالمهمة وهي عراقيل توضع عمدا أحيانا من قبل أناس ذوي الذهنيات المريضة الذين شغلهم الشاغل عرقلة  نشاط هؤلاء، وقد وجد الكثير من المعلقين أنفسهم في ملاسنات حادة مع هؤلاء عند مدخل الملعب لا نمنعهم من مشادة جسدية معهم حتى يسمح لهم بأداء مهامهم المكلفين بها على أحسن وجه وخدمة المستمع الذي كان يشتاق او بالأحرى ينتظر بفارغ الصبر  الأحد الرياضي ثم جاءت الجمعة.
نسرد هذا من باب التذكير بما عاناه المعلقون الرياضيون في تلك الفترة مهما كانت الصعوبات فإن حب المهنة كان أقوى من كل شيء وتحدى هؤلاء تلك العراقيل في الميدان اقتناعا منهم بضرورة ترقية الاعلام الرياضي الى مكانته المرموقة وعدم البكاء على الأطلال فقط، وهذا هو الدرب الذي سار عليه كل من اقتحم هذه المهنة لنقل صورة حقيقية على أن كرة القدم ممارسة وأخلاق نقف عليها فوق البساط الأخضر أو في أرضية من التراب الأصفر.
الراحل محمد صلاح كان من هذا الصنف النادر من الرجال، الذين آمنوا ايمانا راسخا بأن الرياضة او بالأحرى كرة القدم قيم تربوية بامتياز، والاسمنت في تعاضد الشباب ظهرت من خلال تعاليقه الرزينة التي تميز بها طيلة مشواره المهني كان هادئا في عمله وشغوفا في لقاء محبيه، الكل كان يتساءل من المعلق  اليوم اذا كانت مقابلات كبيرة وحامية الوطيس بين مولودية الجزائر وفرق أخرى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018