«الشعب» تستطلع واقع ومستقبل المنظومة التربوية في الجزائر

الإرتجالية وغياب رؤية استراتيجية وراء اللاإستقرار

حكيم بوغرارة

أساتذة يدلون بآرائهم حول النهوض بالقطاع ويطالبون بمناهج ومدرسة تخرج كفاءات

يعرف قطاع التربية في الجزائر تجاذبات كثيرة جعلته محل أنظار الجميع في ظل حساسيته وتقاطعه مع مختلف القطاعات واستحواذه على ميزانية ضخمة، كونه القطاع الذي يكون الأجيال ويحافظ على استقرار وتوازن المجتمع.
وبين آمال الأولياء وطموح الوزارة وتطور المناهج وتأثير السياسة والتحولات الأخرى إرتأينا البحث في واقع التربية الحالي والرهانات التي تنتظره من خلال فتح المجال لأكبر قدر ممكن من الأطراف الفاعلة لمعرفة آرائها وانتقاداتها والإيجابيات المسجلة.

قطاع التربية بين الدعوة للعودة إلى المدرسة الأصلية والتفتح والتدريس باللغات وتشجيع القطاع الخاص وانتشار الدروس الخصوصية وبين التسرب المدرسي وانتشار العنف وازدياد المخاوف من تأثير استقالة الأسرة وتوغل التكنولوجيات الحديثة وارتفاع نسب الناجحين في مختلف المسابقات. بين الاكتظاظ وغيره من الملفات يبقى فتح حوار جاد ومسؤول أكبر عامل للخروج بالمدرسة الجزائرية إلى بر الأمان وتأهيلها لتربية النشء وتكوين كفاءات للمستقبل..
يتحدث الخبراء والمختصون في شؤون التربية على انتشار الفساد في المجتمعات ويرجعنه إلى سوء تكوين التلاميذ وفشل المناهج في تلقين القيم التي تكون حصانة لمختلف الأجيال لحمل الرسائل الإيجابية لخدمة الأمة والحفاظ على المكاسب والقيم.

عدم الاستقرار ....والخلفيات التاريخية

ما يحدث في قطاع التربية من تحولات وتجاذبات وإضرابات واختلافات فكرية يعود إلى ما قبل الاستقلال حيث سعت فرنسا إلى طمس الشخصية ومحاربة مقومات الشعب الجزائري، حاربت اللغة العربية والدين الإسلامي والمقومات التاريخية، ورغم ذلك بذل الكثير من المخلصين مجهودات كبيرة للحفاظ على مكاسب الأمة.
للأسف بعد الاستقلال نعتقد أن الرؤية لم تتضح حول إستراتيجية التربية الوطنية وكيفية تسطير خطة لتدارك العجز في المؤطرين ورد الاعتبار للغة العربية ليست كمادة تدرس ولكن كأداة للتعليم من خلال تعميم التدريس بها وإدخالها على العلوم الدقيقة.
يدفع قطاع التربية اليوم ثمن الاختلافات الجوهرية من الاستقلال حيث برز وزير الشؤون الدينية والتعليم الأصلي الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم الذي قام بثورة في قطاع التربية من خلال تعميم التعليم بالعربية وتحديثها بالتركيز على تدريس العلوم الدقيقة ونجح في إرساء تعليم أصلي تمهيدا لتكوين جامعات.
ولكن وبعد سنوات من مشروع مولود قاسم نايت قاسم وبروز تلاميذ المدرسة الأصلية لم يكتب له النجاح وتم توحيد أنظمة التعليم بعد ميثاق 1976 وهو ما أعتبر ضربة موجعة للتعليم الأصلي الذي راهن عليه مولود قاسم نايت بلقاسم من قبل لتكوين شخصية جزائرية نموذجية والتخلص من تبعات ما قامت به فرنسا  الاستعمارية من محاولات طمس الشخصية الجزائرية.
وعين الرئيس الراحل هواري بومدين، الراحل مصطفى لشرف على رأس وزارة التربية في 1977 وهو ما أحدث ردود فعل متضاربة خاصة بعد مواقف الرجل من اللغة العربية واختلاف نظرته واستراتيجيته لتطوير القطاع. قام الراحل مصطفى لشرف بإرسال خبراء إلى تونس للإطلاع على تجربتها في التربية والتي كانت تعتمد على التعليم باللغة العربية والفرنسية أو ما يسمى التعليم المزدوج وهو النظام الذي نصح الخبراء التونسيون بتجنبه حسب ما أفادت به العديد من المصادر التي كانت تتابع ملف التربية.
هذا وبقيت المدرسة الجزائرية رهينة التغيرات والتحولات السريعة والتي حرمت التربية الوطنية من مشروع طويل المدى يراعي متطلبات الأمة، وبقيت الصراعات الخفية والمعلنة هي المتحكم في القطاع الذي عرف بعض الاستقرار في سنوات الثمانينات لكن مع تساؤلات كبيرة حول الأرضية التي تم عليها تقسيم مختلف مراحل التعليم والأهداف المتوخاة والقيم التي يجب غرسها في التلاميذ.
مر القطاع في سنوات التسعينات بظروف جد صعبة حيث تأثر كثيرا بانتشار المد الإرهابي، وحاول الفكر الظلامي القضاء على المدرسة حيث تعرضت الأسرة التربوية إلى ضغوطات واغتيالات ذهب ضحيتها العديد من الأساتذة.

