قصـة حيـاة تروى عبر الأزمنـة

«تيمعصـــرت نموتــشــن» بـذراع الميــــزان تقـــاوم ريــاح التغيير

بجاية: بن النوي توهامي

انتشرت ولسنوات طويلة الطاحونات التقليدية التي كانت الوسيلة الوحيدة لإنتاج الدقيق بكل أنواعه وكانت منتشرة في جميع القرى والمداشر، حيث عرفت الكثير من العائلات بهذه المهنة بين سكان تلك المناطق، ولكن مع تطور الحياة ومع الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة آلت هذه الآلات التقليدية إلى الزوال وأصبح ممتهنوها يعدون على الأصابع...«الشعب» ترصد هذا الوضع في الاستطلاع الميداني.

تنقّلت «الشعب» إلى إحدى قرى القبائل الكبرى لتتعرّف على واقع المطاحن التقليدية وممتهنوها وكانت قرية «تافوغالت» ببلدية ذراع الميزان أول وجهة لنا، أين وجدنا أربع طاحونات تقليدية، بعد غلق أغلبها الواحدة تلو الأخرى، بسبب قلّة الإقبال عليها أين اتجه السكان إلى ما يباع في السوق من سلع حديثة بعد تغيّر نمط الحياة ووتيرتها.

صامدة أمام التحولات

رغم الظروف التي تعانيها، بقيت طاحونة «تيمعصرت نموشن» صامدة أمام رياح التغيير   وحافظت على أبوابها مفتوحة وفية للمهنة العريقة. تقع هذه المطحنة بحي الاستقلال المعروف بحي «الفلين» سابقا،....عند مغادرة ذراع الميزان باتجاه «فريكات» تراها شامخة شموخ جبال الأطلس التلي الشمالي، ولمدة تفوق الـنصف قرن كانت «تيمعصرت نموشن» الوجهة المضلة للكثير من سكان القرية والقرى المجاورة لطحن القمح والشعير، وما زالت إلى يومنا هذا مقصد البعض القليل من السكان ممن يفضلون أكل ما تسحقه من الحبوب، ففي كل قضمة منه حكاية من عبق التاريخ كأنه صفحة هاربة من القرون الماضية تروي حكاية شعب عاش في سلام مع الطبيعة....
عند وصولنا إلى هناك استقبلنا صاحبها الذي وجدناه عكس الصورة التي ارتسمت في مخيلتنا فكان شابا في مقتبل العمر في بداية الأمر، ظن أننا مجرد زبائن جئنا لطحن حبوبنا، وبعد أن كشفنا له عن هويتنا، رحب بنا وبدأ يسرد لنا قصة طاحونة «تيمعصرت نموشن» التي بدت عليها علامات القدم، وكأنها شيخ هرم خاض غمار الحياة وتصارع مع صعابها ولازال شامخا وصامدا لأهوالها.
أخبرنا «احسن نموشن» أنه ينوب عن والده «السعيد» في استقبال الزبائن عند غيابه عن المطحنة التي أنشاها منذ خمسين سنة كانت الرفيق الذي رافقه لسنوات طويلة وفي مختلف مراحله العمرية، تعود على صوتها وعلى رائحة الحبوب التي تحكي كدّ الفلاح وتعبه حتى يجعل من محصوله وفيرا وجيدا، هذه الرابطة القوية بين «السعيد» الطاحونة منعته حسب ابنه من غلقها رغم كل الظروف التي مرّ بها، فهي بالنسبة له أكبر من آلة لسحق الحبوب بل هي إرث ثقافي يجب نقله إلى الأجيال القادمة ليتعرفوا على حياة أجدادهم ليتأكدوا أنهم كافحوا من أجل حياة أفضل.
وفي سؤال إن كان الابن ينوي الاستمرار في ممارسة هذه الحرفة، أجاب «احسن» بكل فخر أنه مستعد لمواصلة ما بدأه والده وإن كانت مهنة لا تضمن له ربما قوت عيشه، ولعلّها لا تؤمن له حياة ميسورة بعيدة عن الحاجة، ولكنه سيحافظ على نشاط هذه الطاحونة، ليحمي هذه الحرفة من الانقراض، وأردف قائلا، أن والده يعتز بها ويعتبرها مفخرة، وسيبذل قصارى جهده ليبث الروح فيها، لتعمل وتنشط مدى الحياة وسيورثها لأبنائه لتخلد في التاريخ، وفي المقابل سيبيع الخضر والفواكه، ليكون بمقدوره التوفيق بين مهمة تأمين الدخل المناسب لعائلته والمحافظة على هذا الإرث الثقافي للمنطقة.

