«الشعب» تستطلع وضعية قاطني حي المحتشدات العسكرية بقسنطينة

2266 عائلة تعيش وضعية مأساوية تهدد بإشعال فتيل الاحتجاجات

استطلاع: مفيدة طريفي

ارتأت «الشعب» بعد الحركة الاحتجاجية التي قام بها شباب حي بوذراع صالح وعملية قطعهم للطريق الوطني رقم ٢٧ لمدة يومين والمواجهات الساخنة التي دارت بينهم وبين عناصر مكافحة الشغب، التنقل نحو حي المحتشدات العسكرية لتستطلع يوميات هذا الحي الذي وجد من ثقافة الخروج للشارع حتمية لامفر منها، فبمجرد دخولنا لهذا الأخير لاحظنا العشوائية والفوضى في السكن، أين يشتكي حوالي ٢٢٦٦ عائلة تقطن عمارات حي بودراع صالح الشعبي بولاية قسنطينة من سياسة الإقصاء والتهميش التي يعيشونها منذ سنوات طويلة.

ورغم الظروف الصعبة والوضعية الاجتماعية اللاإنسانية التي يتخبطون وسطها وعلى رأسها كابوس الغرفة الواحدة ومرارة الفقر وتهديد التشرد والضياع الذي يتربص بهم وبأولادهم في ظل انتشار جميع الآفات والظواهر الاجتماعية التي أثرت سلبا على حياتهم اليومية فبدءا من شبح العيش داخل غرفة واحدة تأوي في اغلب الأحيان أكثر من ٦ أفراد وصولا إلى النقائص والعيوب التي يسجلها الحي المنكوب، وهي المعاناة التي وصفها سكان الحي بالجحيم والتي أنهكت السكان ودفعت بهم للتساؤل عن سبب التقاعس والتقصير وعدم الجدية في التعامل معه وواقعها الذي وصفته بالمرير وغير المتجاوب مع حق المواطن والحياة الكريمة.
عائلات لا تزال تعيش كابوس ''أف١''  
في زيارة ميدانية قادت «الشعب» لأقدم حي بقسنطينة وبدعوة من سكانها الذين وجدوا من منبرها أملا في إيصال صوتهم ومعاناتهم للسلطات الولائية وحتى الوطنية سيما في ظل التناسي والتهميش الذي طال سكان هذا الحي الذي كان مجرد محتشد استعماري لا غير،  لنشهد بذلك على معاناة ٣٣٨ عائلة تتخبط في مستنقع العوز والحرمان، وحياة تشهد تدهورا فضيعا للأوضاع الاجتماعية والمعيشية للعائلات التي تقطن بهذه العمارات التي شهدت سنوات الاستعمار بكل تداعياتها، وقد أكد لنا بعضهم أنهم يعيشون وسط حلقة مفرغة عنوانها لامبالاة الجهات الوصية، ويتعرضون للعديد من الإصابات بالأمراض المستعصية على غرار الربو والحساسية جراء الرطوبة العالية، فالغرفة الواحدة تحوي في نفس الوقت مطبخ ومرحاض وهو ما أثار فينا الدهشة والحيرة حول كيفية عيش عائلة بـ١٢ فردا وسط غرفة واحدة، وهو ما يعتبر ضرب من الخيال وأمر جنوني ولا يطاق، وقد لاحظنا أثناء الجولة خروج بعض العائلات للنوم خارج هذه الغرف تجنبا للاكتظاظ حيث لا تتسع هذه الغرف حتى لشخص واحد، وهو ما يدفع بالشباب لتمضية معظم أوقاتهم في الخارج تجنبا أو بالأحرى هروبا من واقعهم المرير الذي أضحى مأساويا لدرجة أنهم يشتاقون لتنفس هواء نقي  ونظيف حيث قال لنا أحد الشباب الذي رافقنا في جولتنا الاستطلاعية، أن معظم السكان الأصليين والقدامى لم يستفيدوا من السكن الاجتماعي، هذا وقد أكدت لنا العائلات المنكوبة أنهم يتخبطون في حياة اللامبالاة بسبب غياب جمعية الحي التي عادة ما كانت تتكفل بانشغالات السكان.
محتشد عسكري... والماء لمن استطاع إليه سبيلا