التربية تدفع ثمن الإرتجالية وغياب الاتصال

شهدت الجزائر منتصف سنوات التسعينات دخول وافد جديد على قطاع التربية الوطنية وهو الحق الذي أقره دستور 23 فيفري 1989 حيث كان رد فعل الأساتذة من خطوة الحكومة على اقتطاع جزء من أجور المعلمين لتسوية بعض الأمور المالية في ظل الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد في 1995 وبدأت منذ تلك الفترة موجة إضرابات لا زالت متواصلة إلى يومنا هذا، ولا يخلو موسم دراسي من سلسلة الإضرابات لأسباب أو لأخرى.
ومن ضعف الأجور وتسيير الخدمات الاجتماعية إلى ضائقة السكن والتقاعد والعنف ضد الأساتذة والترقيات وتطبيق شبكة المناصب الجديدة وبعض المنح وغيرها من الملفات التي كانت سببا لهذه الإضرابات التي كلفت القطاع غاليا وأثرت كثيرا على التلاميذ الذين باتوا بدورهم معتادين على الإضرابات بل أصبحوا يلجؤون للإضراب في بعض الحالات في صورة تؤكد الوضع الصعب الذي تمر به المدرسة الجزائرية.
تأسف عبد الكريم بوجناح الذي فضلنا الحديث معه بصفته أستاذ، بعيدا عن الفرع النقابي عن حال القطاع والذي تأسف لحال القطاع الذي يعرف ارتجالية كبيرة حيث تحدث عن نقص فادح في الاتصال بين الوصايا والفاعلين في القطاع منذ الاستقلال مذكرا بالصراعات والايديولوجيات السائدة في ظل غياب برنامج يشترك فيه الجميع.
لخص بوجناح المشاكل في تسييس قطاع التربية وبقائه ضمن فلك بعض التوجهات الحزبية وهو ما جعلنا نصل لهذه المرحلة على حد تعبيره.
وانتقد الاستاذ في حديث لـ» الشعب»، تحويل التربية لصفقات طبع الكتب قائلا :»في كل مرة تذهب الملايير لطبع كتب بها أخطاء بديهية ولم تكن بريئة في الكثير من المرات ليتأكد الجميع بأن التربية في الجزائر مشاكلها عميقة ويجب أن يتجند لها الجميع لحماية أجيال المستقبل من المجهول فطريقة لباس التلاميذ وتسريحات الشعر وغيرها من الظواهر لا تبشر بالخير».
وحتى الأساتذة المحروم معظمهم من ظروف اجتماعية مريحة جعلتهم يوجهون نظرهم من الجانب البيداغوي وكيفية تطوير أنفسهم لتقديم الأحسن إلى مجرد إجراء يسعون به لتحسين أوضاعهم المعيشية من خلال دروس خصوصية أو التوجه لقطاعات أخرى تدر أجورا أحسن من قطاع التربية والتعليم.

