'الشعـب'' تقـــف علـــى المؤهـــلات السياحيـة لساحرة الأطلس الصحراوي

النعامة... إمكانيات استثمارية كبيرة غـير مستغلــة والتنمية مستدامة الى إشعار آخر

استطلاع وتصوير: زهراء - ب.

أذهلتنا النعامة، القلب النابض للولاية التاريخية الخامسة، وإحدى أبهى وأجمل مناطق الأطلس الصحراوي الغربي الجزائري، فهذه الولاية بمساحتها الصغيرة قادرة على منح زوارها فرجة ومتعة لا تنقطع منذ أن تطأ أقدامهم أرضها، وحتى حينما يحين موعد المغادرة، مثلما حدث معنا حينما حططنا الرحال بها، في رحلة استكشافية نظمها الديوان الوطني للسياحة لفائدة الصحافيين، فإلى وقت قريب ظلت هذه المنطقة بعيدة عن الذاكرة، رغم ثرائها الطبيعي والحضاري الممّيز، الذي عطر سماءها وجعلها نموذجا فريدا يدفع إلى الروح رغبة اكتشاف عبق التاريخ ودفء الحضارات المتعاقبة.
وهو ما يطرح الأسئلة حول واقع الاستثمار بالمناطق الداخلية وكيفية استغلال الإمكانيات المتوفرة لخلق الثروة وتشجيع التنمية المستدامة التي تبقى بعيدة كل البعد عن التحفيزات الممنوحة في مختلف القوانين والخطابات التي كثرت دون أن تجد الطريق للتجسيد.
رحلتنا إلى ولاية النعامة كانت برية... بدأناها في الساعة الثامنة والنصف من أمام مقر الديوان الوطني للسياحة بالعاصمة، مرورا بسبع أو ثماني ولايات، رغم أن الرحلة كانت متعبة، إلا أن الشوق لاكتشاف المنطقة اختزل كل المسافات وقلل معاناتنا... ساقتنا الأقدار قبل أن نلتحق بمقر إقامتنا بعين الصفراء للاستراحة عند أحد موظفي وكالة السياحة والأسفار زيدون الذي أثر أن يستقبلنا في بيته بالمشرية قبل مواصلة الرحلة باتجاه فندق المكثر بعين الصفراء... وهنا وجدنا الطيبة حاضرة والمحبة تحتضن نفوسنا المتعبة من كثرة السير في الظلام الدامس، وأكلة الزريزري التقليدية التي تقدم لأعز ضيف  تتحدى أمعاءنا الخاوية، وتدفعنا دفعا لإلتهامها وإحتساء كؤوس الشاي بالنعناع، وسط أفراد عائلة وأطفال ارتفعت أصواتهم ابتهاجا باستقبال زوار من العاصمة، وليسوا أي زوار، ممثلو وسائل الإعلام الوطنية، وهيئة عمومية تعد بمثابة محرك قطاع وزاري بأكمله ولاقتصاد بلد، وقد تجلى ذلك الاهتمام  في محاولاتهم المحتشمة لأخذ صور تذكارية مع أفراد الفريق فرادى وجماعات.
أكملنا المسير والليل كان قد أرخى سدوله، ولأن التعب كان قد أخذ منا مأخذه لم نعد نستطع تلمس معالم الطريق، ولا اكتشاف سحر المدينة الغارقة في الظلام والتي كانت تزينها أضواء شحيحة منبعثة من مصابيح وضعت في نهاية أعمدة خشبية، وأخرى حديدية، سرعان ما غابت عن أعيننا بعد أن خلدنا إلى نوم عميق بغرفنا بفندق المكثر، في انتظار بدأ رحلتنا الاستكشافية صباح الغد.
كان صوت زميلتي فاطمة يقطع الصمت المحيط بقاعة تناول قهوة الصباح، حينما صاحت مندهشة وهي تشير بأصبعها خارج نافذة المطعم ''إنه جبل من الرمال، يعني أننا في الصحراء''، وكأنها أول مرة تكتشف عيناها سحر الرمال الذهبية، وراحت تسحب آلة تصويرها لتخليد المشهد، ولحظتها تدخلت وطلبت منها ألا تستجعل، فهذا مجرد نقطة في بحر، لأننا أكيد على موعد مع اكتشاف كنوز ومعالم طبيعية وأثرية لن تمحى من الذاكرة.