«القناطير» أصبحت أكياسا معدودة

وبعد أن قدم لنا «احسن نموشن» فنجان قهوة، واصل حديثه في سرد تاريخ الطاحونة، حيث قال لنا بأنها كانت في أوجّ  نشاطها وكانت تعرف حركة دءوبة طول اليوم، خاصة في مواسم طحن الحبوب في فترة الثمانينات، حيث كان والده «السعيد» يستقبل زبائن كثر ليس فقط من منطقتهم المعروفة بإنتاج الحبوب الجافة، بل أيضا من مناطق أخرى مثل «شعبة العمور»، «إنه الزمن الجميل الذي ولى»، أضاف الشاب وملامح الحسرة والأسف بادية على وجهه، فقد كان آنذاك يطحن ما يقارب الثلاثين قنطارا يوميا في هذه المطحنة.
وهكذا سنة بعد سنة بدأ المحصول يتراجع وبدأ الصمت يخيم على المكان، وولت أيام الِجد والسؤدد، حين كانت مئات الأكياس من الحبوب تنقل التي طاحونة «تيمعصرت نهوشين»، وكأنها  حلم جميل استيقظ منه صاحبه على واقع.. فعل فيه الزمن ما فعل، واصبحت السرعة المطلب الأول والأخير للإنسان الذي دخل مرحلة جديدة من التحضر والتطور.
«أصبح الأمر جد قاس» كما قال احسن: «نحن ننتظر في بعض الأحيان أشهرا عديدة، حتى نرى أحدهم متجها إلينا ببعض أكياس القمح الصلب من أجل طحنه، فالمطاحن الحديثة تحصلت على السبق ونالت حصة الأسد وكنا نحن الضحية، خاصة وأن المستهلك صار يفضّل شراء المنتوج الجاهز».
وأضاف محدثنا أحسن موشين أن المواطن بطبيعة الحال يجد في السوق كل أنواع الحبوب المطحونة، وفي أحسن الأغلفة سواء تعلّق الأمر بالسميد أو الفرينة، وهو لا يعلم أنه بذلك يحكم بالإعدام، على تراث وطني وجب المحافظة عليه وتشجيعه وتوفير السبل لتطويره، وهو ما فعله مع والده، الذي يصرّ على مواصلة الدرب وعدم الاستسلام وهو يساعده بكل يملك من قوة، حيث بدأ العمل معه في سنّ الخامسة عشر، واقتصرت مهمته في  البداية على ملأ الأكياس، وشيئا فشيئا بدأ يتعلم إدارة محرك الرحى (يشير إليه بإصبعه ليرينا إياه) ويصبح الرجل الثاني بعد والده، الذي كان يؤدي مهمته بكل أمانة، ووصف احسن والده قائلا: «و لم يكن يثق في أحد لإدارة معمله حرصا على سمعته ومكانته بالمنطقة، حتى أن الكل كان راضيا على طريقة عمله، ولم توجه له يوما كلمة لوم أو عتاب من أي كان من زبائنه الذين كانوا أوفياء له».
كان «أحسن نموشن» أثناء حديثه لـ»الشعب» يملأ الأكياس، مع وضع العلف الخاص بالحيوانات جانبا،... كانت حركات يده سريعة ومتقنة ما ينم عن  خبرة طويلة اكتسبها مع مرور الوقت، فقد كانت حبات القمح المطحونة تتلاعب في كفه كلؤلؤة ذهبية لتخبه في صمت عن مستوى الطحن المطلوب. وفي شرحه لعمل الطاحونة قال احسن: «في بداية العملية يجب وزن الكمية التي جاء بها الزبون، ثم نمرر الحبوب في إناء مسطح حتى يتم التخلص من الشوائب العالقة، ثم يتم تصنيف السميد إلى نوعين، إنه ميكانيزم سهل وبسيط ـ كما قال مشيرا إلى آلة الطحن -،
وإذا كانت الآلة في حالة جيدة ومزودة بالزيوت اللازمة، فيكفي ربع ساعة لطحن 18 كلغ من الحبوب، أما تكاليف الطحن فهي معلقة في أحد زوايا المعمل وهي 150 دج للكمية المذكورة».

لن أفرط فيما بدأه والدي
 
لم تخف عائلة «نموشن» بالغ أسفها عن الحالة التي آلت إليها الطاحونة، وأكد لنا أحسن في هذا الصدد أن مدخولها ضعيف جدا وهذا الأمر لا يبشر بالخير مستقبلا، رغم ذلك يرفض الوالد مسألة غلقها، لأنه صارم في هذا الشأن بينما باقي أبناءه يرفضون تماما ممارسة هذه الحرفة التي لا تعود عليهم بالربح، ويواصل احسن كلامه: «إن لم أفتح باب الطاحونة لاستقبال العدد القليل من الزبائن يصاب والدي بنوبة غضب تجعله يقوم بذلك لوحده رغم تقدمه في السن فهو في الثالث والثمانين من عمره، وطبعا لا يمكنني أن أقبل بذلك، لذا لم يبق سواي في العائلة يحمل مشعل طاحونة «ثيمعصرث نموشين» ،... أستقبل بعض الزبائن الذين يفضلون طحن الحبوب على الطريقة التقليدية، وكثيرون منهم يأتون لشراء «سميد» الطاحونة نظرا لجودة نوعيته، فهم مستعدون لدفع ثمن الكيلوغرام منه البالغ 100دج فقط لشرائه».
من نبرة صوته تتيقّن من حب لما يقوم به والده، والجلي للعيان أنه مصرّ على إبقاء دفتيها مفتوحتين للزبائن، «إنني أحب هذه الحرفة»، هذا ما صرّح به أحسن والمعمل لا يكل أبدا ولا يتعب أصحابه، كل ما نريده هو محصول نطحنه واهتمام أكثر بالمنتوج اليدوي الذي يجب تشجيعه، فهو في طريق الزوال مثل بقية الحرف اليدوية الأخرى، كالحدادة والنجارة المهددة اليوم بالاندثار، وعليه يجب أن تتكاثف الجهود لحماية هذا الإرث الإنساني والحرص على استمراره للأجيال القادمة.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019
العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019