الوصاية تتحدث عن مقاومة للإصلاحات

اصطدم مختلف الوزراء الذين مروا على قطاع التربية بواقع صعب عليهم التحكم فيه أو إيجاد الحلول اللازمة فمن أبوبكر بن بوزيد إلى بابا احمد إلى بن غبريط وغيرهم من الوزراء منذ الاستقلال لم تستقر المدرسة الجزائرية التي تضم حوالي 8 ملايين تلميذ وهيئة تدريس تفوق 500 ألف وميزانية ضخمة هي الوحيدة التي تفوقت على الدفاع الوطني في إحدى السنوات القليلة الماضية بالنظر لأهميتها وحجمها على إستراتيجية معينة.
وبرر مختلف الوزراء التحولات العميقة وكثرة الحراك بالإرث التاريخي وتراكم المشاكل على مدار عقود من الزمن وبالتالي فما نعيشه اليوم حسبهم هو نتيجة وحالة روتينية والتدخل للقيام بإصلاحات سيولد مقاومة وهو ما يحدث حاليا حسب تبريرات الوزيرة بن غبريط في كل مرة.
  إن المتطلع لواقع النقاش في قطاع التربية يلمس فجوة كبيرة بين أسرة التربية ولا نعرف إن كان التنوع النقابي قد ساهم في حل مشاكل القطاع أم أخذه كرهينة وحتى التراشق بين الوزارة والنقابات ودخول التلاميذ على الخط وأولياء التلاميذ والأحزاب السياسية والجمعيات بمختلف انتماءاتها وتنوعها يؤكد عمق المشاكل وضرورة تنازل الجميع عن جزء من الحقوق لإيجاد أرضية صلبة تبنى عليها المدرسة الجزائرية في عالم لا يرحم وأصبحت فيه العولمة والضغوطات الخارجية والحرب الثقافية الدائرة حول اللغات ومناطق النفوذ والتي لم تعد تخفى على أحد كما أن العولمة تتوجه لفرض نظام تعليمي موحد يقضي على الخصوصيات والتنوع الثقافي والديني ويعمل على محاربة كل من يحاول الحفاظ على قيمه وخصوصياته.
ولم يشفع لقطاع التربية لا ميثاق أخلاقيات ولا ارتفاع نسب النجاح في مختلف المسابقات ولا حتى في الزيادات في الأجور وإقناع المتعاقدين بالمشاركة في المسابقة الوطنية ولا كل الإجراءات المتخذة لتحقيق نوع من الاستقرار، ومن العتبة إلى التغيير المستمر والخضوع في بعض الأحيان للتلاميذ.
وقال أحمد خلفاوي رئيس الجمعية الوطنية لجمعيات أولياء التلاميذ أنه لا مناص من ضرورة التقاء جميع أفراد الأسرة التربوية من أجل مدرسة وطنية تراعي مختلف التحولات مع ضرورة فتح المجال لكل من يرغب في المساهمة في تطوير القطاع وتفادي الصراعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، داعيا إلى الاقتداء بما قام به الرئيس الراحل هوراي بومدين قبل إصدار الميثاق الوطني.  

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18212

العدد18212

الجمعة 27 مارس 2020
العدد18211

العدد18211

الأربعاء 25 مارس 2020
العدد18210

العدد18210

الثلاثاء 24 مارس 2020
العدد18209

العدد18209

الإثنين 23 مارس 2020