حضرة سيدي أحمد المجذوب... مهد الضمائر والوطنية

بسطت الشمس أشعتها في ذلك اليوم، ولكن نسمة الهواء الباردة الممزوجة ببعض حبات المطر الفجائية جعلت الكثير منا يعود إلى غرف النوم مجددا للإحتماء بألبسة سميكة تقي من برد الخريف وهبات ريح غير متوقعة، فبهذه المنطقة يمكن أن تمر عليك في ساعة من الزمن أربع فصول من السنة، وقد لا تستغرب لذلك إذا ما علمت أن انتماء الولاية إلى منطقة الهضاب العليا الغربية جعل من مناخها قاري حار وجاف صيفا، بارد شتاء، فضلا عن أن جغرافيتها الآخاذة تضم مناطق سهبية وأخرى جبلية تمتد عبر سلسلة جبال الأطلس الصحراوي.
شقت الحافلة طريقها باتجاه وجهتنا الأولى المحددة وفق رزنامة الديوان الوطني للسياحة، منطقة عسلة التي تبعد ٣٠ كلم عن عين الصفراء، وعسلة إسم اشتق من العسل التي تشتهر بإنتاجه المنطقة، تضم في قلبها وتحتضن بين تربتها أحد الأولياء الصالحين ''الشيخ أحمد المجذوب''، وفوقها زاويته التي أصبحت مزارا للأحفاد والأهل والأقارب ومحبي الطريقة الصوفية.
أمام ضريح هذا العالم الجليل يتجدد الحدث الديني ''الحضرة'' أو ''اللمة'' أو ''الوعدة'' في منتصف شهر أكتوبر أو ''توبر'' من كل سنة، حيث يلتقي فيه عرش ''المجاذبة'' بعد أن يأتوا من كل صوب وحدب، وسكان المنطقة والولايات المجاورة الراغبين في الزيارة يجتمعون على تلاوة القرآن الكريم وقراءة الأوراد تضاف إليه التراث الشعبي الأصيل من شعر ملحون، رقص فلكلوري وفروسية في بيئة اجتماعية متماسكة تعكس التراث الوطني من جهة ومن جهة أخرى تدعم التماسك الاجتماعي بين أهالي المنطقة.
ويقول محمد بوحلة، برلماني سابق وباحث في التاريخ الوطني للولاية الخامسة، أن سكان المنطقة يتمسكون بإحياء وعدة سيدي أحمد المجذوب، لأنها تعكس تاريخهم الأصيل وماضيهم العريق، ويصرون على تجددها كل سنة لكي تحيا الضمائر، المحبة، الأخوة والوطنية، فضلا على أن زاوية سيد أحمد المجذوب تعبر عن فضاء مشع للسياحة الدينية، ومظهر من مظاهر الفرح حيث تصاحب الوعدة رقصات العلاوي، الحيدوس والقرقابو، إضافة إلى الخيالة والفنطازية الممزوجة بصوت ورائحة البارود، وحلقات الشعر الشعبي، الذي تأسس وقت الإحتلال وكان يتداول في الأسواق دون حسيب أو رقيب.
بدايات إحياء وعدة سيدي أحمد المجذوب، كانت في اليوم الـ ٤٠ من وفاته في ٩٨٣ هجري، من طرف ابنه التومي، واستمر يحييها بقراءة القرآن والأوراد، ثم أضيفت إليها الفروسية والشعر، واليوم صار يحضرها أكثر من ١٠٠ فرقة فروسية دون أن تقدم إليها دعوة الحضور.
وسيد أحمد المجذوب حسب عبد العزيز راسمال، أستاذ بجامعة بوزيعة، مولود في ١٤٩٣ قرب الحدود المغربية الجزائرية بجوار بني ونيف، وكان عند أخواله أشراف من أهل النبي «ص» من أولاد سيدي الجبار، تربى عندهم وهؤلاء كانوا يتكلمون بالأمازيغية ''الشلحة''، جاء مع ابيه العالم الجليل سيدي سليمان بن أبي سماحة المدفون ببني ونيف على أساس انه مرابط ينتمي الى أبي بكر الصديق فبنى زاويته وسكن هناك مع لالة أم الكلثوم زوجته وهي ابنة سيدي ابو الدخيل من الاشراف الذي ينحدر من سلالة سيدي عبد القادر الجيلالي وهذا ما ترك له مكانة راقية وسط سكان المنطقة.
وتقوم زاوية سيد أحمد المجذوب بدور اجتماعي هام، حيث يقصدها أعراش المنطقة لفك نزاعاتهم وخصوماتهم التي ترتبط غالبا بمشاكل العقار، الطلاق، الزواج، ونجحت في أكثر من مرة في إذابة الخلافات والتقريب بين رأسين في الحلال.

