في مواجهة تحديات الصيف الوبائية، خبراء يناقشون استراتيجيات الوقاية من الأمراض المتنقلة عبر المياه والنواقل، على غرار حمى غرب النيل وشيكونغونيا وسط مشاركة واسعة من مختلف ولايات الوطن، واختيار سكيكدة موقعا لهذا اللقاء، جاء نظرا لغناها بالموارد المائية، مما يجعلها بيئة محتملة لانتشار هذه الأمراض، ويعكس التزام الجزائر بتوفير بيئة صحية آمنة للمواطنين من خلال توحيد الجهود بين القطاعات المعنية.
في خطوة استباقية لتعزيز الوقاية من التحديات الصحية الموسمية، احتضنت ولاية سكيكدة فعاليات الملتقى الوطني التكويني حول الأمراض المتنقلة عبر المياه والنواقل، بتنظيم مشترك بين المعهد الوطني للصحة العمومية ومديرية الصحة والسكان للولاية، وبمشاركة خبراء ومختصين من 58 ولاية، استمر اللقاء على مدى ثلاثة أيام في المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية، تحت رعاية والي الولاية، وجمع أكثر من 200 مشاركا لتبادل الخبرات وتطوير استراتيجيات الكشف المبكر والتدخل السريع، مع التركيز على أمراض مثل حمى غرب النيل وشيكونغونيا، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ.
وأشرف على افتتاح الملتقى، المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية، البروفيسور بوعمرة عبد الرزاق، بحضور رئيس ديوان الولاية ممثلاً عن الوالي، إلى جانب مدراء تنفيذيين ومسؤولين محليين، بما في ذلك رئيس دائرة سكيكدة ورئيس المجلس الشعبي البلدي.
وأكّد البروفيسور بوعمرة في كلمته الافتتاحية، أن هذا الملتقى يأتي ضمن سلسلة لقاءات وطنية ينظمها المعهد منذ بداية فصل الصيف، تماشياً مع توجيهات وزير الصحة “كلّكم يعرفون أن فصل الصيف يشهد زيادة في الحرارة وتغييرات مناخية، بالإضافة إلى تنقل العائلات، مما يزيد من خطر ظهور الأمراض المتنقلة عبر المياه أو الحيوانات أو الحشرات، سنركّز هنا في سكيكدة على الأمراض المنقولة عبر الحشرات، مثل حمى غرب النيل وشيكونغونيا”.
وأوضح البروفيسور أن الجهود الحالية تدخل في المرحلة الثانية من مكافحة هذه الأمراض، بعد انتهاء المرحلة الأولى التي امتدت من مارس إلى جوان، مشدّداً على دور عمال الصحة والمكاتب الصحية البلدية في هذه الجهود. وأضاف: “نحن في المرحلة الثانية لاستعمال العلاجات لمحاربة الأمراض المنقولة عبر الحشرات، وستبدأ مع نهاية الشهر الجاري لتجنب انتشارها، الملتقى سيكون نظريا وتطبيقيا، مع أعمال ميدانية في المستشفيات وخارجها لمعالجة المياه واستخدام المواد الوقائية”، وأشار إلى أن هذا الملتقى هو الخامس وطنياً، ويشمل مناقشة التسممات الغذائية التي تتزايد في الصيف.
مؤشّــرات إيجابيــة
من جانبه، أبرز العربي زروقي، مدير الصحة والسكان لولاية سكيكدة، الجهود الوطنية للقضاء على الأمراض المتنقلة “الدولة الجزائرية تبذل جهوداً كبيرة للقضاء على هذه الأمراض، وقد حقّقت الاستراتيجية الوطنية نتائج هامة، حيث تمّ القضاء نهائياً على أمراض مثل التيفوئيد والملاريا، ومع ذلك، يجب مضاعفة الجهود لمواجهة الأمراض المستوردة، مثل حمى غرب النيل التي سجلت إصابات في 2024”. وقدّم عرضا شاملا عن الوضع الوبائي في الولاية، مدعما بالأرقام، مشيراً إلى المؤشرات الإيجابية بفضل تكامل جهود القطاعات المعنية كالجماعات المحلية، الفلاحة، الموارد المائية، البيئة، ومحافظة الغابات.
