«الشعب» تستطلع وضعية قرية يبودة بتلمسان

نموذج للعزلة والحرمان ونقص المرافق

تلمسان : محمد . ب

تقع قرية يبودة على بعد كيلومترات من سبدو جنوب ولاية تلمسان هي إحدى التجمعات السكانية الريفية البعيدة انعكست سلبا على الحياة اليومية للسكان وساهمت بشكل كبير في تفشي ظاهرة التخلف بالمنطقة والعزلة التنموية رغم أنها من المناطق السهبية والتي تدخل ضمن برامج الهضاب العليا، لكنها لم تتمكن من ذلك ولعلّ من جملة المشاكل التي طرحها سكان القرية التي تتلعق بالجانب الاجتماعي والخدمات في طابعها  الشامل والمتعدد الجوانب وحسب الأولوية، ومنها قضية اهتراء شبكة الطرقات داخل التجمع السكاني والمتكون من عدد محدود من الأحياء وبنايات متناثرة،

حيث لم تعرف هذه المسالك أية عملية تعبيد والتزفيت ولا حتى تهيئة بسيطة منذ فترة طويلة وهو المشكل الذي يؤرق المواطنين ويتجدّد  الموعد مع معاناتهم حسب خصوصية كل فصل مثل ما هو الحال مع موسم كل فصل شتاء خلال الفترة الحالية، حيث بدا الموسم البارد في مؤشرات تهاطل الأمطار المرتقبة والمنتظرة والتي تكفي بعض اللحظات منها لتحوّل هذه المسالك ومعظمها ترابية إلى أوحال وبرك مائية يصعب معها الحركة وعزل المساكن رغم تواجدها قريبة من بعضها البعض، وليس هذا فحسب، بل إن مشكلة اهتراء الطرقات امتدت إلى غاية الطريق الرئيسي الذي يربط تبودة بباقي التجمعات السكانية المجاورة لاسيما عاصمة البلدية سبدو وهو الخط الأكثر أهمية بالنسبة للمواطنين في منطقة معروفة أيضا بقساوة مناخها وتشهد بشكل مستمر في كل سنة تساقطا معتبرا للثلوج تجعل الجهة معزولة لعدة اسابيع دون مؤونة ودون امدادات مثلما حدث خلال المواسم الأخيرة، كما أن موعد  المعاناة يكون له شكل آخر خلال فصل الصيف أين تنتشر الأتربة والغبار بمجرد هبوب رياح حارة وهي كثيرة، لاسيما وأن تبودة منطقة سهبية تمتد على مئات الهكتارات المسطحة عارية من محيط جبلي، ما يزيد الأمر سوءا، الأرصفة غير المهيأة وتكاد جدران المنازل محاذية بشكل كبير لهذه الطرق والتي لم تتخذ من هذا الاسم سوى لأنها عبارة  عن خطوط ليس إلاّ، ورغم ان تبودة لا تبعد عن مقر الدائرة سبدو سوى بنحو  خمسة كيلومترات، الى درجة انه يمكن رؤيتها على هذه  المسافة كما أنها تعاني ازمة نقل خانقة وحتى أصحاب سيارات الأجرة وعلى الرغم من وجود عدد منها يعمل إلا أنه ساهم في هذا الخلل في الوقت الذي تتباين فيه اسباب عزوف الناقلين الخواص على ممارسة هذه المهنة بالجهة الا انه من بين الأسباب في مقاطعة العمل على الخط الذي يؤدي إلى القرية باتجاه سبدو يتعلق الأمر باهتراء الطرق، مما جعل العديد من المركبات تتعرض لأعطاب وايضا ان الخط غير مدر  للربح لهؤلاء بالنظر لغياب الزبائن وعادة ما يبقى الناقل في نقطة التوقف في انتاظرهم لعدة  ساعات دون أي نتيجة، وكان لذلك ايضا وقعا سلبيا في عدم تطور النقل بالجهة. وهو ما أدى الى مشكلة حادة في قرية تضم فقط بضعة المئات من السكان يحدث ذلك على الرغم من أن الذين يحتاجون الى النقل يوميا لأغراض العمل و الدراسة عدد قليل ويظهر ترددهم على المحطة فقط في الساعات الأولى من الصباح  ولا يعودون للظهور الا في المساء، الا أن الأزمة تتضاعف لاسيما في هذه الفترات الى حدّ مشادات بين الزبائن للظفر بمقعد في المركبة اما في الأوقات المتأخرة من المساء لاسيما عند توقف نشاط هذه الحافلات مساءا، فإن اسكان يضطرون الى الاستنجاد بسيارات  «الكلونديستان» للتنقل والعودة الى منازلهم وهنا يطرح مشكلا آخر يتعلق بالأسعار التي تعتبر مرتفعة مقارنة بالمسافة رغم أن سكان تبودة معظمهم من الطبقة البسيطة والمتواضعة اجتماعيا وفي بعض المناسبات يضطر عدد منهم لاسيما التلاميذ والشباب الى قطع كل هذه المسافات سيرا على الأقدام، ومع ذلك تطرح