''الحجرة المكتوبة'' تاريخ يتكلم

كان الطريق رائعا للغاية، منذ أن غادرنا عسلة وزاوية سيد أحمد المجذوب باتجاه عين الورقة، فاجأنا منظر زاهي الجمال على سفح الجبال الممتدة على طول البصر، حيث تنتشر واحات النخيل أحيانا وأحيانا أخرى سهوب مزدانة بالزرع الأخضر يزينها لون الرمال الذهبية التي كانت تمتد كخط متوازي للجبال الصخرية وكأنها في تحدي لإثبات الوجود لقد وصلنا إلى المكان المحدد حيث الجبال الملونة بالكبريت والملح، تخترق بحيرتين محاطتين باخضرار لم نر أبهى منه ولا أجمل... مع اهتمام محتشم من طرف السلطات المعنية حيث استفادت المنطقة من مشروع التوسع السياحي، منذ سنة ١٩٨٨ دون أن تنجز أي مشاريع سياحية باستثناء مركز راحة للمجاهدين، وحمام معدني لا يكاد يتسع لسكان المنطقة والولايات المجاورة، رغم أن هذا الموقع ذو أهمية عالمية ونادر الوجود في المنطقة وكذا المتوسطية، حيث يتوفر على نباتات وحيوانات عديدة إضافة إلى بنية جيولوجية متعددة الألوان والحيوانات المميزة كالنسر الملكي، الصقر الجوال، الضربان، السنجاب البربري، الضب، الورن، فضلا عن أهميته السياحية حيث يشكل الحمام المعدني عامل جذب للسياح والباحثين عن علاج خاصة وأنه قريب من مناجم الملح التي مكنت من تواجد نشاطات قديمة في التداوي.
تركنا منطقة عين الورقة، وشمس وسط النهار باسطة أشعتها على البحيرتين وتمثال الورن الذي يزن ساحة الحمام المدني، وعبر طريق ضيق تكثر فيه المنعرجات والمنحدرات وتعلوها جبال بركانية خامدة، رحنا نعود أدراجنا باتجاه بلدة تيوت، وتيوت إسم مشتق من كلمة تيط بالأمازيغية وتعني عين، وجمعها عيون، أو منبع الماء .
وفي تيوت توجد أكثر من ٥٤ محطة للصخور المنقوشة عبر بلدياتها، من بينها ''الحجرة المكتوبة'' التي تعتبر أول حجرة مكتشفة في العالم بتاريخ ٢٤ أفريل ١٨٤٧، من طرف الجينرال كافنياك والدكتور فيلكس جاكو، والثانية أم لبرايم في مغرار، والثالثة موجودة في أستراليا، الرابعة في إيطاليا والخامسة في مصر.
ونحن أمام هذه ''الحجرة المكتوبة '' كما يصطلح على تسميتها أهل المنطقة تجلى لنا أحسن صورة ومشهد في محطات الصخور المنقوشة عبر العالم، مشهد يحكي بدقة حياة الانسان البدائي الذي كان يعتمد على الصيد ويسكن المغارات والكهوف ومن ثم تطور وأصبح يشيد القصور.
حملنا محمد هنين عضو في جمعية القصر العتيق لتيوت رسالة إلى وزارة الثقافة كي تستعجل تصنيف محطة الصخور المنقوشة، وتتدخل لحمايتها من الأيادي العابثة التي خربتها، وشوهت منظرها ومحتواها بكتابات ليس لها معنى.
وأحصى هنين وجود ٣٠٠ محطة صخور منقوشة على مستوى ولاية النعامة، قال: ''من شأنها أن تكون منطقة سياحية بامتياز تضاهي تلك الموجودة في الطاسيلي''.