وأكّد مدير الصحة لسكيكدة، أنّ خصوصيات سكيكدة المناخية الرطبة، مع انتشار السدود والوديان والشواطئ، تجعلها أكثر عرضة لهذه التحديات، مما يجعل الملتقى فرصة لتعزيز الإدماج متعدد التخصصات.
وأضاف زروقي “هذا اللقاء يجمع نخبة من الخبراء والمختصين، إضافة إلى ممثلين عن القطاعات المهتمة بالصحة والبيئة، ويأتي في وقت نواجه فيه تحديات متزايدة مرتبطة بالأمراض التي تنتقل عبر المياه، والتي تشكل خطراً على صحة المواطن وأمنه الغذائي. مرض حمى غرب النيل ينتشر بسرعة في عدة مناطق، ممّا يحتم علينا الجاهزية والتنسيق لتحسين الوقاية والكشف المبكر والتدخل السريع. الهدف هو تبادل المعرفة وتزويد المشاركين بآخر المستجدات العلمية وأساليب الوقاية والعلاج”.
وتنوّعت المداخلات في الملتقى، حيث قدّمت الدكتورة صباح جصاص عرضاً عن الوضع الوبائي للأمراض المنقولة بالنواقل والفيروسية في المنطقة الشرقية، بينما تناولت الدكتورة فاحم مونا، طبيبة مختصة في علم الأوبئة بمديرية الصحة لسكيكدة، الوضع الوبائي في الولاية، بما في ذلك عدوى غرب النيل وحمى التيفوئيد. أما البروفيسور شعراوي خليدة، مختصة في الأمراض المعدية من المستشفى الجامعي بقسنطينة، فقد ركزت على تشخيص وإدارة حمى شيكونغونيا، ومبادئ مكافحة النواقل لحمى غرب النيل وشيكونغونيا.
كما أثرى البرنامج مداخلات أخرى، مثل تنظيم وتخطيط حملات المكافحة من قبل الدكتور دهليز إيدير، طبيب مختص في علم الأوبئة بمديرية الصحة لسكيكدة، والوقاية من خلال التواصل مع المستخدمين، قدمتها الدكتورة قرطبي انصاف، رئيسة قسم الوقاية وترقية الصحة العمومية بالمعهد الوطني للصحة العمومية.
وشمل الملتقى ثلاث ورشات عملية في المستشفى، تعتمد استراتيجية ثلاثية الأبعاد، الورشة الأولى ركزت على مكافحة الآفات من خلال التفتيش الفعال، التشخيص لمناطق الخطر، والتركيب الآمن لأساليب المكافحة، الثانية تناولت التطهير عبر البحث المستهدف عن الحشرات الضارة، الكشف عنها، وإعداد تقنيات التطهير، أما الثالثة، فكانت حول إتقان بروتوكولات التطهير في الميدان.
الوقايـــــة والتّبليـــغ السّريـــع..الحـــــل
من جانبه، أكّد ميلود عامر طاهر، مدير البيئة لولاية سكيكدة، في تصريحه “سيتم مناقشة كل المسائل المتعلقة بالأمراض المتنقلة عبر المياه وحمى غرب النيل، خلال هذه الأيام التكوينية، سنتعرّف على مسبباتها وكيفية المعالجة، في ظل التغييرات المناخية والتوسع العمراني، وسنسعى لجمع المعلومات التقنية لمرافقة المكاتب البلدية في تحديث تقنيات المعالجة الكيميائية والبيولوجية الأقل ضرراً على البيئة، كما سنعد مخططا للتحسيس حول الوقاية، والتبليغ السريع لتمكين السلطات من معالجة المصابين”.
ويعد هذا الملتقى، الذي يتعاون في تنظيمه مع الجمعية الوطنية الجزائرية لمختصي حفظ الصحة، فرصة لتعميق الفهم للأمراض المنقولة بالنواقل، وتعزيز التبادلات متعددة التخصصات، ممّا يساهم في حماية المجتمع وتعزيز الصحة العامة، ويهدف المنظمون إلى الخروج بتوصيات عملية قابلة للتطبيق، لتعزيز قدرات النظام الصحي في مواجهة التحديات الوبائية المستقبلية، مع التركيز على الوقاية كأولوية استراتيجية لتجنب انتشار الأمراض في موسم الصيف.