عدة حالات استعجالية تتكرر  باستمرار خاصة أثناء المرض الطارئ او اصابات خطيرة مفاجئة وايضا الولادات وهي ظروف غالبا ما تحدث في فترات متأخرة من الليل، مما يكبد السكان واقعا مرا مضاعفا، كما يطرح سكان تبودة ايضا مشكل اخر يتعلق بالجانب الصحي من خلال تجدد قضية قاعة العلاج الوحيدة بالقرية وعلى الرغم من الخدمات التي تقدمها للمواطنين لاسيما الأمور البسيطة الا أنها لا تلبي جميع الطلبات والاحتياجات خاصة في غياب المستلزمات الطبية والأدوية الضرورية مقارنة بحجم القرية وايضا لحجم الحالات الاستعجالية المسجلة يوميا، وما يزيد الأمر سواءا ان هذه القاعة تعمل بشكل الإدارة ولا تفتح الا أيام معدودات خلال الأسبوع كما أنها لا تقوم بذلك الا خلال ثمان ساعات فقط وتغلق ابوابها ليلا ولا يشرف عليها سوى ممرض وليس هذا فحسب بل ان تبودة تفتقد ايضا لسيارة اسعاف وحضورها استعجالا يتطلب الاتصال بالمؤسسة الاستشفائية لسبدو وهنا يبقى أمر آخر في القضية وفي مقدمتها حضور السيارة لنقل المرضى يبقى غير مضمون فتارة يلقى المريض ردا بأن السيارات كلها في مهمة وتارة أنها معطلة واحيانا لا يتم  الرد عليه اطلاقا وفي حالات افضل وعند تلبية النداء لا تحضر سيارة الاسعاف الا في وقت متأخر يكون حينها المريض قد استعان بسيارة كلوندستان لنقل المريض في حالة صعبة وظروف غير صحية على أمل مصارعة ومقارعة الموت او تضاعف الآلام الى حين الوصول الى أقرب مستشفى من تبودة والموجود بسبدو كما يطرح سكان القرية اشكالية غياب الانارة العمومية عبر مختلف ازقتها الأمن خلال تواجد بعض الأعمدة فمنها ما تشتغل وهي محدودة العدد وأخرى معطلة ومكسرة وأخري لم يتم تأهيلها ولم يتم صيانتها اما الأعمدة التي تشتغل فهي تضيء بشكل ضعيف جدا بالنظر لقدم وتأكل قوة مصابيحها التي نصبت منذ سنوات، ومع ذلك مازالت تشتغل وهي معرضة للعطب المفاجئ بين الفينة للأخرى ولا تعود للعمل إلا كما تشاء وتسببت هذه الوضعية في تسيجل عدة حوداث لاسيما وانها مناخا وجوا مناسبا لعصابات اللصوص لتتفنيذ عمليات السطو على المنازل والممتلكات وهو ما انعكس سلبا على السكان الذين يتعرضون بشكل مستمر الى عمليات سطو منظمة ومستهدفة، خاصة مع تزايد عدد المنحرفين بهذا التجمع السكاني والذي لا يعكس طابع الحياة الاجتماعية لقاطنيه وطال الأمر ايضا سرقة المواشي مثلما حدث في عدة مناسبات خلال الفترة الأخيرة، حيث كانت تبودة أكثر المناطق تعرضا لمثل هذه العمليات الاجرامية وما يؤكد فعلا ان تبودة نموذجا للعزلة والحرمان فإنها تفتقد ايضا الى  قنوات الصرف الصحي وهو ما يهدّد المواطنين بمشاكل صحية وانتشار الأمراض المتنقلة عن المياه، لاسيما فترات الصيف نتيجة ركود المياه القردة والمستعملة في حفر  نشأت نتيجة مرور هذه المياه العكرة التي تساهم في انتشار الحشرات الضارة كالناموس المحمل بالميكروبات والجراثيم وايضا الذباب ويكاد الأمر يتكرر وبشكل آخر في فصل الشتاء اين تختلط مياه  الشرب بالمياه القذرة، مما يهدّد السكان بمرض التيفؤيد وما يثير الانتباه في القضية ان السكان مازالوا يعتمدون على المطامير والتي تضاف الى كل هذه الظروف الصعبة في قرية تمثل نموذجا من المفروض ان يحضى باهتمام بالغ لتفادي النزوح الريفي طبقا لاستراتيجية الدولة في هذا الشأن، الا أن هذا التجمع لايزال بعيدا عن المشاريع التنموية، لاسيما تلك التي تصنف في قائمة الأولويات او القاعدية منها كما انها تعاني اهتراءات في قنوات المياه الصالحة للشرب في وقت توجد عدد سكنات بعيدة عن هذه الخدمة ويضطر السكان الى جلب المياه عن طريق الصهاريج منها البلاستيكية وأخرى المعدنية في ظروف غير سليمة انطلاقا من آبار مجاورة وأخرى من عيون تفتقد للمتابعة البيئية ولمعالجة المياه لتستهلك مباشرة من مصدرها.