القصر العتيق ... يبحث عن زوار

في منطقة تيوت دائما وقريبا من مبنى القصر العتيق رحنا نتأمل العمارة الجميلة في طريقنا لاكتشاف التراث الأمازيغي والعربي الأصيل.
الطريق إلى القصر يبدأ ببوابة خشبية مقوّصة مكتوب أعلاها ''هذا باب سيد أحمد بن يوسف''، وبعد البوابة مباشرة ترى زقاق ضيقة وطويلة مبلطة بالحجارة نصفها عاري، والباقي مغطى بسقف من الخشب وسعف النخيل وأجزاء الطين، تعتقد للوهلة الأولى أنها امتداد لجدار طويل له بداية وليس له نهاية، في حين يضم وراءه مجموعة من المباني العتيقة الجميلة النمط، تظهر للعيان من خلال الأبواب الصغيرة الحجم، كنا نمر في الزقاق الضيقة صعودا وهبوطا بين بيوت صغيرة تتراص في الزقاق التي تتشابك مع بعضها كأذرع أخطبوط، حتى طلب منا دليلنا عدم الابتعاد عن بعضنا حتى لا نضيع في متاهة الممرات الملتوية.
تقول الروايات أن قصر تيوت تأسس في القرن الخامس عشر ميلادي بعد هجرة عرب الأندلس وسقوط غرناطة في ١٤٩٢ يقع القصر على الضفة اليمنى من وادي تيوت، حسب ما ذكره رنيه، وفي فترة تاريخية متأخرة قدم من الساقية الحمراء ووادي الذهب أولاد رحمون واستقروا على الضفة اليمنى من الوادي وأسسوا قصرا صغيرا في المكان الذي يقع فيه قصر تيوت الحالي ما بين ١٢٠٠ أو ١٣٩٠ م بينما ذكر فرانسوا كوميناردي، والراجح أن قصر تيوت تأسس في القرن الـ ١٥ بعد هجرة عرب الأندلس وسقوط غرناطة.
ويقول هنين محمد أمين بلدية تيوت، وعضو جمعية القصر العتيق أن مؤسس قصر تيوت عيسى بن عبد الله قبل ١٢٠٠ م، مذكرا أن الإنسان في تيوت حط قبل ٦٠٠٠ سنة قبل الميلاد وهو تاريخ الآثار المنقوشة، هذا الإنسان البدائي الذي كان يسكن المغارات وينقش الصخور انتقل إلى الفلاحة وشيد القصور، في بلدية تيوت.
يتوسط قصر تيوت مسجدا عتيقا بدون صومعة وله مئذنة وأزقة ضيقة مخصصة للرجال والسطوح للنساء.. يعود تاريخه إلى ٤ قرون، تؤدي إليه كل الأزقة والدروب، وغير بعيد عنه توجد ساحة عمومية تدعى تاسفلت أعدت للراحة و الإجتماعات وقيام الأفراح وحل مشاكل سكان القصر من طرف الأعيان الكبار بالإضافة إلى الحمام والمدرسة القرآنية.
وحسب هنين، كانت هناك ٥ قصور اندثرت وبقي القصر العتيق الذي حمل اسم تيوت وهو قصر محصن بثلاث أبواب، بني في ربوة حتى ينحدر الماء، ومن بين المواد الأولية التي بني بها الطين والخشب به منعرجات تصد الرياح بارد صيفا ودافئ في الشتاء، ومن بين ميزاته أن سطوحه متشابكة، يستطيع الإنسان التنقل عبرها من الشرق إلى الغرب، أو من الجنوب إلى الشمال، وتقول الروايات المتناقلة أنها، أي الأسطح، خصصت للنساء وهذا احتراما لهن.
استفاد القصر العتيق من عمليات ترميم سنة ٢٠٠٢، ٢٠٠٤، و ٢٠١٠ غير أن تلك العمليات المحتشمة لم تستطع أن تحافظ على معالمه الجمالية وهندسته  الإسلامية، بسبب إدخال الإسمنت المسلح في عملية الترميم، وهو ما حذر منه الخبراء والمختصين، الأمر الذي جعل المهتمين به يرفعون دعوات لوزارة الثقافة لكي تسند العملية إلى مكاتب دراسات مختصة وخبراء.