إن معاناة سكان حي بودراع صالح لا تنحصر في مشكل الغرف الضيقة التي لا تتعدى مساحتها ٢٨ متر مربع والمخصصة للأكل، الشرب، النوم، لدورة المياه، حيث تساءل سكان الـ(أف١) خاصة أن الوضعية أجبرت الأخ على أن يقاسم الغرفة مع زوجته وأبناءه وجعلت هذه السكنات إقبال الضيوف عليهم خطأ كبير، هذا بدون الحديث عن المشاكل التي تفاقمت بسبب الانقطاع المتذبذب لمياه الشرب التي عادة ما تتلوث بسبب العطب الدائم الذي مس قنوات الصرف الصحي ما يهدد صحة العائلات نتيجة تراكم الأوساخ والقاذورات التي أضحت ديكور الحي الوحيد، فالمستنقعات والبرك تعم المكان وروائح المياه الملوثة المتسربة من القنوات جعلت عملية التنفس شبه مستحيلة. وأكدت لنا إحدى القاطنات بالحي أن أطفالها مصابون بكافة الأمراض الصدرية والحساسية جراء التشققات ناهيك عن التسممات الغذائية، بسبب التوصيل العشوائي لقنوات الماء بقنوات الصرف الصحي التي تتعرض لها الغرف الواقعة في الطابق الأرضي، ناهيك عن خطر الشرارات الكهربائية التي عادة ما تهدد امن وسلامة السكان بسبب مولدات ضخ المياه المحاذية للمولدات الكهربائية، وهو ما يثير تخوف السكان سيما في ظل تغاضي الجهات المعنية عن حل معضلة سكنات الغرفة الواحدة التي لا تزال تعنون قطاع السكن بالولاية.
وحسب مصادر مطلعة، كانت هذه العمارات في الفترة الاستعمارية مجرد محتشد عسكري معروف تاريخيا بمشروع قسنطينة والذي كان يقف عليه آنذاك ديغول ليبقى حتى سنة ٢٠١١ مكانا يأوي حوالي ٢٢٦٦ عائلة.
آخر عملية ترحيل استفاد منها السكان... سنة ١٩٩٦
أكد رئيس لجنة الحي السيد «عزوز قدوار» خلال حديثنا معه عن وضعية الحي وعن أخر عملية ترحيل استفاد منها سكان عمارات بودراع صالح، أنهم استفادوا من عمليتين كانت أولهما سنة ١٩٩٤ تم خلالها ترحيل نحو ٦٠٢ سكنات جديدة بحي الزاوش ببوصوف و أخرى سنة ١٩٩٦ نحو المدينة الجديدة، أين استفادت ٢٠٠ عائلة من سكنات البناء الذاتي لتتبقى حوالي ٣٣٨ عائلة بالحي، إلا أن الواقع يعكس ما يرويه سكان الحي، حيث أن المستفيدين من عمليات الترحيل لا يزالون يستغلون الغرف بدون وجه حق لاسيما وأن ترحيلهم منها كان قد يحل مشكل «أف١» ذلك بتوسيعها إلى غرفتين ولو بشكل مؤقت، وقد عمدت بعض العائلات إلى تأجيرها وإعادة بيعها وهو السلوك الذي يعكس قرار وزير السكن و العمران الذي دعا إلى ضرورة التكفل بهذه العائلات التي توجد قيد الحماية بموجب المرسوم رقم ٠٨ - ١٤٢ المؤرخ ١١ ماي ٢٠٠٨ المحدد لقواعد منح السكنات العمومية الايجارية التي مكنت لمثل هذه العائلات التي وصل عددها بقسنطينة ٢٢٦٨ عائلة من حق الاستفادة من سكن أوسع على شرط إخلاء تلك السكنات فور تسليم القرار بالاستفادة من سكن جديد غير أن الحقيقة على ارض الواقع تختلف فرغم القرار الوزاري الرسمي إلا أن الجهات الوصية لم تعطي أهمية للأمر .
والي قسنطينة السابق وعدهم بالترحيل... والسجن لمن يطالب بالتعجيل  
هذا وقد تحدث معظم سكان حي بودراع صالح عن الزيارة التفقدية التي قام بها والي ولاية قسنطينة السابق السيد «بوضياف» للمنطقة، والذي وعدهم فيها بالترحيل وقدم لهم فترة قصيرة إلا أن وعوده بقيت حبيسة أدراجه، ما دفع بشباب الحي إلى الاعتصام أمام ديوان الوالي ليأكدوا لنا أنهم تعرضوا للطرد حيث قاموا بسجن ٤٥ شخصا بسبب الاعتصام الذي وجدوه حلا للإسراع في تطبيق قرار الترحيل، ليضيف أحد السكان أنهم ومنذ ذلك الحين «لم نتجرأ على المطالبة بحقوقنا وحتى جمعية الحي تلاشت بعد حادثة السجن التي تعرض لها سكان الحي، هذا وقد اشتكى السكان من نقص التغطية الأمنية بالمنطقة ناهيك عن مشكل المحلات التجارية الكائنة بالحي والتي تنعدم فيها أبسط معايير النظافة.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18077

العدد18077

السبت 19 أكتوير 2019
العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019