غياب هياكل للشباب

يطرح غياب الهياكل الشبانية والترفيهية وتواضع أداء تلك الموجودة مشكلا آخر،  حيث تفتقد القرية إلى فضاءات وقاعات مخصصة لذلك، خاصة وأن تبودة تضم تعدادا معتبرا من الشباب ومن المواهب التي تجد نقسها امام ساعات من الفراغ يوميا ويشكل ذلك صدمة لهم كما يسهل لهم ايضا طريق الانحراف وسلوك تصرفات مشينة فلم يجد البعض منهم الا تناول المخدرات كسبيل للهروب من البطالة وآخرون يحترفون مختلف الجرائم، ومع ذلك دفعت عدد من السكان الى هجرة تبودة اما البعض الآخر ومن الذين ليس لهم من ملاذ آخر فدعو الى ضرورة النظر الجاد في مختلف المشاكل والانشغالات التي يطرحها السكان من خلال تخصيص مشاريع انمائية هادفة بإمكانها رفع الضغط والغبن عليهم وتحسين وضعية المواطن من خلال تجديد العهد مع زيارات ميدانية للمسؤولين الى القرية.
ومع كل هذه الظروف القاسية والصعبة ناشد سكان قرية تبودة السهبية والتي تعتبر احدى أهم التجمعات السكانية الريفية المعزولة بإقليم دائرة سبدو جنوب ولاية تلمسان السلطات المحلية وفي شتى القطاعات ضرورة التدخل الفعال والجدي من أجل ايجاد حل حول مختلف المشاكل والانشغالات التي يعانيها السكان بشكل يومي وجاء نداء الاستغاثة هذا للسكان نتيجة تأخرالتنمية بالقرية، في وقت دفعت فيه هذه الوضعية القاسية غالبية السكان الى الهجرة والتوجه نحو المناطق المجاورة  لاسيما الحضرية منها او حتى الشبه حضرية بحثا عن ضروريات الحياة الكريمة او القريبة من ذلك رغم أن ذلك له انعكاسات سلبية على التوازن السكاني بين الحضر والريف ولا ينسجم كما لا يتطابق مع استراتيجية الدولة الرامية الى الحد من  ظاهرة النزوح الريفي والحد ايضا من ترييف المدن الحضرية، ولكن ايضا مع التقليص من فوارق التنمية في هذه المناطق ولن يكون ذلك الا من خلال توفير ضروريات الحياة الكريمة.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019
العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019