الديناصورات ... مرّت من هنا

بقيت عالقة في ذهني صورة الديناصورات العملاقة الموجودة في مخيلة منتجي أفلام الكرتون، حينما رسموها بذلك الشكل من الضخامة والشراسة ... وطول الطريق إلى رويس الجير حيث يتواجد متحف الديناصورات، ظل شريط هذه الصور يمر في ذاكرتي وكأني لم اقتنع فعلا بوجود هذه الكائنات الأسطورية على محيط صغير من ولاية النعامة، ولكن باحثين من شركة سوناطراك كانوا قد أكدوا هذه الفرضية سنة ١٩٩٩، حينما عثروا على كنز سياحي هام، ومواقع عديدة لمتحجرات بقايا الديناصورات برويس الجير على بعد ٥٠ كلم من مدينة عين الصفراء.
كان الشوق يسبق خطواتنا المتعبة ببرد ذلك اليوم، لرؤية الديناصور الذي تم اكتشافه، ترى هل فعلا كما رسم في الأشرطة الوثائقية، أم كما رسم في أفلام الكرتون؟ وهل المتحف الذي يحمل اسمه استطاع احتواء طوله؟ وفي منطقة سهبية كبيرة خالية من المباني والنباتات خابت توقعاتنا حينما لم نعثر على هيكل الديناصور العملاق، بسبب تواجده في ولاية بومرداس حيث يعكف خبراء على تركيب هيكله الذي يبلغ طوله حوالي ١٢ مترا، مثلما أخبرنا به سليمان بوبكر، نائب رئيس بلدية صفيصيفة، وهو يقدم لنا شروحات عن متحف رويس الجير الذي أسس من طرف بلدية صفيصيفة ويحتوي على أجزاء من عظام الديناصور من نوع سيرو بود الذي أكتشف في الجهة، بالإضافة إلى مجموعة صغيرة من الحشرات ونباتات المنطقة، وصور لاكتشافات المواقع المتحجرة.
واكتشف بالمنطقة ٥٥ ديناصور رفض المستكشفون الإفصاح عن مكان تواجدها خشية من تعرضها للنهب والتخريب، يقال أنها من نوع الصوربودات وهي نوع من الديناصورات تنمتي إلى فصيلة الصور يشيان ديناصور يشبه العضاية، هذه الديناصورات التي تعيش على أكل العشب يمكن أن يصل طولها إلى ٣٠ مترا فما فوق ووزنها إلى ٣٠ طنا، ويحتمل أن تكون هناك علاقة بين هذا الاكتشاف والغابة المتحجرة التي تقع على مقربة من هذا المتحف، والتي يفترض أن تكون مكان حياة الديناصور في تلك الحقبة.

