النّكران يقود النّظام الفرنسـي من مأزق إلى آخر

جزائر الأحـرار..ثبات دائـم في مواجهة استفزازات باريس

حمزة . م

المستعمر القديم يغرق في الممارسة الرّسمية للأخبار الكاذبة

 أثبتت القراءات الجزائرية لخلفيات الأزمة القائمة مع فرنسا صحّتها، خاصة ما تعلّق بمحاولات التغطية على أزمتها الداخلية العميقة عبر تشتيت الانتباه بلعب ورقة الجزائر في كل مرة. وقد بات مطروحًا للنقاش وبشكل علني احتمال الذهاب نحو انتخابات رئاسية مسبقة باعتبارها أحد الحلول، وهو ما يرفضه الرّئيس ماكرون إلى حد الآن.
 المأزق الذي تعيشه باريس، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقاتها الخارجية مع دولة ذات سيادة بحجم الجزائر، ناجم عن عامل رئيسي واحد هو «النّكران»، الذي ترتّبت عنه سياسات متعدّدة صبّت كلها في اتجاه القفز على الحقائق والالتفاف عليها. وفي علاقاتها مع الجزائر، طبع النكران النابع من ذهنية اللوبيات الاستعمارية السياسة الفرنسية طيلة العقود الماضية، وتعزّز كممارسة سياسية ودبلوماسية مع وصول اليمين الحاقد على الجزائريين إلى الحكم منذ السنة الماضية.
وعلى هذا الأساس، تتنكّر باريس للأعباء الأخلاقية والسياسية الواقعة على عاتقها تجاه الجزائر عن فترة الاستعمار التي دامت 132 سنة، وتريد التّنصّل من التعامل مع الجانب الجزائري وفق محدّدات السيادة والندية والمصالح المشتركة التي وُضعت منذ 2019. ولا ترى باريس في هذه العلاقة إلاّ مصالحها الضيقة، ولو تطلّب ذلك خرق الأعراف الدبلوماسية والاتفاقيات الثنائية، وإنكار مبدأ المعاملة بالمثل، وصولًا إلى الممارسة الرّسمية للأخبار الكاذبة والمضلّلة مثلما حصل مؤخرًا في مسألة التأشيرات.
وأمام استماتة الموقف الجزائري، اختار الطرف الفرنسي النهج الأكثر تشدّدًا بتفعيل أدوات القبضة الحديدية، لكنه وصل في النهاية إلى مأزق لم يعد معه واضحًا كيف يتصرّف، ولا أين يتّجه، ولم يعد معروفًا من يتخذ القرار الخارجي التصعيدي. والموقف الفرنسي الذي تبنّاه بشكل علني مطلع أوت الرّئيس إيمانويل ماكرون، أكّد بما لا يدع مجالًا للشك أن خلفيته محاولة لتشتيت الانتباه عن الوضع الداخلي المتأزّم سياسيًا واقتصاديًا.
وأمام التوقعات بالسقوط الوشيك لحكومة بايرو بسبب أزمة الدين العام، أثبتت القراءات الجزائرية صحّتها، حينما فضحت للفرنسيين خلفيات تهجم النظام الفرنسي المتحالف مع التيار اليميني على الجزائر، وحينما توقّعت تصدّعًا قريبًا لأركان الجمهورية الخامسة. كما توقّعت هذه القراءات أنّ الرئيس الفرنسي سيكون قريبًا في ورطة استمرارية الحكم، إذ لم يعد خافيًا أنّ كثيرًا من الوجوه السياسية ومن مختلف التيارات تتربّص بمنصبه وتدفع نحو الانسداد.
ويؤكّد ترنّح حكومة فرنسوا بايرو أنّ النظام الفرنسي، طيلة سنة كاملة، سعى إلى إنكار مأزقه الداخلي عبر تحويل الأنظار نحو الجزائر، التي وصل معها أيضًا إلى طريق مسدود، ما جعله محاصرًا سياسيًا وأخلاقيًا، داخليًا وخارجيًا. وسيكون على هذه الحكومة التعامل مع تصويت الثّقة في 08 سبتمبر المقبل، بينما سيكون على الرئيس ماكرون مواجهة السّقوط المحتمل للحكومة وغضب الشارع، حيث دعت النقابات إلى «إغلاق كل شيء» في 10 سبتمبر، وجدّدت الدعوة أمس إلى إضراب واسع في 18 من الشهر ذاته.
وبينما أعلن اليسار عن استعداده لتشكيل حكومة جديدة ومواجهة معضلة الدين العام دون تقليص الإنفاق العمومي أو المساس بجيوب الفرنسيين، تضيق الخيارات أمام رأس السلطة في باريس، حيث بات رحيل ماكرون المبكّر عن الحكم أحد الحلول المطروحة داخل الطبقة السياسية للخروج من المأزق. غير أنّ ماكرون استبعد هذا الخيار الجمعة، وأكّد عزمه إتمام عهدته الثانية إلى نهايتها، محاولًا تعليق بعض الأمل على إمكانية التوصل إلى توافق ينقذ الحكومة الحالية.
وأمام هذا الوضع، تتعمّق لدى الفرنسيّين قناعة راسخة بأن بلادهم باتت أشبه بسفينة تتقاذفها الأمواج في بحر هائج، تارة بفعل أزمة اقتصادية خانقة، وتارة أخرى تحت وطأة انسداد سياسي داخلي وصدامات دبلوماسية خارجية. فالربان يبدو إمّا غائبًا عن مقود القيادة أو عاجزًا عن تحديد الوجهة التي ينبغي أن تسلكها فرنسا، ممّا جعل المواطن الفرنسي يعيش شعورًا متزايدًا بالتيه واللّايقين حيال المستقبل.
ومع كل يوم يمرّ، يتعزّز الإحساس بأنّ الجمهورية الخامسة قد فقدت بوصلتها، وأنّها تسير نحو المجهول بلا رؤية واضحة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19863

العدد 19863

الأحد 31 أوث 2025
العدد 19862

العدد 19862

السبت 30 أوث 2025
العدد 19861

العدد 19861

الخميس 28 أوث 2025
العدد 19860

العدد 19860

الأربعاء 27 أوث 2025