بحيرة عقلة الدايرة... وسط بيولوجي يبحث عن الحماية

في اليوم الثاني من زيارتنا لساحرة الأطلس الصحراوي، كنا على موعد مع اكتشاف نوع آخر من السياحة التي تزخر به هذه الولاية، لم تثننا الأمطار التي كانت تتساقط بغزارة عن مواصلة رحلة استكشافنا، الوجهة بلدية عين خليل، والمكان المقصود حوض عقلة الدايرة... بحيرة موسمية ذات ماء عذب منبعه من جبال قعلول المحاذية في عمق المنطقة السهبية، وتعتبر هذه المنطقة مثال وحيد وفريد من نوعه من المناطق الرطبة عبر الإقليم المتوسطي والسهبي ووسط طبيعي للتنوع البيولوجي، تتوفر هذه المنطقة على ٥ أصناف من النباتات المحلية بالهضاب العليا الغربية الفستق الأطلسي، البطم والتي تمثل ٥٤ بالمائة منها بهذه المنطقة وصنفين من النباتات المحلية ٦٠ بالمائة.
تتواجد المنطقة ضمن أروقة ومسارات عبور الطيور المهاجرة حيث يستقبل هذا الحوض المائي الممتد على مساحة ٢٤ ألف هكتار ومساحة ماء ٢٤٠ هكتار، سنويا عدة أصناف من الطيور القادمة من أوروبا والمغرب على غرار النحام الوردي، الحذف الجميل، نشهرمان، بالإضافة إلى الأصناف الموضوعة في قائمة الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة وملحقات الاتفاقية الدولية لحماية الحيوانات البرية لعدم المتاجرة بها، ويتعلق الأمر بطيور الحبار المتوجة، ومن الثديات غزال الأطلس والأروي.
حف الحوض المائي بحزام غابي أخضر، من أجل حمايته ومنع زحف الرمال حتى لا تتقلص مساحته المائية، لكن بالمقابل أخفقت الجهود في منع الصيد غير المنظم لطائر الحبار، والغزال المحميان حيث أكد لنا ميلود غربي مفتش غابات رئيس مصلحة الحماية بمديرية الغابات لولاية النعامة أنهما يتعرضان للصيد العشوائي وخاصة خلال الليل حيث يرخي الليل سدوله، وتنقص دوريات المراقبة، الأمر الذي جعل مديرية الغابات تقوم بالاتصال بجمعيات الصيد على مستوى الولاية لإنشاء فيدرالية تتولى تنظيم عملية الصيد، لكن دون أن يلقى اقتراحها أي صدى من طرف مسؤوليها، كما قامت ذات المصلحة بعمليات تحسيسية وسط المدارس لتوضيح أهمية المناطق الرطبة، واقترحت وضع أماكن ترفيهية للعائلات وإقامة منتجع يستقطب العائلات خاصة وأن أقرب بلدية تبعد عن البحيرة بـ ٦ كلم وهي عين بن خليل، وهو ما تحاول الجهات الوصية العمل به حيث أفرجت عن عدة موافقات لإقامة مشاريع سياحية بهذه المنطقة، تتمثل في منتجع سياحي، ومحلات يفترض أن تعيد البريق للبحيرة العائمة.

في عرين الشيخ بوعمامة

عندما يأتى ذكر النعامة، يقفز على الفور إلى الذاكرة اسم بطل المقاومة الشعبية الشيخ بوعمامة، الذي اختار منطقة مغرار المحصنة طبيعيا بالجبال، لتكون مهد مقاومته الشعبية وحصنه الدفاعي في مجابهة قوات الإحتلال الفرنسية طيلة عشرين سنة، ظل شعلة تلهب الحمية في نفوس الرافضين مثله للمهانة، حتى ينتهى الأمر باستقلال الوطن وطرد الدخلاء المستعمرين... بطل مثل الشيخ بوعمامة كان لابد من أن يطاردنا تاريخه طيلة رحلتنا إلى النعامة التي امتدت بين قصور وواحات، وبحيرات والتي حاولنا فيها أن نقرأ في صفحات هذه المنطقة تراثا وحضارة وعطاء وتاريخا ثوريا بهيجا ظل يرفرف على مساحتها الواسعة.
في طريقنا إلى عرين الشيخ بوعمامة، لم نمر على أي قرية حتى خُيل إلينا أن المنطقة مهجورة منذ سنين، كانت الجبال العارية ذات التموجات، وكأنها تجاعيد السنون، وحدها تحكي المعارك التي شهدتها المنطقة، ولعل اختيار الشيخ بوعمامة لمنطقة تحيط بها الجبال من كل جهة لم يكن عبثا.
وسميت قلعة الشيخ بوعمامة التي احتضنه وهو إماما مُعلما، ومجاهدا عظيما قديما باسم المغرار التحتناني، واشتقت تسمية مغرار من الشعاب الكثيفة بأشجارالبطم التي تقع على جبال القصور بالأطلس الصحراوي، تتميز بواحة تبلغ طولها ٤,٥ كلم، ويتميز القصر القديم بالأبراج الـ ٣٢ الدفاعية، والتي استعملتها القبائل السابقة كوسيلة للحماية وللدفاع عند إغارة قبائل أخرى، فالقصر الذي احتضن زعيم المقاومة الشعبية بالنعامة، يعود تاريخه إلى أكثر من ٩ آلاف سنة، وكان يضم في السابق أغلب عشائر المنطقة، له ثلاث أبواب الباب الكبير يدخل منه الرجال والاثنين المتبقيين واحد منه للنساء والآخر يدخل منه الاثنان معا، ولكن أغلب الوقت الرجال يخرجون إلى الواحة لطلب العيش ويبقى القصر فارغ ما يسمح للنساء بالتحرك بحرية تامة، بدليل أزقة القصر الضيقة جدا، التي تسمح بالمرور لشخص أو شخصيين.
لم يتبق من القصر إلا بعض الجدران المبنية بالطين الأحمر، والسبب يعود حسب عبد القادر نير، رئيس جمعية سياحية على مستوى قلعة الشيخ بوعمامة، إلى يد الإنسان والعوامل الطبيعية، فبعد انهيار السور الخارجي للقصر، بدأت جدران البنايات المتراصة مع بعضها في الإنهيار، نجت الزواية التي كان يتخدها الشيخ بوعمامة مكانا لتعليم وتقديم الدروس بعد إعادة ترميمها، وحولت إلى متحف يعرض للزوار تاريخ الشيخ وبعض رسائله للقبائل، الأحجار المنقوشة التي توجد أغلبها في القطعة النقدية ١٠٠٠ دينار تعكس حياة الإنسان البدائي، وسائل الدفاع التقليدية، مستحثات عصور ما قبل التاريخ ، الأدوات التقليدية التي استعملت في المنطقة.
كما بقيت الأبراج السياحية التي كانت فيما سبق أبراجا دفاعية حيث يتجاوز عددها ٣٠ برجا كانت تحيط بالقلعة لحمايتها من الغزاة، بنيت الأبراج من الحجارة والطين وكانت أسقفها من خشب ولا تكاد تجد مداخلها إلا بصعوبة للتمويه ضد العدو وكانت الأبراج على نوعين منها ذات الشكل الاسطواني والشكل المربع وفي كل منها بندقية وقربة ماء ومزود تمر وكانت تنشط بها الحراسة، حينما تحدق الأخطار بالمنطقة، هو جزء من تاريخ مجيد وماضي عريق، لن تكفي صفحات الجريدة لإيفاء حقه، فعذرا أيها القائد المغوار.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18077

العدد18077

السبت 19 أكتوير 2019
العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019